محجوب حسين
بعيدا عن محاولات «عقلنة» الدولي أو الإقليمي للخرطوم عبر بوابة أديس ابابا أو الدوحة، الثابت أن هناك مشروعين للعنف يتسيدان الواجهة السودانية ويتحكمان فيــــها، أولهما، مشروع عنف عسكرتاريا الإسلام السياسي، المتحالف مع جوقة اللحى عبر ثقافة إفســاد الديني لغاية الدينوي ما أمكن، برئاسة ورعـــاية خاصة للرئيس السوداني، الذي انتهى به المآل إلى مشروع مأسسة متكاملة، ومنظمة منتظمة في أمرين اثنين هما، الجريمة والفساد القح، كمميزات محتكرة، خاصة لمشروع حكمه الذي تجاوز العقدين ونصف العقد.
فيما الثاني، مشروع عنف الحماية عبر الوكالة، لحماية مشروع عنف الأول، الذي شاخ وعجز عن حماية ما انتهى إليه، أعني بالثاني هنا، «مشروع الجنجويد الوطني»، الذي بات أهم مؤسسة «وطنية» تنتج العنف وتستقي شرعنة جرائمها مباشرة من السلطان الضال، كرمز لصناعة الجريمة، بعدما تمت مأسستها وتقنينها ضمن أطر دولاب عنف الدولة السائد، ذات القوانين الممنوحة، وفيها تكشف للناس أكثر من أي وقت مضى، أن جوهر مطلب إسلامويي الخرطوم، مرده دون سواه، كرسي الاستبداد الذي به حكموا على صيرورة النهوض والتاريخ السودانيين بالتوقف، ليتكشف للناس أيضا أن الخطاب «الدعوي» و»التربوي» و»القيمي» السماوي ما هو إلا «فرية» ما انفكوا يرفعونها في الحكم وخارجه، فكان السقوط من كل نفس سودانية أبية، وثبت معه، ان الحقل الذي يجيدون الاشتغال عليه هو شمول حقل اللاقيم في السياسة والاقتصاد والأخلاق عندما تكون في الحكم، وعندما تكون خارجه فهم في وضعية «البدون» بدون منازع، هم يعلمون ذلك ولذلك هم يتشبثون، وفي هذا التشبث الاستبدادي، قد يتفاجأ الناس بفتوي جواز «عدم الصلاة» إن كان في الأمر ربح مادي أو سلطوي.
هذه الجمهرة الممسكة بالبلاط السوداني لا تخاف ولا تخجل اليوم من شيء، إدانة، شجبا أو رفضا، ولا ضير حتى لو نعتوا بقوم اللادين أو اللامعتقد السياسي والأخلاقي، الذي يحكم مسارهم.
بالعودة إلى مشروع الجنجويد في نسخته الجديدة، ظاهرة «حميدتي السريع جدا» الذي امتلك كل مقومات الدولة الدفاعية والحربية، بعد الاستئصال التدريجي للقوات المسلحة السودانية كمؤسسة باتت خارجة عن الخدمة، غير نياشينها الباقية التي لم يذعن أو يخضع لها حتى أي كلب حراسة. هنا ومن زواية أبعد، يبقى السؤال مشروعا، عن أي أفق سياسي مرتقب يمكن أن تفاجئ أو تتفاجأ به الساحة السياسية السودانية؟ لأن المؤكد، بعد تاريخ خراب الحركة الإسلاموية للبلاد، يتضح جليا أن القوة الموازية الوحيدة العنيفة التي يمكن أن ترث دولة العنف التي كبرت واضمحلت هي عنف المشروع الجنجويدي، لاســـيما أن قوة العنف تشكل أحد أهم محددات آليات الوصــول إلي السلطة في الدول الأفريقية، والخـــرطوم هنا واحـــدة منها، وليست استثناء، فبإعمال قانون الموضوع يمكن الجزم بعدم إمكانية ان تتعايش قوتان إجراميتان ومجرمتان دوليا، وفي ظل توازن قوى هو الآخر مائلا أو مفقود، فضلا عن دور مفترض، تجاوزته الأحداث لمشروع عنف الحماية، لتتحول من مركز الحماية إلى انقلاب ضد المشروع، الذي أوكلت إليه حمايته، وشواهد التاريخ الإنساني في هذا المضمار عديدة، بدون أن ننسى أن ما يدفع أو يغذي هذا الطموح، هو علم قيادتي المشروعين استحالة بقاء زواج المتعة للأبد، حيث بالمحصلة ضرورة خلاص واحدة من الأخرى، قبيل انتهاء فترة استعمالها أو زوال ظروف ومسببات الاستعمال لكل منهما.
إن الواقع في هذه الحالة يقر بأن تلحق الواحدة بنفسها، وأن تتولى المهام التي كان يقوم بها الآخر، هذا ما يفرضه قانون الصراع في حلبة سياسية لا تحسم شرعيتها ومشروعيتها وفق المقاييس الموضوعية في نظم السياسة بناء على معيار، قوة وكثافة النيران، وبالقياس هنا نجد أن تجيد مجموعات الجنجويد الفعل، أكثر من الطرف الحكومي ومليشياته الصبيانية في التنظيم، التي لا تنتظم في ميدان القتال، كما لا تستطيع الصمود كثيرا.
في هذا السياق، يلحظ في الآونة الأخيرة، وبشكل غير مسبوق، مظاهر استعراض القوة المفرطة من طرف هذه المجموعات في المدن الوسطى وفي المركز السوداني، أرادت السلطات ان تقدمها في رسالة أمنية وعبثية، همجية، أو هي كذلك، لإنسان هذه المناطق المتاخمة لمواقع صناعة القرار في البلاد ومحل قواها السياسية المحتكرة للفعل السياسي الوطني، وعلى غير العادة، يذكر أن هذه الساكنة لا تعرف عنها شيئا غير كونها قوات شريرة همجية، عكس شعب دارفور، الذي خبرها وحاربها وتصدت لها حركات ثورية وقوى مدنية، في ملاحم حربية، إلا لو أرادت أن تسجل ما تزعم به هي وحدها، والتاريخ الحربي للصراع الذي بدأ قبل عقد ونيف شاهد لعصره كما هو موثق ومسجل. فيما الحقيقة أن السلطة السودانية والجنجويد هما سواء في تقييم الشكل والمميزات عند الوعي الجمعي لدى الشعب السوداني وبدرجة أكبر، عند الغرب الكبير، باعتبارها قوات معادية، لعبت دورا وما زالت ضد الثورة المقاومة السودانية المنطلقة من هناك، تتجاوز كونها مكروهة أو منبوذة إلى كونها معادية .
وعلى افتراض الاصطدام بين مشروعي العنف، فهو حتمي ولا مناص منه، بل يتبدي أنه وشيك الوقوع، أو مرتقب بدرجة كبيرة، جراء مظاهر القلق والتوتر القائمة والخوف المشترك المتبادل.
وفي هذا المعطى يبقى مهما التساؤل عن أهلية مشروع الجنجويد، ليتحول إلى مشروع يحمل أعمدة سياسية بصياغات لتحالفات جديدة وإعادة تأهيل متكاملة تضمن توافقات الوطني وتأييد الدولي، بعد التحقق من ملف إجرامه الذي يتساوى فيه مع سلطة الإجرام التي يقوم بحمايتها؟ حيث هي بالكاد تخدم مصالح نخبتها الجنجويدية التي تموقعت في سلطة القرار، الدولة الإجرامية، وتقوم بتوظيف خام الجنجويد خدمة لمصالحها ووضعتها في معاداة وكراهية المجموع السوداني، وتلك جدلية تبرز تحديا لجيل الجنجويد الجديد في إمكانية إعادة صياغة شأنها المستقبلي في البلاد، بعيدا عن الإجرام والكراهية والاستعمال من طرف الآخر السياسي المستغِل والمهيمن.
وأزاء هذا الافتراض الذي يجد سنده في تخوف الخرطوم وأجهزة الدولة التي قامت بالصناعة وتدبر معها خطط سيناريوهــاتها التي في الغالب غير معلنة، للتقلـــيل من كم هـــذا التضخم الجنجويدي وفاعليته، رغم أنه تجاوز حد السيطرة وإمكانية تقـــدير أي مراجعة ممكنة، تحد من المشروع الجنجويدي المرسوم في مراحل، واعتقد انها تقترب من المرحلة الأخيرة، قبل حلول المواعيد الافتراضية الموضوعة، بعد السيطرة وتولي مراكز الارتكاز.
في هذا الإطار، هل يكفي في «البيان رقم واحد» الإطاحة أو إقبار الحركة الإسلامية، في حجز مقعد عفو لدى الشعب السوداني؟ وهل يعتبر تسليم مجرمي الحرب من إسلامويين وجنجويد إلى الجهات العدلية الدولية المعنية كافيا لحجز مقعد عفو آخر؟ وماذا عندما تسترد الدولة من عصبة الاحتكار الإسلاموية العنيفة، وتسلمها للإرادة الوطنية الديمقراطية هل يكون هذا مقعد عفو ثالثا، والمؤكد عندما يقع الاصطدام مع القوات المسلحة هل يلعب دور المتفرج، الذي لا مصلحة له في الوقوف مع أي طرف إلا بما يحقق مصالحه، التي هي في الحالتين غائبة .
نقلا عن القدس العربي