د. مهند حاج علي
ليست مفارقة أن دونالد ترامب المرشح الجمهوري للسباق الرئاسي في الولايات المتحدة، يبدأ زيارته لبريطانيا مع ظهور نتائج الاستفتاء لمصلحة خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.
صوتت غالبية مهمة من البريطانيين مع الخوف، مع خطاب شعبوي ساق أكاذيب كثيرة للتحريض ضد المهاجرين الأوروبيين، وحاك مؤامرات خيالية قادمة ضد بريطانيا. لم تهزم بريطانيا خيار ترامب. فالكراهية أودت قبل أيام بحياة النائب العمالية المعارضة جو كوكس التي كرّست حياتها السياسية القصيرة لتأييد حقوق اللاجئين والمهاجرين، ودعم التنوع وثقافة تحمل الآخر لأننا “أقوى معاً”. لكنها سقطت ضحية تحت صرخة “بريطانيا أولاً”.
إلى أي مدى يُمكن أن تصل الأكاذيب؟ الاستفتاء البريطاني على عضوية الاتحاد الأوروبي أثبت قوة الكذب كسلاح انتخابي، وعموداً فقرياً للخطاب الشعبوي. أول الأكاذيب كان التخويف من العضوية المحتملة لتركيا، بلد فيه ٧٥ مليون مسلم، في الاتحاد الأوروبي. وإن كان هناك إجماع بين دول الاتحاد كافة، فهو على عدم قبول تركيا عضواً في الإتحاد، سيما أن اليمين المعادي للهجرة يوالي صعوده في الدول الأعضاء، وتُعيد مفرداته تشكيل السياسة فيها.
والمفارقة أن عمدة لندن سابقاً بوريس جونسون، حفيد السياسي والصحافي التركي علي كمال، هو أحد رافعي لواء الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، والتخويف من عضوية تركيا. بريطاني من أصل تركي يستخدم الأتراك فزّاعة لتحريض البريطانيين على التصويت ضد البقاء في الاتحاد الأوروبي. واللافت أيضاً أن جونسون كان أحد أشد المؤيدين لعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وهو ما حاول استدراكه أخيراً بأنه لا يُمانع أبداً ذلك “شرط أن تُغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي”. تركي الأصل يُخيف البريطانيين من الأتراك.
لكن خوف البريطانيين من تدفق المهاجرين إلى المملكة المتحدة، كان أيضاً وراء اتخاذ رئيس الحكومة الحالي ديفيد كامرون قرار إجراء الاستفتاء لكبح صعود حزب بريطانيا المستقلة “يو كاي اندبندنت” اليميني. وهو صعود قرأه جونسون بتأنٍ أكبر، ففتح معركة داخل حزب “المحافظين” ضد وزير المال جورج أوزبورن، لخلافة كامرون قبل الانتخابات العامة المقبلة عام 2019. وبخلاف حزب “العمال” المعارض الداعم للبقاء في الاتحاد، انقسم حزب “المحافظين” الحاكم بين مؤيد ومعارض لعضوية الاتحاد، مع اندفاع أكبر باتجاه الانفصال في أعقاب فشل رئيس الحكومة البريطاني في تحقيق وعود أطلقها بإصلاح الاتحاد الأوروبي، وانعكاس ذلك على شعبية الحزب الحاكم.
وبين الأكاذيب الكثيرة التي سيقت في سياق الحملة للاستفتاء، أن المهاجرين في بريطانيا يعتاشون من تقديمات الدولة، ولا يدفعون الضرائب. والواقع أن غالبيتهم تدفع الضرائب ولا تحصل على مساعدات حكومية. كما كذبت حملة مغادرة الاتحاد الأوروبي في شأن كلفة العضوية، إذ أعلنت أنها ٣٥٠ مليون جنيه أسبوعياً، في حين الرقم الحقيقي لا يتجاوز ١٤٠ مليون جنيه أسبوعياً. في مقابلها، تحوز بريطانيا على مكافآت كثيرة مثل السوق المشتركة وعمل وإقامة أكثر من مليون بريطاني على الأراضي الأوروبية.
كما أن عضوية الاتحاد الأوروبي كانت مفتاحاً لحلول سياسية في المملكة المتحدة نفسها، من إيرلندا الشمالية الخارجة من حرب أهلية طويلة، إلى اسكتلنده التي يُطالب القادة الانفصاليون فيها باستفتاء جديد لفصلها عن المملكة المتحدة. هذا الاستفتاء الاسكتلندي بات ممكناً وأكثر ترجيحاً لأن الخروج من الاتحاد الأوروبي يعني ميلاً أكبر لليمين، وهو ما لا يروق لهذا الاقليم اليساري الهوى.
ومع انهيار الاسترليني إلى أدنى مستوى منذ 3 عقود، يتوقع خبراء اقتصاديون عودة المملكة المتحدة إلى الركود الاقتصادي نتيجة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.
العامل الوحيد المهدئ ربما هو مفاوضات الخروج التي ستستغرق سنتين أو ربما أكثر، وفقاً لتقديرات اعلامية، للوصول إلى تفاهمات تحكم علاقات بريطانيا مع جوارها الأوروبي. لكن أي اتحاد أوروبي ستتفاوض معه بريطانيا في هاتين السنتين مع ارتفاع الأصوات المطالبة باستفتاءات في بلدان أوروبية أخرى؟
بريطانيا لم تختر العزلة فحسب بل أطلقت صفارة قطار لا بد أن يستقله آخرون.

*(نقلا عن صحيفة المدن)