خالد فضل
بنهاية هذا الشهر تكمل فترة حكم الإنقاذ الوطني الاسلامية عامها السابع والعشرين كأطول فترة حكم وطني منذ خروج الاستعمار , قبلها حكمت سلطة مايو لستة عشر عاما , وباكرا حكم الفريق عبود لست سنوات فقط , بين فترات الحكم العسكري الشمولي ذي الطبيعة الاستبدادية القُحة ثمّة فجّات لفترات قصيرة سادها الحكم النيابي الديمقراطي لم يتجاوز مجموع سنواتها المتقطعة تسع سنوات , بينما بلغ مجموع سنوات الشمولية والعقائدية الديكتاتورية 49 سنة كاملة , الملاحظ أنّ معظم فترات الحكم الوطني قد تميّزت بلجلجة شديدة حول موضوع إقحام الدين الإسلامي في السياسة , بتديين السياسة أو تسييس الدين , فبإستثناء فترة الإستقلال الأولى النيابية الديمقراطية وما تلاها من فترة حكم الفريق عبود أي الثمان سنوات الأولى للحكم الوطني لم تخلٌ الساحة السياسية السودانية بعد ذلك من طرح مسألة الدين على مستوى الحكم , وحتى خلال فترة حكم عبود بدأت ملامح ظهور الديني فيما تم اجتراحه كحل لمشكلة الجنوب وقتذاك بفرض أساليب الأسلمة والتعريب على الجنوبيين لإلحاقهم بالمركز العرواسلامي المهيمن , وهو اسلوب الوحدة الوطنية التماثلية كما أسماه البروفسير عطا البطحاني ؛ أي أنْ يصير جميع المواطنين متماثلين ثقافيا ودينيا أو على الأقل يتماهى الآخرون مع النموذج المثالي المفترض لشكل الدولة السودانية بإعتبارها دولة (عربية /إسلامية ) . هذه مسألة معقّدة لإرتباطها الوثيق بالهوية الوطنية , وبالطبع ارتباطها بحقوق الإنسان , وحقّ الآخر في أنْ يكون آخرا دون الانتقاص من قدره الوطني كمواطن كامل الأهلية .
يلاحظ علو صوت مشروع الأسلمة للدولة السودانية في فترة ثورة اكتوبر 1964م وما تلاها من سنوات قليلة تحت الحكم الديمقراطي , بل كان المرحوم د. حسن الترابي أكثر جرأة في طرح مشروع الدولة الإسلامية وتحديد وضعية غير المسلمين فيها من خلال إجابته عن سؤال المرحوم الأب فيليب عباس غبوش عندما كانت الجمعية التأسيسية لحكومة اكتوبر تناقش من عجب مشروع الدستور الإسلامي في بلد غارق في الأزمات الوجودية ويكابد سكانه القليلون ويلات الحياة اليومية من مأكل ومشرب وكساء وتعليم وصحة وغيرها من ضروريات الحياة الأساسية , لكنها مكايدة ومزايدة مشروع الأسلمة المعروف . قال د. الترابي بوضوح شديد إنّه لا يجوز لغير المسلم تولي رئاسة الجمهورية في ظل الدستور الإسلامي , وهو قول صحيح وصادق وإنْ بدا جارحا لمشاعر المواطنة وحقوق الإنسان التي يسعى المشروع الآخر العلماني لسيادتها في السودان . في فترة مايو التي ابتدأت يسارية علمانية لكنها ديكتاتورية انقلابية , وجد الأخوان المسلمون ورفاقهم في الجبهة الوطنية من أنصار وإتحاديين أنفسهم مرّة أخرى يسوقون لمشروع اسلامية الحكم تحت زعم محاربة الشيوعية والإلحاد , في واقع الأمر لم يكن المرحوم النميري وضباط مجلسه العسكري أو حتى القوى اليسارية الشيوعية والقومية العربية الداعمة له قد تبنوا مشروع (إلحادية الدولة ) حتى يقال بأنّ الطرف الآخر يريد أسلمتها , ولكنها مرّة أخرى تاكتيكات وتدابير الجماعات الإسلامية في تسييس الدين تحت زعم تديين السياسة للتمكّن من السلطة والإنفراد بها وتحويلها إلى ريع خاص بالحاكمين وإمتداداتهم الإجتماعية والحزبية . وبالفعل تمّ التدشين الرسمي للدولة الإسلامية على يدي النميري في العام 1983م بإعلان تحويل السودان الى جمهورية إسلامية تحكمها قوانين العقوبات الشرعية بما فيها من جلد وقطع للأيدي وصلب وشنق للمفكرين بإعتبارهم مرتدين عن الإسلام . وأكتملت طبعة الدولة الإسلامية كما تشتهيها الجماعات الإسلامية بإنقلاب الإنقاذ في 30يونيو1989م والذي من مبرراته الساذجة لزوم التعمية والتمويه , فرض أحكام الشريعة المجمّدة خلال فترة الهدنة الديمقراطية , وقد عاش السودانيون سنوات الفترة الديمقراطية تلك تحت رحمة ابتزاز الجبهة الإسلامية القومية وهتافات منسوبيها ومظاهراتهم الصاخبة فيما أطلقوا عليه ثورة المصاحف والتي كانت في الواقع مقدمات موضوعية لمؤامرة انقضاضهم على السلطة . ومن بعد وعلى مدى عقدين وسبع سنوات وما يزال السودان رهينة لهوس الجماعات الإسلامية ومزايداتها باسم الاسلام , بينما تضآءلت الدعوات بعلمانية الدولة وصار يٌنظر إليها وكأنّها دعوات غريبة , ولكن مجرّد تأمل سطحي لواقع حياة الناس وبعقد مقارنة سريعة بين حال البلاد والشعب تحت حكم الشريعة والجماعات المهووسة اسلاميا وما قبلها تتضح نجاعة وموضوعية الدعوة لعلمانية الدولة بإعتبارها المشروع البديل بشرط تلازمها مع الديمقراطية , ففي مجال ديمقراطي حر يتيح حرية الفكر والنشر والتنظيم والبحث العلمي ويصون حقوق الإنسان ؛ تتأسس الحجج القوية والممارسات الفعلية لرجاحة الدولة العلمانية بإعتبار طبيعة الدولة نفسها وكما في قول مأثور أستشهد به الراحل د. جون قرنق فالدولة لا تحجّ ولا تصوم ولا تصلي في المسجد أو الكنيسة . وفي ظلّ الدولة العلمانية يتخذ الدين حجمه وموقعه الفعلي كمصدر إثراء روحي للفرد مكفول الحقوق بما فيها حقّه في البحث عن ذلك الإشباع الروحي والذي يقابله في أحكام الشريعة (حكم الردّة)! بل وفي ظلّ إسلامية الدولة يصبح المذهب الشيعي في السودان مثلا من المذاهب الهدّامة التي يجب محاربتها , ففي دولة علمانية ديمقراطية لا يمكن لجم معتقد مذهبي للمواطنيين بحجة كفره أو شرّه , فالإختيار الديني من حقوق الفرد وليس من واجبات الدولة , وإزاء العجز عن الوفاء بمطلوبات الحكم وإدارة الدولة في أبسط مهامها تلجأ فئة المتسربلين بالإسلام إلى المغالطات الفجّة مثل إنعدام الكبريت أو صفوف الدعارة , ودون أنْ يطرف لهم جفن أو تمسّهم طائفة من حياء لا ينظرون إلى انهيار قيمة العملة المحلية أو غلاء وجحيم المعيشة أو الأدوية المغشوشة أو معدلات وفيات الأمهات والأطفال أو نزيف العقول والخبرات الوطنية أو الموت المجاني للفارين في خضمّ البحر الأبيض المتوسط , وغيرها من أسوأ الأوضاع التي مرّ بها الشعب السوداني منذ أن وجد على هذه الأرض , إنّهم ؛ أي أرباب المشروع الإسلامي , في حلّ عن ذكر كيف تصحّرت العاصمة وفقدت المكتبة والمسرح والسينما , وجفّت أحبار المطابع , وأُغلقت المقاهي , وتراكمت النفايات وبيعت المساحات الخالية وسط الأحياء والتي خُططت كمتنفس للمواطنيين , لا يريدون رؤية كل هذا لأنّ طبيعة المشروع الإسلامي تقوم على المزايدة اللفظية والهتافات الخاوية وإفشاء أجواء الإرهاب والتخويف , بينما المشروع العلماني الديمقراطي يفترض في المقابل أن تقوم الدولة الديمقراطية المنتخبة من الشعب بمختلف أعراقه ومذاهبه وأديانه ومنحدراته الثقافية تقوم برعاية هؤلاء المواطنين وتسهر على خدمتهم وتخضع لسلطتهم بما في ذلك الحق في إزاحة الحاكم عبر الوسائل السلمية كالتظاهر والإضراب السياسي والندوات والتنظيم والكتابة وغيرها ودون أن يكون ذلك مدعاة لخروج عن دين أو تهم سطحية ضد العلمانيين وتصوير ساذج للمشروع العلماني وكأنّه فقط معني بفتح البارات ونشر بيوت العارة !1
إنّ الحاجة تتزايد كل لحظة لعودة الوعي لعقول غالبية الشعب السوداني , فليس أقوى من التجربة الفعلية من برهان , ولا يأخذنّ الناس فذلكات وتهويمات من يمسكون العصا من وسطها على شاكلة التبرير الفطير ( والله الشريعة ما كدا لكن الجماعة ديل غلط ) , هذه حجة بائرة وتاريخيا قال بها العباسيون ضد الأمويين فأنتهوا الى وصف حاكمهم بالسفاح , وقال بها الفاطميون ضد العبّاسيين فانتهو إلى مسخ مشوه , وقال بها الإسلاميون ضد الأنصار والختمية فأنتهى إسلامهم الى هذا البوار الذي نعيشه , وقالها تنظيم القاعدة ضد السلفيين وقالتها داعش ضد الكٌل فهل الدعوة للإسلام وحكمه ما دعت داعش؟