عيسى إبراهيم *
* محمود الجراح فتى من السودان، وفي السودان من غربه الحبيب إلى النفس، قصير القامة نحيف الجسم (يكاد الجلد يلتصق بالعظم)، “أخضر” اللون، عزيز النفس، كريم المنبت، يدخل قلبك بلا استئذان، ويأسر عقلك، في العام 1967 في أكتوبر ذهبنا إلى القاهرة للالتحاق بجامعاتها لاكمال الدراسة أما هو الـ ” محمود الجراح ” فقد دلف إلى “صحن” الأزهر – كلية أصول الدين، لا أدري في نفس عامنا أم سبقنا بأعوام، وقبلت أنا بـ “كلية دار العلوم” (أسسها الشيخ علي مبارك بعد عودته من بعثة دراسية في فرنسا، ولما رفض الأزهر ادخال العلوم الحديثة في مناهجه الفقهية – الدينية، أسس علي مبارك في العام 1871 “مدرسة دار العلوم” يُدرس بها العلم المادي التجريبي بشعبه المختلفة، بجانب العناية باللغة العربية والعلوم الاسلامية، وأصبحت دار العلوم – في ما بعد – نواة وأماً لجامعة القاهرة في العام 1902 تقريباً)..
* لا ترى الجراح “محمود” إلا وهو في بدلته الشتوية شتاء ولكن بلا ربطة عنق؛ لا فيونكا ولا كرفتة!، لعله يرفض القيود، وفي قميصه الوردي وبنطاله صيفاً و”الكدوس” لا يفارق شفتيه، إلا بعد “شفطة” عميقة لما بداخله من احتراقات مكوناته المعسِّلة، ثم يعود إلى مكانه بين شفتيه، كانت تطالع عيناي سمته البهي عادة في السفارة السودانية بشارع القصر العيني في اليوم الموعود يوم 21 من كل شهر لصرف الاعانة الشهرية المقدمة من السفارة لطلاب الجامعات، ومقدارها سبعة جنيهات مصرية، ويزداد المتفوقون الذين يحصلون على تقدير “جيد جداً” وما فوق، كيل بعير (جنيهين مصريين بجانب السبعة الشهرية) يميرون به أنفسهم، ويشترون به ما تخرجه المطابع المصرية من مطبوعات، ويندر أن يمر عليك يوم ولا يطالعك فيه مطبوع جديد جاذب من التراث أو من بديعات المؤلفين، وعاصرنا آنذاك توفيق الحكيم ونجيب محفوظ واحسان عبدالقدوس وأنيس منصور “وداعاً أيها الملل”، وغيرهم من رموز الكتابة كثر، والقاهرة كما تعلمون وكما يطلق عليها أهلها هي “أم الدنيا”، فما هي “أم الآخرة” إذن؟!..
* عرفنا محمود الجراح في القاهرة كاتباً ناشئاً عبقرياً من خلال تعليقات الكتاب المصريين عنه، فقد روجوا له وآزروه وأشادوا به، أخرج آنذاك كتبه “غلالة الصمت” و”الصمت والرماد”، وهي كتيبات في حجم “الجيب”، كانت تعرض علينا في أيام السفارة العامرة بالجنيهات، فنشتريها بثمن بخس دراهم معدودات، ولم نكن فيها من الزاهدين بل من الراغبين، وذلك لأن المطبوعات في مصر رغم غناها من حيث المحتوى ولكنها كانت في متناول يد الجميع، للجراح تعبيرات لاذعة ومعبرة وتملؤنا فخراً حيث تنتقم لنا من أولاد بمبا كشر “المصاروة” رغم فضلهم الكبير علينا في التعليم، والثقافة، فقد كان بعضهم – وهم قلة – يطلقون علينا لفظ “البرابرة”، والمصريون بشهادتي واحتكاكي بهم ليسوا عنصريين، وهم يزوجون بناتهم (سنونن يُمة زي “شخب” الحليب الصافي يرهج في الكبابي) لكل من هب ودب، ولكل ألوان الطيف، من الداكن إلى الفاتح إلى خاتف لونين، بلا استثناء، وما نكروما الزعيم الأفريقي العظيم ببعيد، من تعبيرات “الجراح” اللاذعة والمعبرة (في آن) قوله في أحد كتيباته: “جئت من بلدٍ يُكرم الضيفان إلى بلدٍ يُباع فيه “السوداني” بـ”صاغ”، والصاغ هو القرش، ولا تغيب عن فطنة القارئ رمزية كلمة “السوداني” التي تعني “الفول السوداني” فقد عبر بها “الجراح الحبيب” عن ثورته وتمرده وهو العزيز الجانب، الكريم المنبت، في بلد كان منتجاً لكل شيئ في تاريخه القديم قبيل اعتلاء ظهورنا الكاسدون فكراً وعملاً وحماساً ونخوة، عناوين محمود في حكاياته كانت جاذبة ومدهشة من ذلك عنوانه: “حبيبتي تخونني مع زوجها”!!، فانظر وتعجب وابحث واقرأ!!..
* عمل الجراح في السودان بعد عودته إليه، لعله في بداية السبعينيات، في عدة صحف سودانية أيام رواجها وسطوتها وعنفوانها في العهود الديمقراطية (قصيرة العمر) والعسكرية والحزبعسكرية (طويلة العمر)، ولعله ما كان يهتم بالآيدلوج ولا ينازعه ولا يصارعه فقد كان صاحب مزاج خاص، ومحيط خاص، وجماعة خاصة، أذكرني معه ذات يوم في شارع أمبدة الردمية الحارة 16 جوار الصهريج نتجاذب أطراف الحديث وبرفقتنا الأخ الحبيب “الأمين أحمد نور” ود اللبييض والنهود، وفاتني أن أقول أن “محمود الجراح” من قبيلة “حمر” السودانية العريقة، فعانقت آذاننا “حمحمات” حلقية من “تالا” الصهريج، فانتبه محمود وأخذته نشوة عميقة فقد أثارت الحمحمات الرتيبة كوامن الثقافة الحمرية فيه، فهل كان معنا آنذاك أم أنه انتفض وغاب وراح “في صمت” يبحث عن مصدر تلك “الحمحمات” الحبيبة الشجية المشبعة بأنفاس القرية وطيبتها؟!..
* أين أنت يا “محمود” يا “جراح” إني اشتاقك، فهل من عودة تاني نداوي بها الجراحات النازفات؟!..
eisay@hotmail.com*