التغيير: الخرطوم
*لا توجد غرفة عناية مكثفة للأطفال بولاية الجزيرة
*هكذا مات الطفل بأيدينا!!
* هذا هو مشروعنا المستقبلي الذي سيكلف 20 مليار جنيه

قبل نحو أربعة سنوات، بدأ بضعة من الشباب وهم يرتشفون الشاي بالقرب من احدى بائعاته نقاشا حول كيفية مساعدة الأطفال المحتاجين للعلاج في المستشفيات ويجد أهلهم مشقة في دفع تكاليف الدواء.
وقرر هؤلاء الشباب تكوين مبادرة أطلقوا عليها ” اسم شارع الحوادث” واتفقوا على الاسم الذي يعبر بشكل سليم عن فكرة تقديم المساعدات للمحتاجين في تلقي العلاج باعتبار ان “شارع الحوادث” له وقع خاص عند المتلقين السودانيين وهو اسم يطلق على الشوارع التي تمر بالمستشفيات الكبيرة في الخرطوم وغيرها من المدن السودانية.

وجد هؤلاء الشباب صعوبات كبيرة في تطبيق الفكرة عند بدايتها كما يقول كمال معز وهو احد المؤسسين للمبادرة ” كنّا نفتقر للخبرة الكافية وبعضنا يخجل من ان يقوم بسؤال الناس عن حوجتهم للدواء والذهاب الى الصيدلية واقناع أصحابها بالتبرع بالدواء”. ويضيف ” اكثر ما كان يثبط عزيمتنا هو عدم اقتناع العديد من جيلنا بالفكرة وأنها لن تنجح وعلينا التخلي عنها وبالتالي أقنعوا عددا منا بالتوقف عن المشاركة”.

وواجهت “شارع الحوادث” في طريقها الكثير من التحديات المعروفة في العمل الطوعي.
فالمبادرة لم تكن حكومية او تحت لافتة احزاب معارضة بل جاءت أهلية وشبابية صرفة. وفي هذا الصدد يؤكد معز ان كثيرا من الجهات الحكومية حاولت وضع العراقيل امام عملها خاصة وان اسمها بدا في الانتشار والقبول ” حاولت العديد من الجهات الحكومية والأحزاب ان تتبنانا وعندما نرفض توضع بعض العراقيل أمامنا وربما يعرف الجميع قصة الصحافي المحسوب علي الحكومة والذي حاول التشكيك في المبادرة والذمة المالية لها ولكن كل المحاولات باءت بالفشل”.

ولكن بعد مرور اربعة سنوات من طرح الفكرة التف حولها اكثر من ألفي شاب وشابة ومن كافة ارجاء البلاد وعرف الجميع بالمبادرة. ففي يوم الخميس الماضي نظمت المبادرة إفطارا رمضانيا في الخرطوم شارك فيه المئات من المتطوعين وأسرهم الذين ساندوا الفكرة منذ ان طرحت.
كان الغالب على الحضور هم الشباب الذين هم في العقد الثاني والثالث من عمرهم ومن كل السحنات والالوان التي تميز المجتمع السوداني. وكشف مؤسسها انهم أنفقوا نحو 3 مليارات في مشاريعهم والتي من أهمها غرفة العناية المكثفة للأطفال في مستشفى امدرمان التعليمي.

وخلال عرضهم للمشاريع التي نفذت والخطط المستقبلية ، رسم مندوبوا المبادرة في مدن السودان المختلفة – وبحكم التصاقهم بالمجال الصحي – صورة قاتمة عن الأوضاع الصحية في مناطقهم والصعوبات التي تواجههم.
حيث كشف مندوب مدني ميرغني هاشم عن عدم وجود غرفة للعناية المكثفة للأطفال في كل ولاية الجزيرة وان كثيرا من الحالات توفيت بالطريق عند محاولة نقل الحالات الحرجة من مدني الي الخرطوم ” في واحدة من المرات توفي احد الاطفال في أيدينا وكنا في انتظار دوره لأخذ جرعة من الأوكسجين نسبة لوجود عدد كبير من الاطفال في الانتظار”.

واضاف وهو يتحدث ” للتغيير الالكترونية ” ان هذه الحادثة بالذات جعلتهم يفكرون وبشكل جدي في انشاء وحدة للعناية المكثفة للأطفال في مستشفي ود مدني. واوضح ان المشروع يمضي بطريقة جيدة بعد ان صدقت السلطات على قطعة الارض والانتهاء من التصاميم الهندسية اللازمة للمشروع ” المبنى سيكون من طابقين وسيتع لعدد كبير من الاسرة وسنقوم باستجلاب جهاز لحل مشكلة الأكسجين بشكل نهائي للوحدة والمستشفي معا.. المشروع يكلف نحو 20 مليار جنيه وبدأنا فعليا حملة لجمع المبلغ من المحسنين ورجال الاعمال خارج وداخل السودان كما ان إدارة جامعة الجزيرة تقف معنا في التنفيذ “.

اما الاوضاع في مستشفى كوستي ، فتبدو سيئة ايضا ، فطبقا لاحمد مرغني عضو المبادرة فان المستشفى لا يصلح لان يكون مكانا لعلاج الاطفال لعدم توفر اي شيء للعلاج ” البيئة سيئة جدا وهنالك ازدحام شديد في قسم الاطفال لعدم وجود مستشفيات ريفية في المناطق المجاورة لكوستي كما انه لا يوجد اخصائيين للعمليات الكبيرة”. واضاف يقول ” خطتنا في “شارع الحوادث” اولا تحسين بيئة العمل عن طريق 40 متطوع وبعدها سنفكر في المشاريع المستقبلية “.

والملاحظة التي لا يمكن إغفالها ان عدد المتطوعين من المبادرة في دارفور حيث الحرب والنزوح كبير جدا وفي ازدياد. فقد كشفت نفيسة الطاهر من نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور ان عدد المتطوعين قد بلغ 500 شخص وان هذا العدد في ازدياد مضطرد “بدأنا العمل منذ العام الماضي وهنالك عدد كبير من المتطوعين وخاصة من الشابات وهنالك رغبة كبيرة في تقديم المساعدة”. وأضافت ” نعمل داخل مستشفى نيالا من اجل تحسين الخدمة لكن المشكلة الكبرى التي تواجهنا وهي عدم وجود سيارات الإسعاف “.كما تؤكد تبيان عبد الله مندوبة شارع الحوادث في منطقة الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور انهم وبالرغم من انهم بدأوا العمل هذا العام الا ان عدد المتطوعين قد قارب ال 300 شخص ” حتى الان قمنا بتقديم الخدمة لنحو ستمائة حالة محتاجة وهنالك التفاف كبير حول الفكرة من الجميع في الضعين”.

واللافت ايضا ان كثيرا من أسر المتطوعين شرعوا في مساندة الفكرة وتفهم رغبة ابناءهم في العمل الطوعي. وترى الحاجة زينب وهي والدة احدى الشابات المتطوعات انها بدأت تؤازر ابنتها في كل ما تقوم به ” جيينا من مدني للخرطوم خصيصا للمشاركة في هذا الافطار ومعرفة المزيد عن هذه المبادرة.. ولقد سعدت للغاية بهذه الفكرة وهذا الاندفاع للعمل الخيري والذي يميزنا نحن كسودانيين من سنوات وكنت أخشي ان تندثر هذه الفضيلة.. ولكن عندما رأيت كل هؤلاء الشباب قلت في نفسي ان البلد مازالت بخير”.

ولم تنحصر المساعدات التي تقدمها المبادرة علي المستوى الطبي بل ظهرت الكثير من المشاريع في مجالات اخرى مثل مساعدة الفقراء في مواجهة احتياجات شهر رمضان والأعياد في ظل الارتفاع المستمر في اسعار السلع الاستهلاكية وغيرها.

وأصبح ملحوظا خلال السنوات الاخيرة ظهور العديد من المبادرات الشبابية ذات الطبيعة التطوعية المستقلة على شاكلة شارع الحوادث مثل ” مجتمع صدقات” و ” نفير ” والتي لعبت دورا كبيرا في تقديم المساعدات للمتضررين من السيول والأمطار في العام 2013 ، لكن هذه المبادرات تجد التضييق من الجهات الرسمية تحت مزاعم انها تعمل تحت واجهات احزاب معارضة.