أسفرت الحملة عن إلقاء القبض على 16 فتاة ويفسر مراقبون هذه الخطوة ، بان الحكومة السودانية ارادت إرسال رسائل

التغيير : الخرطوم

على نحو مفاجئ ، قامت قوة من الشرطة السودانية والتي تتبع لعناصر النظام العام – المثيرين للجدل – بحملة ليلية الاسبوع الماضي في شارع النيل ، احد اكبر الشوارع في العاصمة السودانية الخرطوم وأكثرها اكتظاظا بالناس والعوائل خاصة في أمسيات رمضان حيث يقضي الناس أوقاتهم في ظل حالة الجدب الثقافي والاجتماعي في العاصمة.

أسفرت الحملة عن إلقاء القبض على 16 فتاة وسيدة بداعي ” اللبس الفاضح ” وتم اقتيادهن الى احدى مقار الشرطة وفتح بلاغات في مواجهتهن تحت المادة 152 من قانون النظام العام بحسب تأكيدات احدى الفتيات اللاتي ألقي القبض عليهن. وأكدت الفتاة التي اشترطت خلال حديثها ” للتغيير الالكترونية ” عدم ذكر اسمها صراحة أنهن تفاجأن بسيارة الشرطة تتوقف بالقرب منهن ويأمرهن القائد بالصعود اليها ” كان أمرا غريبا جدا ونحن نتسامر ونتسلى كالعادة في هذا الشهر عندما توقفت العربة أمامنا مع اننا متعودون على القدوم هنا بشكل مستمر ومعنا أهالينا وأسرتنا”. واضافت ان قائد الحملة لم يترك لهن الفرصة لمعرفة ماذا يحدث ” طلب منا ان نصعد إلى العربة البوكس وأثناء سيرنا سمعنا عبارات وبذاءات لا توصف من احد عناصر الشرطة وهو يصفنا ببنات الليل وحديث عن عدم احترام شهر رمضان وعرفنا ان الامر سيكون كارثيا”.

وتواصل الفتاة والتي تدرس في احدي الجامعات السودانية سرد تفاصيل تلك اللحظات ” عند وصولنا الى قسم الشرطة تم اقتيادنا الى الداخل والعبارات المسيئة مازالت تطرق آذاننا من الجميع مع اننا لم نفعل شيئا سوي لبسنا للبنطلون والتي شيرت وبعدها تم فتح بلاغات ضدنا ولم يتم السماح لنا الاتصال بأهلينا ، وفي آليوم التالي تم تغريمنا 500 جنيه فقمنا بدفعها دون حق الاستئناف “.

والخطوة التي اقدمت عليها عناصر شرطة النظام العام جاءت بعد ايام فقط من إطلاق معتمد الخرطوم والمعروف بتشدده احمد ابو شنب تحذيرات للاجانب من دولتي ارتيريا وإثيوبيا بعدم التهاون في تطبيق القانون مع كل من يرتدي زيا فاضحا من السراويل القصيرة والتي شيرتات ، وذلك بعد ان اجتمع – على عكس ما هو معروف في العرف الدبلوماسي – بسفيري الدولتين المعتمدين في الخرطوم. وفيما اتجهت الأنظار نحو المناطق التي ينتشر فيها هؤلاء الأجانب في مناطق مثل الديم والجريف بالخرطوم بعد صدور هذه التحذيرات، الا ان الحملات بدأت في شارع النيل وكانت موجهة ضد السيدات السودانيات.

والملاحظة الجديرة بالتوقف عندها ، ان سلطات محاكم النظام العام أصبحت في الآونة الاخيرة تميل الى الحكم غرامة وليس الجلد كما كان سائدا خلال سنوات سابقة. حيث تم الاكتفاء بتغريم الفتيات اللائي تم اقتيادهن مؤخرا ، كما ان المحاكمة الشهيرة للفتيات المسيحيات من جنوب كردفان واللائي تم اقتيادهن الى احد أقسام الشرطة بعد خروجهن من احدى الكنائس في منطقة بحري في رمضان الماضي ايضا ، قد افضت الى تغريم البعض منهن وشطب تهمة ارتداء الزِّي الفاضح في مواجهة البعض الاخر.

وانتقدت منظمات وهيئات معنية بحقوق المرأة ومن بينها مبادرة “لا لقهر النساء” حملة النظام العام الجديدة. واعتبرتها عبر بيان لها اطلعت عليه ” التغيير الالكترونية” انها محاولة من السلطة لإعادة البلاد الي عهود الظلام ” نحن في مبادرة لا لقهر النساء نقف بشدة ضد هذه الحملات الباطشة والمذلة للنساء ونقولها بكل شجاعة بان على الحكومه احترام حرية وحقوق النساء وان ضبط الشارع لا ياتي بالتضييق على النساء ومدهن المؤثر في الشارع مكافحات ومنتجات ومناضلات عبر كل المواقع وانما عبر اقامة دولة العدالة والمساواة وسيادة حكم القانون دون تمييز او تحقير لاي مواطنة او مواطن”. ودعت المبادرة جماهير النساء للتوحد من اجل إلغاء قانون النظام العام ” اننا لن نقف مكتوفات الايدي امام هذه الهجمات وسوف نواصل حملاتنا لاسقاط قانون النظام العام المهين والمذل للمرأة بكامل منظومته الشرطية والقضائية …فلا تحرر ولا كرامة لنساء السودان دون اسقاط هذا القانون “.

ويفسر مراقبون هذه الخطوة ، بان الحكومة السودانية ارادت إرسال رسائل للجهات والجماعات السلفية والدينية التي تساندها بأنها لن تتخلي عن تطبيق “شرع الله” خاصة بعد حديث وزير العدل عوض الحسن مؤخرا عن ان كثيرا من القوانين السودانية ومنها قانون النظام العام بها مواد هي في الأصل ضد مبادئ الشريعة الاسلامية وضد المواثيق والمعاهدات الدولية.
ويري المراقبون ان هذه الجماعات السلفية والتي أصبحت لها سطوة كبيرة على المشهد السوداني مارست ضغوطات كثيفة على عدد من النافذين لا يقاف ما وصفوه بالعبث والفساد المستشري في البلاد. ولعل ما يعضد هذا الاتجاه هو البيان الذي اصدره احد ابرز قادة السلفية في البلاد وهو محمد الجزولي (منسق تيار الأمة الواحدة الذي بايع البغداداي زعيم داعش وسبق ان اعتقل وافرجت عنه السلطات السودانية) والذي اشاد فيه بحملات النظام العام الجديدة. وقال الجزولي في بيانه “برافو أيتها الشرطة بين السافرات الفاجرات، هؤلاء النسوة خرجن في الشوارع يدافعن عن التبرج والسفور يتهمن الحكومة بالرجعية”. ودعا الى تقديم مزيد من الدعم للشرطة التي وصفها باليتيمة مقابل دعوات وحراك ما وصفهم بالعلمانيين ” والشرطة تقوم بعمل عظيم وهي تستدعي أولياء الأمور وتوجه إليهم تحذيراً شديد اللهجة وتطلب منهم تعهداً بمنع بناتهم من الخروج سافرات هي تقوم بعمل يحمي أخلاقنا ويمنع دار المايقوما من الانفجار بكثرة أبناء الزنا. لكن الشرطة هذه تقف يتيمة بين علماني يسخر من الحجاب ويحدد لله دوراً يمنعه به من فرض زي على المرأة”.
في السياق انطلقت حملة قوية في مواقع التواصل الاجتماعي تسخر سخرية لاذعة من قرار المعتمد، حيث اجمع عدد كبير من المدونين والمدونات على ان الانشغال بملاحقة المواطنين والمواطنات بسبب أزيائهم انصرافية من جانب الحكومة التي فشلت في توفير الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة وتعليم.
وترفض ناشطات وحقوقيون قانون النظام العام وخاصة المادة ١٥٢ المثيرة للجدل والمتعلقة بالزي الفاضح الذي يقولون انه فضفاضا وليس محددا ما يفتح الباب واسعا امام الانتهاكات بحق الفتيات.