صلاح شعيب
حرصت على قراءة كل ما كتب عن مبادرة الـ”52″ من الشخصيات الإسلاموية والوطنية. قرأت بعين فاحصة، وروح وطنية عالية، خصوصا وأنني انتقدت المبادرة، وحاولت أن أجد بعدها تخطئة لفرضياتي حول عدم جدواها، ذلك بحثا عن الحقيقة في واقع نروم فيه أن تنتهي مأساة بلادنا اليوم قبل الغد. ولكني في كل ما قرأت وجدت أن حجج المبادرين لا تخرج عن محاولة إقناعنا بترقيع رئاسة البشير بأخرى جديدة ومنحه فرصة لتنفيذ خريطة طريق للتغيير. ولكن لا يوجد ما يحمل غالب المعارضين على منح فكرة هذه الرئاسة الوفاقية المصداقية الكاملة كي تنجح استنادا على الفرص الكثيرة التي تواتت للبشير ثم ضيعها في التلاعب بالمكونات الوطنية، وتمزيقها ترهيبا، وترغيبا. الشئ الآخر أن المبادرين لم يوضحوا لنا الضمانات التي بموجبها يمكن أن يصوم الشعب السوداني مرة أخرى في هجير البشير القادم!
ولعل المبادرين أنفسهم يدركون جيدا أن المصداقية تجاه كل شئ يفعله شخص إسلاموي في كثير من الأحيان تصبح محل نظر، ومنطق، ومراجعة بعد تجربتهم في إنشاء الدولة الدينية محل الدولة القومية. والحقيقة أن أمر الاختلاف مع المبادرين لا يتعلق فقط برجاحة النظر فقط في عصفهم الذهني الذي ولد تلك المطالب القومية الطموحة مساهمة في إنقاذ البلاد. فالتشكيك الموضوعي في مصداقية الإسلاميين مجتمعين، أو الإسلامي منفردا، أقل شئ يمكن أن يتوفر للمعارضين. كما أنه حق مشروع، خصوصا أن غياب الثقة الوطنية في جمعهم، من أجل الوصول إلى اتفاق حول الشأن الوطني، هو الذي يشكل حجر عثرة بينهم وبين القوى السياسية المعارضة بمختلف أنواعها دون تحقيق تفاهمات وطنية.
وأظن أن من الحق الوطني، والديمووقراطي، أيضا أن يكون التشكيك في جدوى الحوار مع قادة الإسلاميين الحاكمين جزء من الوعي المكتسب، ذلك إذا نظرنا إلى تواريخ وتجاريب الحوار معهم منذ ربع قرن. بل إن مختلف القوى السياسية لم تتوان في السابق في تغليب غبائنها للوصول إلى تفاهامات حول تحقيق إجماع وطني حول قضايا البلاد. فهي قد أدت دورها الوطني في أحيان كثيرة حين قدرت أن الحوار مع النظام يمكن أن يوصل إلى نتيجة مثمرة. ولكن كما تعلمون أن النظام أذاق هذه القوى الحصرم في غير ما مرة، إذ ظلت تقع ـ بسبب منهجياتها القاصرة في فهم استراتيجية الصراع ـ فريسة لهذا الغش الإسلاموي المتعلق بالحوار. وقد شهدنا كيف أن الإسلامييين يبدعون في استيعاب هذه القوى المعارضة في مفاصل السلطة لتفجير مطالبها المتصلة بالتغيير.
-2-
نعم، لقد قدرت قوانا الوطنية، قبل جولات الحوار السابقة مع النظام، أنه ربما يؤوب الحاكمون إلى الصدق في الشأن الوطني برغم أنهم قد تركوا وراء ظهورهم الخدعة الكبيرة التي بموجبها ذهب الترابي إلى محابس السجن فيما تولى البشير شؤون القصر. وهكذا ظلت رجاحة بصر المؤمنين بالحوار ترتد حسرا ثم يعودون للمعارضة ثانية، وهناك بعض آخر غرق في السلطة فصار من أقوى حماتها بالزيف، والتزلف، للحفاظ على موقعه الحكومي. وبينما ظل غياب المصداقية يفرغ دعوات الحوار من معناها، وجدواها، تتعزز في كل يوم فرص السيناريوهات الكئيبة التي يرسمها المراقبون عن مصير هذا الاحتقان الوطني الحاد. ولا شك أن هذا التوطين لغياب المصداقية الذي طوره البشير نفسه، وأركان حربه، نابع من فلسلفة فقهية، وميكافيلية، ظل الإسلاميون يتعهدونها لاستدامة سلطانهم الأمني، والاقتصادي، والإعلامي. إذ إنهم يرون أن استراتيجية مجابهة التحديات تتطلب، أول ما تتطلب، إظهار خلاف ما يبطنون، حتى إذا مرت العاصفة بسلام عادوا للتودد إلى القوى السياسية للبحث عن سبل حوار جديد.
وهناك أمثلة لا تحصى، ولا تعد، حول كيف أن هذا النهج قد أوصل البلاد إلى حافة الانهيار، وعمق تحدياتها الكثيرة. وفي ذات الوقت تنكبت خطى الإسلاميين الحاكمين في تعزيز السيطرة التامة على البلاد عن طريق الاستبداد، والذي لم يتنام إلا لأن حلول الخداع كثفت المعارضة على النظام، ولم تدعه يهنأ بالاستقرار. بل إن النظام اضطر، نتيجة لتعمق هذه التحديات أمامه، أن ينقلب على استراتيجياته الإقليمية، وعلى المستوى الداخلي ظل تكثيف الارتباط بالدين الشكلاني وسيلة لنحر معانيه التي تعارف عليها السودانيون، وتخلقوا به. فسفك الدماء، والتبديع في خداع المواطنين، والفساد في المال العام، وتحويل أجهزة الإعلام منصة لإخفاء الحقائق، وترهيب المواطنين بما يسمى قوات الدعم السريع، وجهاز الأمن، كل هذه الموبقات ظلت السياسة الرابحة للبشير نفسه، وهو الذي ما يزال هناك من يثق في أنه يمكن أن يلعب دورا وطنيا في تحقيق انتقال سلس نحو السلام، والديموقراطية، والاستقرار.
وكون أننا في خاتم الأمر نبحث عن مخرج لواقع الحال الذي يدفع ثمنه مواطننا فحسن النية والحلم بنهاية الطاغوت، وهو كذلك، لا يكفي. صحيح أننا نتفق مع الدكتور الطيب زين العابدين أن هناك حمدا للمبادرة عبر وجود ردود الفعل نحوها، والتي تراوحت بين دعمها، ونقدها، وهناك صوت ثالث. وهكذا شكلت المبادرة مادة للحوار بين المعارضين وبين أصحاب المبادرة من جهة، وبين الحكوميين وبين أصحاب المبادرة من جهة أخرى. أي أن المبادرة وجدت حظها من النقد من دوائر حكومية قرظتها، بما فيها دائرة المؤتمر الشعبي الذي هو الآن في منزلة بين المعارضة وبين الحكومة ما دام يستطيع أن يهدد الحكومة وفي ذات الوقت يقف في صفها.
-3-
إذا تركنا كل هذا جانبا، فإن الطريقة المتغطرسة التي قابل بها الحكامون المبادرة تدل على رجاحة نظر من عارضوها من المعارضين. فما أن استلمها حارس القصر إلا وتوزعت طرق مجابهة المبادرين بالرفض، وحملهم على نسيان نتيجة مسعاهم في الوصول إلى عتبات القصر حتى يقرأها البشير. فطبيعة النظام الخادعة التي لا بد أن المبادرين يدركونها جيدا، وهناك من المبادرين من هم يدركونها أكثر منا، لا تعترف في أصلها بالحوار كقيمة وطنية في وقت تحيط بالبلاد تلك التحديات التي يعرف غالبنا “مآلاتها”. فالنظام بعد أن انفرجت أمامه أزمته في علاقاته العربية أدرك كيف أنه يمكن أن يتخلى عن وثبته ليتقوى بالقوى الإقليمية، ومن ثم التأثير على القوى الدولية التي تعطي اعتبارا للسعودية والخليج. وقد كان.
فالمساعي التي يقودها أمبيكي الآن عبر ترسيخ “الضغط الغربي” على القوى السياسية هي جزء من النزول إلى رغبات القوى الإقليمية العربية التي ظلت تجسر بين النظام والغرب، بعد زجه بقوات سودانية في حرب اليمن، وذلك لتدعيم وجوده على حساب التلاعب بالقضية الوطنية. واعتقد أن النظام قد نجح في استثمار علاقته الإقليمية والدولية بعد أن نفض يديه من حوار الوثبة الذي ترافق مع احتقان كبير أدى إلى إخراج تلك المسرحية. ولكن مهما تنازلت بعض قوى “نداء السودان” عن استراتيجياتها واستجابت للضغط الغربي فإن مشاركتها في الحوار مع النظام لن تفك معضلة الحكم في البلاد. فحل القضية السودانية لا يتمثل فقط في استجابة السلطة لاستيعاب القوى المعارضة في السلطة، ومنحها وظائف عبر تبريرات ممجوجة للتغيير كما يتخيل الحكام الغربيون الذين تحكمهم مصالحهم الإستراتيجية على حساب مصالح الشعوب الأخرى.
فالحوار، إن كان يجدي، كما تقول المعارضة يتطلب جلوس الأطراف المعنية بالأزمة كلها في حتى يكون مثمرا، ويستجيب لشروط المعارضة في تحقيق مناخ حر للحوار، وإطلاق سراح السجناء السياسيين كافة، وإيقاف القمع الجنجويدي والأمني، وضمان وجود رقابة إقليمية ودولية، وإلا سيظل إسقاط النظام جزء من السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تحقق إنفراجا في الأزمة، برغم محاولات التخزيل التي يبثها النظام، وأولئك الذين وقعوا تحت دائرة التأثر بخطابه.
إن مبادرة الـ”52″ من الشخصيات الإسلاموية والوطنية تمثل الحرث في البحر كله، وهي قراءة خاطئة لمنهج التفكير السلطوي الذي يعتمده الإسلاميون الحاكمون في سيطرتهم على البلاد. وهناك فرق بين الحلم الوطني والتوهم في إصلاح إستراتيجية الإسلاميين البادئة للعيان لتدمير الدولة وتمكين الحركة الإسلامية، كما اعترف الترابي في حلقاته مع قناة الجزيرة. ولا أدري كيف يمكن للناشطين حول المبادرة الدفاع عن ثقتهم المطلقة في البشير!. وليقنعونا أولا كيف أنهم توصلوا إلى الثقة فيه دون المطالبة بتنحيه. كما أن مساعي الضغط الغربي المستجيب لرجاءات الخليج لن يخرج البلاد من مأساتها، وهي مأساة عقلية سلطوية ما تزال تسرف في تفتيت المكونات الوطنية، وتمزيق الدولة لصالح مشروع أيديولوجي وفئة انتهازية من الرأسماليين الطفيليين المحليين، والإقليميين، والدوليين.