د.مهند حاج علي
قبل سنوات أربع، أطلق الرئيس السوداني عمر البشير تصريحات نارية ضد “الصهاينة”، واصفاً اياهم بـ”العدو رقم واحد” للسودان، متوعداً برد “موجع” على إسرائيل بعد قصفها مجمع اليرموك للصناعات العسكرية في الخرطوم.

وقبل شهور قليلة، نقلت وكالة الأنباء السودان (سونا) عن وزير الخارجية السوداني ابراهيم غندور أن بلاده قد تدرس التطبيع مع إسرائيل. وبحسب تقرير لاحق نشرته صحف سودانية واسرائيلية بينها “جيروزاليم بوست”، مطلع العام الحالي، فإن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مؤتمر الحوار الوطني، ابراهيم سليمان، أكد وجود توافق بين الأطراف كافة على التطبيع مع إسرائيل.

لماذا يُصرح نظام “إسلامي” بنى خطابه السياسي على الشعبوية الدينية والعربية والقضية الفلسطينية، بالتطبيع؟ أليس في ذلك إحراج للنظام الحاكم، وإبراز لتناقض بين الشعارات والواقع؟

في سياق النقاشات اللاحقة والسابقة لهذا التصريح وما تلاه من نفي غير مقنع، تساؤلات من قياديين في الحزب السوداني الحاكم حيال ضرورة العداء لإسرائيل، بعد التطبيع مع الولايات المتحدة. فـ”ما دمنا قد قبلنا بأميركا.. فلنقبل بإسرائيل”، كما جاء على لسان والي النيل الأبيض عبد الحميد موسى. طبعاً، الكلام غير منطقي، لكنه قد يكون مفيداً في اطار التبريرات الداخلية لمثل هذه التصريحات الرسمية عن التطبيع، ومحاولة احتوائها.

لم تكن خطأ، لكنها كانت مقصودة ومطلوبة سياسياً. ومن متطلبات العلاقات العربية، سرية وعلنية، مع اسرائيل، بعث إشارات من هذا النوع، سُرعان ما تلتقطها الصحف الاسرائيلية قبل غيرها. إلا أن الربط بين الحديث عن تطبيع محتمل مع إسرائيل، وبين العلاقة المستجدة والمتصاعدة مع الولايات المتحدة، هو في محله، وله علاقة أكبر بدور تل أبيب كمُسهّل لها إذا كان هناك قمع داخلي يُعكر صفوها. والبشير يقود حملة شعواء على معارضيه، كان آخرها اعتقال ناشطي معهد “تراكس” الحقوقي، ومحاكمتهم بتهم تحمل أحكاماً قروسطية.

وهذا السياق، الإفريقي أيضاً. يزور رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، أوغندا، الجارة اللدودة سابقاً للسودان، لإحياء الذكرى الأربعين لعملية خطف طائرة اسرائيلية في عينتيبي، والتي قضى فيها شقيقه يوناتان (30 عاماً).

قبل الزيارة، نشرت مجلة “نيويوركر” تحقيقاً عن العلاقة بين اسرائيل وأوغندا، وفيه اعتراف للمرة الأولى بدور ضابط اسرائيلي رفيع في انقلاب الديكتاتور الدموي عيدي أمين. ساعدت تل أبيب في حياكة مؤامرة أمين، قائد الجيش حينها، ضد الرئيس الأوغندي ميلتون أوبوتي، إذ دبرت له تأسيس فرقة عسكرية لحمايته تمهيداً للانقلاب. مقابل هذه المساعدة، حصلت اسرائيل على مساعدة أمين في مواصلة تمويل تمرد مسلح في جنوب السودان ضمن “حلف المحيط” لمحاصرة العالم العربي حينها.

أبعد من ذلك، وتحديداً في أميركا الوسطى، لعبت اسرائيل دوراً في دعم قادة دمويين مثل ديكتاتور نيكاراغوا أنستازيو سوموزا ديبايلي لمواجهة الانتفاضة ضده، وقمعها بأساليب لم تكن الولايات المتحدة أو حلفاؤها قادرة على فعلها علناً.

بكلام آخر، تل أبيب هي الواقي الذكري للسياسة الأميركية، تستطيع الذهاب أبعد من واشنطن، بإرادتها الضمنية طبعاً. هذا الكلام يفهمه جيداً نظام البشير، كما يعرفه الرئيس السوري بشار الأسد الذي خاطب ابن خاله رامي مخلوف، إسرائيل، في مقابلته مع صحيفة “ذي نيويورك تايمز” الأميركية (أيار2011)، رابطاً بين استقرارها وبقاء النظام.

والتطبيع الذي يطمح اليه البشير، يُراد منه تكرار تجربة اسرائيل مع الفلسطينيين، واستنساخ العلاقة القمعية بينهما. هو رغم حاجب الشعارات الدينية، يُشبهها. يستوطن مؤيدوه حيث للمعارضين حاضنة شعبية، ويستخدم القوة النارية الضاربة، جواً وبراً، ضد حركات تمرد ضعيفة التسلح، ويفرض عقوبات جماعية ضد السكان المعارضين، تماماً كإسرائيل.

اليوم، يقف نتنياهو في أوغندا لإحياء ذكرى عملية عينتيبي. الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني يطمح لغطاء اسرائيلي لديكتاتوريته التي فاق عمرها العقود الثلاثة، وبات منافسوه الانتخابيون في الزنازين. سيلتفت زعيم الليكود إلى سودان البشير، فيرى صديقاً يسجن معارضيه ويقتلهم. في سوريا، يتقدم الأسد وحلفاؤه بغطاء روسي “يُنسّق” مع اسرائيل. حتى تركيا تُطبع علاقاتها مع اسرائيل، لإكمال غطاء أوروبي-أميركي تحتاجه لقمع الأكراد جنوباً.

هذا ليس تطبيعاً فحسب، بل هو استنساخ للقمع. لتل أبيب اليوم قدرة على التواصل مع أي دولة عربية، وفقاً للمدير العام للخارجية الاسرائيلية دوري غولد. وهي إذ تفعل ذلك، ستضع واقياً ذكرياً أميركياً في يد من يحتاجه، على أن يشعر رعاياه بمفاعيله قريباً، قريباً جداً. –