عيسى إبراهيم *

* رغم أن هذه الـ “حلايب” قد تسببت في فتح نار جهنم علينا بُعيد الاستقلال بقليل وجعلت “العسكرتاريا” تتدخل في شؤوننا السياسية والاقتصادية والاجتماعية طوال فترة الاستقلال وتستولي على نصيب الأسد من فترات الحكم (عبود 6 سنوات (عسكرية صرفة) ونميري 16 سنة (عسكرية آيدلوجية يسارية) والبشير 27 سنة “ولسع” (عسكرية آيدلوجية يمينية اسلاموية)، بمجموع 49 عاماً من أصل ستين عاماً والباقي “خرمجات” حزبية)، والقصة تقول حينما أحس السيد عبدالله خليل رئيس وزراء الحكومة في 1958 (حكومة ائتلافية أمة – شعب ديمقراطي) بعد معركته الشجاعة مع المصريين في حلايب وارجاعها إلى حضن الوطن الأم، حينما أحس بمؤامرة لتغيير نظام الائتلاف الساري آنذاك ليأتي ائتلاف “اتحادي – شعبي ديمقراطي” بإيعاز من المصريين الذين أصلحوا بين “أزهري الاتحادي وشيخ علي عبد الرحمن الشعبي الديمقراطي” وعلم من تقديراته أنها مؤامرة تستهدف الوطن الكيان، وزيادة النفوذ المصري في اليلاد، بادر بتسليم السلطة طائعاً مختاراً للفريق إبراهيم عبود!!، ومع ذلك كانت هذه الـ “حلايب”، ومازالت، ولن تنفك، حبيبة إلى كل وطني غيور على تراب الوطن الحبيب حيث “جدودنا زمان وصونا على الوطن”، “على التراب الغالي الما ليه تمن”..
* سعت الحكومة السودانية مطالبة نظيرتها المصرية بقبول التفاوض بشأن تبعية “حلايب وشلاتين” وإنهاء النزاع حولهما بتوافق الطرفين، معلنة أنها ستضطر في حال رفض الجانب المصري التفاوض إلى للجوء لخيار التحكيم الدولي . وقال السفير السوداني في القاهرة، عبدالمحمود عبدالحليم، في تصريحات خاصة لـموقع “هافينغتون بوست عربي”، إن الوثائق التاريخية والقانونية وخصائص السكان وكذلك الجغرافيا، كل هذه عوامل تؤكد تبعية حلايب وشلاتين للسيادة السودانية. (السودان – وفق بيان خارجيته – كان قد أودع ومنذ العام 1958 لدى مجلس الأمن الدولي مذكرة شكوى، يؤكد فيها حقوقه السيادية على منطقتي حلايب وشلاتين وظل يجددها باستمرار)، عبد المحمود يؤكد أن ” لدى السودان من الوثائق والمستندات والآثار ما يثبت أحقيته في المدينتين، وأن السودان كان يمارس سيادته عليهما منذ العام 1902″!..
* قالت مصر ( سودانايل – 19 أبريل 2016 – القاهرة (رويترز) تعقيبا على بيان سوداني طالبها بالتفاوض حول منطقتي حلايب وشلاتين إن المنطقة مصرية. المعلوم أن مصر بدأت احتلال مثلث حلايب منذ العام 1992 والمعلوم أن هناك خلافات قديمة ونزاعات بين مصر والسودان حول نتوء وادي حلفا Wadi Halfa Salient ومعبر قسطل – إشكيت، (مسألة حلايب ونتوء وادي حلفا يمثلان البند رقم 8 في قائمة المسائل التي لا تزال معروضة على مجلس الأمن – فيصل عبد الرحمن علي طه – سودانيز أون لاين )..
* عاب فيصل عبد الرحمن في مقاله ” قراءة في بيان وزارة الخارجية السودانية الصادر في 17 ابريل 2016م ” المشار إليه سابقاً على الدبلوماسية السودانية اعتمادها “دبلوماسية المتابعة بالانتظار”، وقال ليس في الدبلوماسية مسمى بهذا الشكل بل هناك ” الديبلوماسية الاستباقية “، حيث كان من المفترض أن يسلك السودان طريقين في آن، الأول عندما علم السودان أن القاهرة والرياض تتفاوضان على تعيين حدودهما البحرية في البحر الأحمر، وأن مصر قد أعلنت في وثيقة منشورة في موقع شؤون المحيطات وقانون البحار التابع للأمم المتحدة أنها تتفاوض على أساس أن خط عرض 22 درجة يمثل حدودها الجنوبية، كان ينبغي على وزارة الخارجية السودانية أن تطلب من نظيرتها السعودية توضيحاً عن الحدود البحرية التي يجري التفاوض بشأنها مع مصر، وما إذا كانت تلك الحدود تشمل ساحل حلايب المطل على البحر الأحمر، والتحفظ على إعلان رئيس جمهورية مصر رقم (27) لسنة 1990 لأنه قائم على زعم أن إقليم حلايب واقع تحت السيادة المصرية. والتحفظ كذلك ورفض نتائج أي مفاوضات تقوم على أساس الاعتراف بسيادة مصر على إقليم حلايب. يتبع ذلك إعداد مذكرة تُضمن موقف السودان إزاء ما يجري وإيداعها لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة وطلب تعميمها على الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، ونشرها واعتبارها وثيقة رسمية من وثائق مجلس الأمن. أما الطريق الثاني فقد أصبح سالكاً بعد وقوع الحدث وتحديداً عندما أعلن مجلس الوزراء المصري في 9 ابريل 2016 عن الاتفاق الذي أُبرم بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية لتعيين الحدود البحرية بينهما. وذُكر في البيان أن اللجنة الفنية المشتركة بين البلدين إعتمدت في عملها على قرار رئيس جمهورية مصر رقم (27) لسنة 1990. وهو القرار الذي أدخل ساحل حلايب في المناطق البحرية المصرية. ففي هذا الظرف كان ينبغي على وزارة الخارجية أن تستدعي على وجه السرعة سفيري الرياض والقاهرة وتستوضحهما بشأن فحوى الاتفاق الذي أُبرم وتطلب عبرهما من طرفي الاتفاق نسخه منه ومن الخرائط الملحقة به للاطلاع عليها. وفي ضوء ذلك يتم تحديد موقف السودان والإجراء الذي سيتخذ لتأكيد والحفاظ على «حقوق السودان كاملة غير منقوصة» وإحاطة مجلس الأمن بكل ذلك عبر الأمين العام للأمم المتحدة، وإطلاع شعب السودان على جلية الأمر. فالشأن السيادي يقتضي من السلطة الحاكمة الالتزام بأقصى درجات الشفافية. أما أن تنتظر وزارة الخارجة الإعلان عن تفاصيل الاتفاق شأنها في ذلك شأن أي وكالة أنباء لتنظر في مدى تأثيره على الحقوق السيادية السودانية، فلعمري إنها قلة حيلة. ونضيف أنه غياب للكفاءة المطلوبة في مثل هذه الحالات والمعلوم أن الانقاذ اعتمدت على الولاء وضحت بالكفاءات وشردتها في مشارق الأرض ومغاربها!..
* كشف نائب دائرة حلايب بمجلس تشريعي البحر الأحمر السابق، عثمان الحسن أوكير، عن مقتل 120 مواطناً سودانياً من سكان مثلث حلايب المحتل على يد قوات الاحتلال المصرية منذ بداية الاحتلال عام 1992 وحتى الآن (التغيير الالكترونية – الصيحة، حلايب – الخرطوم: محمد عثمان الرضي – 21 مايو 2016) . وقال أوكير لـ”الصيحة” إنهم أبلغوا السلطات السودانية في وقت سابق بما وصفه بالممارسات الوحشية والقمعية من قبل القوات المصرية، مؤكداً أن هناك انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان تمارسها السلطات هناك ضد الرافضين لمصرنة حلايب. وأضاف أوكير أن أولئك الضحايا لا وجيع لهم خاصة وأن لا أحد سعى في السابق أو الحاضر للتقصي حول طرق اغتيالهم، ورأى أن سياسة ضبط النفس التي تمارسها الحكومة باتت لا تجدي فتيلا في ظل التصعيد الاستفزازي الذي يمارسه الإعلام المصري وإساءته للسودان، مطالباً بضرورة وضع الإمور في نصابها بحسب تعبيره.
* كثير من المراقبين والمحللين يربطون ربطاً عضوياً صارماً بين محاولة اغتيال حسني مبارك في “أديس أبابا” اثيوبيا عام 1995 ابان عقد مؤتمر القمة الافريقي، واحتلال مصر لمثلث حلايب عنوة واقتداراً ورفع العلم المصري عليها في عام الاغتيال ذاته والذي كان بتدبير مشترك وتعاون لوجستي بين حكومة الانقاذ السودانية وجماعة الأخوان المسلمين المصرية آنذاك!!..
* الأمر المحير ما الذي يجعل حكومة الخرطوم الراهنة “الانقاذية” وقد تأكد لها من أقوال القاهرة وتحركاتها أنها لا تأبه بما يقوله السودان بشأن التفاوض ثم هي تهدد بالانصراف من التفاوض والاتجاه نحو طلب التحكيم الدولي وهو خيار غير متاح لسبب بسيط إذ لا بد من موافقة الطرف الآخر وهو مصر بالتحكيم حتى يتم ومن قرائن الأحوال: لن توافق مصر على التحكيم في الوقت الراهن لـ (شيئٍ في نفس يعقوب) لأسباب لا تخفى على فطنة المتابع، لقد عملت مصر منذ العام 1992 بجد لتغيير الواقع “الديموقرافي” لصالحها ومعلوم أن الحكومات السودانية المتعاقبة لم تقدم لسكان المنطقة شيئاً يقيهم شر “المصرنة”، وعلى العكس من ذلك وجدت مصر الطريق خالياً لـ “اطعام الفم” و”استحياء العين”، فقدمت للبشاريين – سكان المنطقة الأصليين، فصيل من قبائل البجاة السودانية – المعدوم في سوق الخرتوم؛ قدمت السكن والطعام والصحة والتعليم والأمن وفتحت الفرص للعمل والتنمية الاجتماعية، حتى أصبح البشاريون بـ (اللهجة السودانية)، (بشاورة باللهجة المصرية)!!، (أصْح ياااانايم وحد الداااايم)!!..
* السودان بعد تعذر التفاوض الثنائي بين البلدين، والتحكيم المشروط بموافقة الطرفين ليس أمامه إلا “العين الحمرا” اشعال الحرب اللعينة، ولقد أوقدت الانقاذ بعد حلولها على يافوخنا الحرب في دارفور، وبعد فصلها الجنوب أشعلت الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق وتنكرت لمقتضيات اتفاقية “نيفاشا” ومنها “المشورة الشعبية في المنطقتين” الملتهبتين الآن، فهل في امكاننا نحن السودانيين اشعال حرب ثالثة بيننا وبين مصر لاسترداد حلايب وشلاتين؟!، (اللهم هذا حالنا لا يخفى عليك، وهذا ضعفنا بادٍ بين يديك)..
*السودان الانقاذي باحتضانه جماعة الأخوان المسلمين المصرية المعادية لحكومة السيسي قد يجعل الجماعة تضغط نحو صراع عسكري بين السودان ومصر وفق أجندتها الخاصة، والأرجح (بعد استبعاد الخيار العسكري ونحن في أضعف حالاتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) أن نتجه نحو الأبواب المشرعة الاقليمية (العربية) والاقليمية (الأفريقية) المجربة (والمال تلتو ولا كتلتو – وربما تُجدي “الحناسة” بدل “الكواسة” ولكن بالكياسة) بعد اعداد وثائقنا وملفاتنا وأدلتنا الكافية، ويكفي أن دار الوثائق السودانية في عهد ربانها الماهر المرحوم “أبوسليم” قد استطاعت حسم المعركة الجدلية بين المصريين والاسرائيليين حول منطقة “طابا” المتنازع عليها بين الجانبين المصري والاسرائيلي بوثيقة حاسمة من أضابير دار وثائقنا السودانية العريقة فـ “قطعت جهيزة قول كل خطيب”، وعلينا قبل ذلك أن نعتمد في سياستنا الخارجية على مصالح البلاد لا مصالح الآيدلوج!!..

* eisay@hotmail.com