خالد فضل

  كعادة المجتمع الدولي _يُقرأ_ الدول الغربية ممثلة في الإتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية, يتم التعامل مع قضايا الآخرين بمبدأ التجزئة والإذعان للأمر الواقع طالما ظلت المصالح والمشاغل الأساسية لتلك الدول في الحفظ والصون , لقد تمّ إسقاط نظام طالبان في أفغانستان ونظام صدام في العراق ونظام القذافي في ليبيا لأنّ ثمّة مصالح حقيقية لتلك الدول تكمن وراء إسقاط تلك الأنظمة سالفة الذكر , ولعل مبدأ التجزئة ما يزال مؤثرا على إستقرار وتنمية البلدان التي سقطت أنظمتها الباطشة , وتفجّرت مشاكل كان الطغاة السابقون يلجمونها بقوة السلاح والبطش الشديد , بإختصار , صحيح سقط الديكتاتوريون ولكن لم تعالج مصائب ما خلفوه في بلدانهم ووسط شعوبهم فالقهر الطويل يحطّم الحاضر ويمتد أثره للمستقبل , والسودان ليس إستثناء .

   فقد دمّر الإسلاميون بنية الدولة السودانية القديمة وحطّموا أسس نظام الحكم المتوارث منذ بدء ظهور ملامح الدولة في عهد الاستعمار التركي المصري أوائل القن التاسع عشر , وتحولّت دواووين الدولة وأجهزتها إلى إقطاعيات خاصة بمنسوبي تنظيم الإسلاميين , صار غيرهم من السودانيين غرباء في هذه الأجهزة , وهم في تلوينهم وتحطيمهم لدولاب الدولة أستخدموا كلّ ما هو دون المواطنة من أواصر القربى , فصار الجتجويد مثلا هم القوة العسكرية المقاتلة الضاربة  يجوبون الولايات جيئة وذهابا بالآف السيارات العسكرية ومختلف أنواع الأسلحة , يمشطون الطرقات الواصلة بين الولايات من الخرطوم عبر النيل الأبيض وشمال كردفان الى جنوبها , ومن الأبيض عبر غرب كردفان إلى جنوب وشمال دارفور مرورا بوسطها وصولا إلى غربها . ومن الخرطوم عبر الجزيرة وسنار إلى النيل الأزرق . وشمالا عبر نهر النيل إلى الشمالية . وعهد الناس بالقوات المسلحة السودانية طيلة تاريخ النزاعات السودانية الطويلة أنّ تحركاتها تتم دون أنْ يشعر بها الناس , دون أنْ يحدث أي إحتكاك بين الجنود والمواطنين , أمّا القوات المسلحة البديلة فلها في كل مكان سيرة من الأفعال المؤذية , وحكايات الإحتكاكات بينها والمواطنين مما تسير به الأخبار , وقد أضطر أحمد هرون حاكم ولاية شمال كردفان للإعتراف بأنّ هذه القوات تتبع لجهاز الأمن ولها دور ومهام وطنية تقوم بأدائها , ومن ثمّ تمّ ترحيلها من الأبيض بعد أنْ جأر المواطنون بالشكوى من تعدياتها عليهم , أمّا حاكم سنّار فقد لاذ بصمت مريب والشكاوي تترى من مواطني سنجة وما جاورها , وفي الشمالية تتداول الأخبار ممارسات تلك القوات المسماة بالدعم السريع ولا أحد من المسؤولين يتحرك .   تكوين تلك القوات يغلب عليه الجانب القبلي من مجموعات معروفة في دارفور , ولا يخفى دور قادتها فيما أرتكب من فظائع ونهب إبان عمليات الحريق الداوي في ذلك الإقليم المنكوب منذ العام 2003م . جهاز الأمن تحوّل إلى أخطبوط , دولة موازية تماما , يستولي على الصحف ويعيّن رؤساء التحرير ويضع السياسة التحريرية ويحدد الخطوط الحمراء ويوجه الحملات الصحفية ,ويوقف من يشاء ويصرح بالكتابة لمن يشاء , يصادر المطبوع ويعلّق صدور الصحف متى ما أراد . يلغي احتفال , يداهم ندوة أو ورشة عمل , يصادر ويعتقل الناشطين في المجتمع المدني , يفضّ التظاهرات , يقتحم الجامعات , ومن ثمّ يصرّح مديره العام بالبشريات في العلاقات الخارجية بعد أن يشيع نبأ اجتماعه السري مع مسؤولي السي آي إي , وبعد أن تعقد الصفقات مع المخابرات الغربية , جهاز الأمن صا هو كلّ دواوين الدولة يؤشر على كل معاملة ويمر عبره حتى قيام تأبين !! هذه هي دولة السودان الراهنة لا تمت للدولة بمفهومها المعروف بصلة , وحتى ما عًرف بحوار الوثبة جرى تحت إدارة عقلية وممارسات جهاز الأمن , وإذا كان هنالك حوالي 80حزبا و20حركة مسلحة قد شاركت فيه , فما هي الأحزاب المعارضة من ضمن هذه الجوقة الحزبية ؟ أمّا الحركات المسلحة المزعومة فقد إتضح أنّها مجموعات من الأفراد الذين وقعوا على إتفاقات كيفما أتفق مع معتمدين أو قادة مناطق عسكرية أو ممثلين مجلييين للأجهزة الأمنية , ثمّ قيل إنّها حركات جنحت للسلام , والقاصي والداني يعرف أنّ حركة جيش تحرير السودان بفصيليها (عبدالواحد /مناوي) وحركة العدل والمساواة السودانية لم توقع على إتفاقات ولم تشارك في حوا كمال عمر وعبود جابر , بينما حزب الحركة الشعبية /شمال والجيش الشعبي يخوضان غمار الحرب عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا . وحزب الأمّة القومي وزعيمه الصادق المهدي , وقوى الإجماع الوطني بثقلها النوعي وأطروحاتها الموضوعية لإعادة بناء الدولة السودانية , كل هولاء لم يشاركوا في الحوا المزعوم , فكيف يصبح مثل هذا الحوار مرجعية للتفاوض الجاد ؟ وكيف تصبح خارطة طريق أمبيكي خاتمة المطاف يتكالب ممثلو أمريكا وبريطانيا على قوى المعارضة للتوقيع عليها وهي إن عملت شيئا فلا يزيد على نصف الطريق . والعبرة ليست في التوقيعات بل حتى الإتفاقات التي أبرمها نظام الإنقاذ كلها لم تجلب سلاما ولم تعد بناء الوطن , العلّة في طبيعة هذا النظام وعقليته , فهو ليس نظام لإدارة شأن الوطن بما تقتضيه مصالح الشعب بل هو نظام عصابة تدير شأن الوطن وفق مصالحها الذاتية , وإذا وقّعت قوى الجبهة الثورية ونداء السودان على وثيقة أمبيكي الناقصة , فهل هذا يعني وقف الحرب , وتوصيل الإغاثة للمحتاجين , ومعالجة الأوضاع الإدارية والسياسية لمناطق النزاعات في مساحة تقارب نصف مساحة الوطن ؟ ثمّ هل شملت ال900توصية التي خرج بها حوار الوثبة تكوين حكومة إنتقالية لفترة محددة بمهام معينة , هل شملت بسط الحريات العامة والحريات الشخصية , وشرطة النظام العام تطارد البنات في شوارع الخرطوم بتهمة لبس البناطلين , بل يتطاول معتمد الخرطوم ويأمر سفيري إثيوبيا واريتريا بفرض الحجاب على مواطنات بلديهما في الخرطوم ! إنّ حجم الخراب الذي أنجزه عهد الظلام الإنقاذي فظيع, وربما تستغرق عمليات الإصلاح عقود من الزمان , ولكن لابد من بداية صحيحة ينطلق منها الإصلاح , وفي تقديري مجرد قبول المعارضة بمبدأ الحوار يعتبر  تنازلا كبيرا , فمن باب أولى أن توجه الضغوط للمتسلطين وربائب السلطة إنْ كان المجتمع الدولي والإقليمي يريد مساعدة السودانيين بحق .