خالد فضل

 كل عام وأنتم بخير , قضيت أيام العيد مع أهلي في الجزيرة ,والوقت بداية موسم , شاهدت على فضائية الجزيرة الخضراء جزء من برنامج زراعي , هذا فعل طيّب أنْ تخرج أجهزة الإعلام للحقول , لعل زميلنا عبيد ميرغني مترعٌ مثلنا بحب الأرض ومؤمن بالزراعة في الجزيرة , وهو الذي شقّ أذنيه هدير الآلات الثقيلة في ورش 24القرشي عندما كان لمشروع الجزيرة ورش تهز وترز , المهم كان ذلك البرنامج امتدادا لسلسلة من الأحاديث الكثيرة المتداولة عن مشروع الجزيرة ومواسم صيفه وشتائه , وكعادة أهلنا البسطاء في الجزيرة وعلى نوايانا الطيبة , التي تحسب الشحم في من شحمه ورم ! ولأننا نعيش تحت حكم آخر الدهامشة من أباطرة السودان وسدنة قصره الكبير , على حد زعم الزميل عبدالله الشيخ ؛وهو يفذلك تاريخيا لسيطرة آل دهمش على مقاليد الرئاسة السودانية بإستثناء قليل .فقد أسمعنا الزعيم ذات يوم قولا يحسبه ذمّا وقدحا بأنّنا تربية شيوعيين , حمدنا الله أنْ أعاد شجرة نسب تربيتنا إلى أفاضل الحزبيين وأنزههم ولم يلحقنا بزمر رهطه من آل كوز الأفاكين بزعامة شيخهم المرحوم الذي نعته الزعيم بالشيخ الكذّاب . تجرعنا كل ذلك برضا (العارف عزّو مستريح) على قول المثل !! وتبسمنا بسخرية من القول بأنّنا نظن دعاية الكوكاكولا على صهاريج مياه العاصمة عبوة مواسير لأهل البندر من ريع أرضنا , ومع ذلك صدقناه وهو يعدنا بإعادة المشروع سيرته الأولى , وصدقت أعماله في سكة الإعادة للسيرة الأولى هذه , فقبل العام 1913م كانت أرض الجزيرة الزراعية (بلدات) بكسر الباء تزرع بالفتريتة , وهاهو مشروع الجزيرة يؤوب إلى مرحلة البلدات ثانية . , ولأنّ قريبي الباشمهندس التوم حجر , مدير قسم ري ودالنو يعتقد بأنّني أكتب كلاما فارغا غير مفيد , فإنّني أنقل ما قاله أحد المزارعين في مكتب ودالعطايا , بل الرجل رئيس جمعية المنتجين في ترعته , ولهذه اللجان حكاية سأعود لها بعد قليل , قال المزارع على شاشة فضائية الجزيرة الخضراء ضمن ذات البرنامج الذي أستضاف الباشمهندس التوم في الحقل وأطربني بحديثه الشيّق عن الحزم التقنية وعن وصول الإستعدادات من السماد والمبيدات والحراثات بأنواعها إلى حدود ال90%, ليكرر المزارع ما قاله مدير قسمه ولكن المذيعة سألته فجأة عن موقف الري ؟ هنا تحوّل ذلك المزارع الصادق 180درجة وصبّ جام غضبه على موقف الري وانعدام المياه وعدم تأهيل الترع و و و !! عجبت بالفعل لمن يحرث ويسمّد الأرض ويرش مبيد(الدمار الشامل) بالتراكتورات , ويبذر الحبّ ولم تحلّ له مشكلة الري اللهم الاّ أن يكون منتظرا ماء السماء كما كان ينتظره أهلنا على أيام سيرة الجزيرة الأولى قبل أنّ يشيّد ونجت باشا الخزان في سنّار ويشق الترع الرئيسة والفرعية ويمسح الأرض ويخطط الحواشات في نظام بديع وونجت هذا لا ينتمي لآل دهمش على كل حال . قلت إنّ ذلك المزارع (تربية شيوعيين) فسألت أحد أعمامنا في قريتنا عن الإستعدادات لموسم المحاصيل الصيفية قطنا وفولا وعيشا , وعن موقف الري تحديدا , فاجأني بإجابة طبق الأصل مما قاله المزارع المار ذكره , علما بأنّ مكتبي ودالعطايا وودنعمان ضمن حيازة السيد مدير قسم ري ودالنو ! وهو ما فتئ يشنف اذان المشاهدين بحديث عذب عن الحزم التقنية وعن لجان الإنتاج التي اكتمل عقدها النضيد , ثمّ لا ينسى أن يصف صاحب هذا الرأي بأنّه يكتب كلام فارغ , لمجرد سؤالي له لزوم الدقة عن نوعية القطن المحوّر الذي تتم زراعته في قسمه , قلت له لقد قرأت حديثا منسوبا لوزير الزراعة الإتحادي ابراهيم الدخيري في نهاية العام الماضي مفاده وقف زراعة القطن الصيني المحوّر2 لوجود بعض المشكلات التي صاحبت زراعته في المواسم السابقة مثل عدم مقاومته لآفة قضت على حواشات كثيرة , أستشاط الرجل غضبا وحذّرني بأنّه لا يهتم بالسياسة إنّما هو خبير زراعي فحسب ولن يمنحني أي معلومات ! قلت له لقد تمّ صدور قرارات حول توحيد نوع المحصول المزروع في كلّ نمرة , هكذا قال الرئيس والوزير ومدير المشروع فكيف تسمحون بزراعة محاصيل مختلفة في النمرة الواحدة ؟غضب واغلق الهاتف في وجهي , هذا ديدن هواة الأفعال الناقصة عندما يجابهون بالأسئلة التي تقود إجاباتها إلى ما يريدون إخفاءه . في الواقع كل ما نسمعه من ضجيج لا وجود له على الأرض , أعلم يقينا أنّ مكتب ودنعمان على الأقل لم يتم تحضير الأرض لزراعة القطن , وهنا نعود للجان الإنتاج تلك الخطّة الماكرة لتفتيت وحدة مشروع الجزيرة , لقد تم إنشاء آلاف اللجان بمعدّل لجنة لكل حوالي450 فدان تقريبا , طُلب إلى رؤساء هذه اللجان كتابة شيكات ضمان لصالح شركات وهنا بيت القصيد , تقوم هذه الشركات بالمهام التي كان تقوم بها إدارة مشروع الجزيرة من تحضير للأرض وفق مواقيت محددة ومدروسة , إلى توفير الأسمدة والمبيدات والتقاوي ,بل منح سلفيات للمزارعين لمقابلة كل مرحلة من مراحل الزراعة . هذا هو دور إدارة المشروع الذي تخلّت عنه ضمن استراتيجية تفتيت المشروع تمهيدا لإبتلاعه . لقد تمّ إلغاء آخر مظهر من مظاهر وحدة مشروع الجزيرة ممثلا في إتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل لتحلّ محلّه ما تسمى بجمعيات المنتجين , وحتى هذه اللجان توضع أمامها العراقيل مثل طلب شيكات الضمان البنكي فهل يستقيم عقلا أنْ يقوم مزارع بكتابة شيك ضمان لمساحة 450 فدان تكلفتها مئات الملايين من الجنيهات في ظل وضع مائل مثل هذا , حيث لا وجود يومي للمفتشين الزراعيين , لا تحضيرات مناسبة في أوقاتها , لا تأهيل لقنوات الري . فقط في انتظار الغيث السماوي الذي لا يعلم أحد متى وأين سيهطل .

  لقد تمّ تقليم مقومات المشروع , وتشليع بنيته التحتية من إدارة حاذقة وورش كاملة وهندسة زراعية وبحوث ومحالج ومطاحن ومخازن ومكاتب غيط وسكك حديد وترع وكراكات فكيف يلقى بالمزارع في يمّ الشركات وإدخاله في الشبكات العويصة ثمّ يقال له أنتج أنتج ؟؟ تحت زعم جمعيات المنتجين ؟ وما لم ينهض مزارعو الجزيرة من غفوة الأستسهال للأمور ومسايرة هذه الخطط الماكرة فإنني أخشى أن يأتي يوم نصبح فيه نحن أهل الجزيرة كيهود التأريخ نعوي في الصحراء بلا مأوى كما في مقطع شعر لمظفّر النوّاب !! أمّا أخونا التوم حجر باشمهندس ري ود النو , فإننا نرجو أن نكون كما زعم من هواة الكتابات الفارغة , وأنْ يكون هو وإعلامه من ذوي الصدق , ولنا عودة عندما يحمي الوطيس وتسطع لحظة مواجهة الحقيقة .