سيف الدولة حمدنا الله ،،اشترط الترابي إذاعة شهادته بعد وفاته تفاديا للتبعات القانونية ودفاع المريدين بينة إدانة لا براءة،،

الذي حمل الدكتور الترابي إلى كشف حقيقة ضلوع علي عثمان ونافع علي نافع في تدبير محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك وتسببهم في إزهاق عدد من الأرواح أثناء تلك المحاولة وبعدها هو نفس السبب الذي جعل معتمد الخرطوم الجديد (أبوشنب) يكشف على الملأ وفي مؤتمر صحفي عن جريمة أحد كتاكيت المؤتمر الوطني الذي تمكّن في عهد سلفه من الإستحواذ على عدد (ألف) محل تجاري بموقف للمواصلات (كذّب الكتكوت الخبر في تعميم أصدره وقال بأنها 500 محل فقط)، فالمكسب الوحيد الذي خرج به الشعب من وراء الصراع الذي يدور بين جماعة الإنقاذ أنهم أصبحوا يضربون بعضهم البعض تحت الحزام وبلا هوادة، حتى أن شخصاً مثل يوسف عبدالفتاح ذكر في لقاء بقناة الشروق كان قد أُذِيع قبل أيام أنه أصبح الآن نادِماً على مشاركته في إنقلاب الإنقاذ بسبب تجاهلها له وهبوطها بوظيفته من وزير مركزي إلى شيخ سوق بمحلية بحري. لكن لا يعني أن يكون الغبن والكيد السياسي وراء هذه الهجمات أن يجعلها بلا قيمة في الواقع والقانون.

 

  • في البداية، يجب توضيح حقيقة هامة، وهي أن الذي جعل الترابي يطلب إذاعة هذه المعلومات التفصيلية (وليس ذكر الواقعة بدون تفصيل) بعد وفاته، أنه – كرجل قانون – يعلم بأن ما ورد على لسانه من أقوال تتصل بعلمه بواقعة إرتكاب أشخاص محددين لجريمة قتل وشروع في القتل يوقِعه هو نفسه تحت طائلة المساءلة القضائية، فالقاعدة الأولية في القانون تقضي بأن الذي تكون لديه معلومات بشأن جريمة من هذا النوع “يتوجّب” عليه قانوناً التوجه بها إلى أقرب مركز شرطة أو وكيل نيابة للإبلاغ بها وليس الإدلاء بها أمام مذيع في قناة تلفزيونية، وأن الإمتناع عن ذلك يجعله مرتكباً لجريمة “التستّر” المعاقب عليها في القانون، فقد أراد الترابي الإستفادة من القاعدة القانونية التي تقضي بأن الجريمة تسقط بوفاة المتهم (ذلك لا يمنع من ملاحقة ورثته بالمطالبة بالتعويض المادي فيما ورثوه عنه من أموال).

 

  • بطبيعة الحال، ليس من المُنتظر – طبقاً للقانون – أن تؤدي شهادة شاهد أدلى بها في برنامج تلفزيوني إلى إدانة علي عثمان ونافع أو غيرهم ممن تورطوا في عملية الإغتيال وجرائم القتل التي تولّدت عنها، ولكن، في المقابل، ليس صحيحاً أن شهادته تُعتبر “شهادة ميت” ليس لها قيمة بحسب ما ورد في تعليق حزب المؤتمر الوطني (المجهر السياسي 12/7/20169)، فما ذكره الترابي يعتبر أكثر من كافٍ لتحريك دعوى جنائية في مواجهة من ورد ذكرهم في تلك الأقوال، فليس هناك في القانون صيغة محددة للكيفية التي يبلغ بها علم سلطة الإتهام (النائب العام) إرتكاب شخص ما لجريمة، فأخذ العلم بالجريمة (cognizance) كما يكون بتقديم شكوى مكتوبة (عريضة)، يمكن أن يكون بأي وسيلة أخرى بما في ذلك العلم الشخصي الذي يبلغ النائب العام أو أيّ من وكلائه من أيّ مصدر ولو كان مداخلة من مجهول على تطبيق “الواتساب”، فما ورد في أقوال الشيخ الترابي يُعتبر كافٍ لتأسيس البينة المبدئية التي يستلزمها القانون لفتح بلاغ جنائي في مواجهة علي عثمان ونافع علي بتهمة القتل والشروع في القتل، وإحالة الأمر للتحري الذي يتولى كشف ظروف وملابسات الجريمة التي تحدث عنها الترابي، لا أن يُترك ذلك للمرافعات التي يطرحها الكُتّاب والمُريدون بالصحف اليومية وكأن ما قاله الترابي من جنس الإعترافات التي يتقدم بها الضيوف في برنامج المذيع جورج قرداحي.

 

  • هذه قضية لن تنتهي بحفظ الأوراق على طاولة النائب العام كما حدث لعشرات القضايا التي لم تأخذ طريقها للمحاكمة والقصاص العادل، فهي جريمة إرهاب دولية، وتقف وراءها أطراف أجنبية ذات مصلحة، ومن الخطأ التعويل على أن مصر سوف تهمل ملاحقة الجُناة الذين وردت أسمائهم لأن حسني مبارك قد أصبح نزيل سجون وفقد منصبه كرئيس للجمهورية، فمصر تنظر لما جرى لحسني مبارك قد جرى له بوصفه رئيس دولة لا بصفته الشخصية، تماماً مثل الحجة التي يرددها أنصار النظام في وجه المعارضين كلما جاء ذكر المحكمة الجنائية بأن عليهم التفريق بين معارضة الوطن ومعارضة النظام بإعتبار أن الرئيس رمز السيادة الوطنية.

 

  • هذه حتمية تجعل من واجب سلطة الإتهام (النائب العام) أن يُبادر بإتخاذ الإجراءات القانونية التي أشرنا لها في صدر هذا المقال، فهذه قضية لا يتوقف أمر تحريكها على إرادة حكومة السودان وحدها، وهو الخطأ الذي وقع فيه النظام في خصوص جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تجاهل تحريكها ومحاسبة المسئولين عنها وإنتهت في طاولة المُدّعي العام الدولي.

 

  • ثم، هذه جريمة لا خلاف حول وقوعها ونسبها لعناصر في النظام (ذكر أمين حسن عمر في بحر دفاعه عن علي عثمان ونافع أن الذين تورطوا في هذه العملية عناصر ليست قيادية وبدون علم الكبار)، ولا يكفي نفي هذه التهمة بمثل المرافعات التي تقدم بها عدد من الكُتّاب والسياسيين من بينهم الكاتب مصطفى البطل وأمين حسن عمر والفريق طه عثمان وإبراهيم الخوّاض وبمثل ما ورد فيها – المرافعات -بأن علي عثمان قد حلف يمين الله أنه ليس له يد فيما حدث، أو أن الشيخ الترابي قد قال ما قال لأنه أصيب بلوثة عقلية نتيجة ضربة الرأس التي تلقاها في كندا…إلخ.

 

  • الواقع أن كل ما نُشِر في الدفاع عن علي عثمان ونافع يصلح لتأسيس الإدانة لا البراءة، فقد ذكر إبراهيم الخوّاض في معرض دفاعه عن علي عثمان الذي عمِل مديراً لمكتبه، قال: “إن الحركه الاسلاميه لاتحمل في فكرها العقائدي والتنظيمي تصفيه خصومها بالإغتيالات السياسية لمخالفة ذلك للشرع والدين وأنها نهجت طوال سنيها نهج الدعوة بالحكمه والموعظه الحسنة وذلك ما هيأ لها الإنتشار بين الناس علي مختلف مشاربهم وتناقض أهوائهم” وأضاف متسائلاً : “هل يُعقل أن ينتهج الشيخ علي عثمان مثل هذه العملية وهو الذي عُرف عنه المنطق والحوار والنقاش والوفاق للوصول الى الهدف الذي ينشده !!”.

 

  • الإجابة على هذا السؤال: نعم ينتهج ونص وخمسة، فالذي تهون عليه روح إبن بلده ويمنح الإذن على الهواء لأي عسكري بضربه طلقة في المليان وقتله لمجرد ضبطه بتهريب جوال ذره لدولة جنوب السودان، ودافعه في ذلك الكيد والتضييق السياسي على حكومة الجنوب التي اختلقت مع حكومته، الذي فعل ذلك، ليس بكثير عليه أن يزهق روح رئيس الدولة الذي كان يعتقد أنه يقف في طريق مشروع تنظيمه بنشر تجربته في أفريقيا والعالم ويعتقد أنه يهدد وجوده وإستمراره في الحكم (كانت مصر تحتضن نشاط المعارضة في ذلك الوقت) ثم، كم عدد الأرواح التي أزهقها النظام بالفعل لا بالقول وبدم بارد؟ هل يحتاج غافِل إلى جرد وسرد أسماء وعدد الضحايا !!

 

  • صدق من قال: لكلِ أفةٍ آفة !!

 

saifuldawlah@hotmail.com