بابكر فيصل بابكر

                                              بسم الله الرحمن الرحيم

 

دنفر في تسع ليالٍ بقين من يونيو/ حزيران 2007

 

الشقيق البديع الدكتور الجعلي

 

تحيات طيبات مباركات , وعساك وجميع من معك بخير وعافية.

 

إنقطعتْ مُراسلاتنا لفترة طويلة سافرت خلالها الي السودان وعدتُ قبل شهرين. غبتُ عن البلد أربعة أعوام وذهبت اليها وأحسستُ وكأنني غبتُ أربعين عاماً, طرأ عليها كثيرٌ من التغيير علي كثيرٍ من الأصعدة : المجتمع والثقافة والسياسة, القليل منها نحو الأفضل ولكن أغلبها تحولات سالبة خصوصاً ما اتصَّل منها بالأخلاق والعدل وأحوال الناس العاديين والبسطاء.

 

ثلاثةُ أشياءَ أفرحتني في رحلتي تلك, وكذلك صادفتُ ثلاثة أحزان. في طريقي إلي السودان غشيتُ أرض الكنانة في رحلة علمية مُرتبطة بالأزهر الشريف, وفي مصر كانت ” أسباب أذاي” وحسرتي.

 

فرحة أولي :

 

تلك القناة التلفزيونية المُسمَّاة ” النيل الأزرق”, أدهشتني بروحها السوداني وتسامحها وتنوعها. خرجتُ من البلد وبه قناة تليفزيونية واحدة أشبه ما تكون بال”مجروس” , لا شىء فيها سوي ملابس الجنود والقبح والتعصب وصرخات الجهاد في زمان المشرع الحضاري العقيم , وعدتُ إليها لتفاجئني النيل الأزرق ببرامجها الأصيلة وغير المصطنعة ,هذه  قناة ( تترك الناس يختارون ملابسهم بأنفسهم) وذاك لعمري روح السودان الذي عرفناه قبل أن يُطلَّ علينا هؤلاء الأنبياء الكذبة. بها كثيرٌ من الفكر و الفن والغناء والرسم وحوارات الثقافة , وفيها شاهدتُ فرحتي الثانية.

 

فرحة ثانية :

 

فنانةٌ شابة إسمها ” عافية حسن “, سألتُ الله أن يمنحها من العافية بقدر ما أودعت فيَّ من فرحة وبقدر ما أعادت إلىَّ من ثقة بأنَّ حواء السودانية ما زالت ولود, وكان قد أصابني اليأسُ منذ أن أطلَّ علينا “محور الشر الغنائي” : قيقم و شنان و بخيت, ذلك زمان “المجروس” ولا عجب فكلُّ إناءٍ بما فيه ينضح. أكثر ما جذبني اليها ثقتها العالية بنفسها وانفعالها الصادق أثناء الغناء وفوق هذا وذاك صوتها العميق وانتقالها من درجةٍ صوتية الي أخري بحسب ما يتطلبه اللحن. لا أبالغ إن قلت أنها أفضل الأصوات علي الساحة الغنائية اليوم علي الإطلاق.

 

فرحة ثالثة :

 

” الهلال العظيم”, وكنتُ خلال الأربعة أعوام الماضية أُمَّني النفس بمشاهدة الهلال في إستاده ووسط جماهيره الوفية, وقد تحقق لي المُراد: مواجهة شرسة مع الزمالك المصري في تصفيات الأندية الأبطال للكرة الأفريقية وبإستاد الهلال في قلب أمدرمان, كانت جل التكهنات تقول بهزيمة الهلال أو في أحسن الأحوال تعادله, وخذلني بعض رفاقي, ولكنني أصررتُ علي دخول المباراة رغم المرض (التهاب حاد في الجيوب الأنفية), يومها رافقني صديقي الهلالابي الأصيل محجوب أحمد ابراهيم. لم يخذلني الموج الأزرق, ولعب الهلال كما لم يلعب من قبل وخرج منتصراً بهدفين نظيفين ولولا سوء الطالع لمُني الزمالك بهزيمة تاريخية, يومها رقصتُ وهتفتُ حتي بحَّ صوتي  ففي حضرة جلال “الزعيم” يطيب الهتاف : سيد البلد . لفت إنتباهي في الفرقة الزرقاء بالإضافة للمحترفين الأجانب نجمان (يجريان ولا يُجرى معهما) : عمر بخيت وحمودة بشير, فيهما نَفَسٌ من هلال أواخر الثمانينيات الذي ضمَّ العوني, حمد دفع الله, طارق أحمد ادم, وليد طاشين, وبقية العقد الفريد.

 

حزنٌ أول :

 

رحيل الشاعر الأديب أبوآمنة حامد. إلتقيتهُ مرَّة واحدة قبل سبع سنوات بالقرب من ميدان أبوجنزير عند موقف مواصلات الخرطوم بحري, كانت هيئتهُ تُثير الرثاء عندما تقدمت نحوه لأحييه, جسمه المنحول وثيابه الرثة يثيران الشفقة والحسرة علي حال المبدعين في بلدي. قلت له: يا أستاذ كيف حالك ؟ نظر اليّ وقال لي : أنت منو؟ قلت : أنا شخصٌ مُعجبٌ بأشعارك وكتاباتك وكمان من الأهّلة ( وتعلم أنه أول من أطلق وصف الأهّلة علي مشايعي النادي العظيم وذلك أيام مساجلاته الشهيرة مع حاج حسن عثمان وإبن البان علي صفحات الجرائد), فضحك وقال لي : هو فضّل فيها أهّلة , ثم إنصرف بعد أن أطلق ضحكته الساخرة المعهودة. كانت المرَّة الأولي التي أتاحت لي فرصة التعرف عليه عن قرب هي الحوارات التليفزيونية التي أجراها معه ” حسين خوجلي” في منتصف التسعينيات الماضية, وحسين – رغم خلافي الفكري والسياسي معه –  محاور ذكي ولمَّاح بعكس ” عمر الجزلي” المتصنّع والمتكلف والمُمِل (بورنق) علي حد قول أهلنا الأمريكان. سأله حسين عن إنتمائه السياسي, فأجابه : أنا ختمي وإتحادي وناصري ( والبلد في ذاك الأوان حبيسة الثوابت الحضارية البلهاء) , وكذلك سأله عن أجمل بيت شعر قيل في الغزل, فقال له : إنه بيت “حميدة أبوعشر” في قصيدة وداعاً روضتي الغّناء : “حبيب الروح لا أقوي علي حمل الهوي وحدي”, وقد دفعتني إجابته تلك إلى التأمل في ذلك البيت الشعري, ووجدته مُحّملاً بمعني عميق قد يدركه من يحمل عبء الهوي وحدهُ بأكثر مما يُدركه من لم يُصب بالهوي ( وهل من إنسان لا يهوى؟). كان الشقيق الشيخ الحسين قد التقاهُ كثيراً في قاهرة المعز وكان دوماً يصفه بالعبقري, ووجدتُ كلمة للأستاذ الطيب صالح يتحدث فيها عن الأديب والروائي الراحل يوسف أدريس وفيها الكثير الذي يصلح لتوصيف هذا الهدندوي النابه :

( كان يوسف أدريس, صاحب موهبة ضخمة, لا يبالغ الإنسان اذا وصفها بالعبقرية. والموهبة عبءٌ ثقيلٌ فيه بعض معاني اللعنة. واذ حمل نجيب محفوظ هذا العبء بجلد ومصابرة, كما يفعل الزّهاد العاكفون, كان يوسف ادريس يبدو أحيانا وكأنه ينوء بهذا العبء, وكأنه يوَدُّ لو إستطاع أن يلقيه عن كاهله. كان يتأرجح بين أحوال من الأكتئاب والبهجة, وربما حاول أمراً عسيراً, أن يحيا الحياة الي أقصي مداها كما يشاء وأن يصنع فناً عظيماً. ولعلهُ نجح بعض النجاح. ولكنه دفع الثمن الذي لا مناص منه آخر الأمر ).

 

حزن ثان :

 

رحيل زعيم أمة الهلال ” الطيب عبد الله”, وقُدِّر لي أن أحضر تشييع جنازته. كان يوماً كيوم الحشر, آلاف الناس خرجوا في موكب تشييع هذا العملاق. قابلته عدَّة مرات ولكن اللقاء الذي ما يزال عالقاً في ذهني هو ذلك الذي تم في مناسبة حولية السيد “علي الميرغني” عليه رحمة الله, وكنّا قد أتخذنا منها مناسبة حزبية نظهر فيها حجم الجماهير المنتمية للحزب الإتحادي الديموقراطي. كان ذلك في منتصف التسعينيات وكنتُ مشرفاً علي قطاعٍ من الضيوف من بينهم الطيب عبد الله, يومها قال لي كلمة لن أنساها ما حييت : ” يا إبني البلد دي برجالها, ما يهمكم البيعملو فيه ناس الجبهة, ده كلو بنتهي”. كان إدارياً فذاً وفارساً لا يهابُ المعارك, وما زلتُ أذكر مواجهته الشهيرة مع وزير الشباب والرياضة عندما أصرَّعلي لعب مباراة الهلال والترجي في الساعة الثانية ظهراً في سموم الصيف الحارق, حينها ثارت ثائرة الوزير وأمر بتغيير موعد المباراة ولكن ” الزعيم” تمسك برأيه وهدَّد باللجوء للفيفا في حال تدخل الوزير, وأخيراً تم له ما أراد ولعبت المباراة في موعدها الذي قرره هو وليس الوزير.

 

حزن ثالث :

 

رحيل الطيب محمد الطيب, ولم أجد أحداً رثاه مثلما فعلت أنت في كتابك : ” يالفوتك مو دحين”, تلك الكلمة في حق الرجل ستظلُّ خالدة خلود اللغة التي كُتبت بها, لقد أحتفيتُ بكلمتك وأرسلتها لمن أستطعت من المعارف والأصدقاء, أرسلتها للدكتور عبدالله علي أبراهيم , فرد عليّ بالقول : ( شكراً سيدي علي هذه الهدية القيمة, وقل للجعلي تعزيتنا في الطيب, والفقد واحد. إننا شاكرين له العرفان وهذه الكلمة الواضحة العذبة في حق الرجل ).  إلتقيتُ الطيب في أواخر التسعينيات وكنت حينها سكرتيراً ثقافيا لدار الزمالة الأولمبية باللجنة الأولمبية السودانية, جَمَعتهُ هو والفنان “علي اللحو” أطال الله عمره ومنحه الصحة والعافية في أمسية للحديث عن التراث, وكدأبه تحدَّث الطيب وأفاض, وبعد نهاية الندوة ناداني وانتحي بي طرفاَ قصياَ, ثم قال لي بصوت خفيض ” يا ولدي ما بلقي منّكم حق البنزين” , حينها علمتُ كم أخطأتُ في حق الرجل عندما إفترضت أننا في حلٍ عن دفع مقابل لحديثه الثر العميق, وهذا أمرٌ مؤسفٌ في حق العاملين في حقل الثقافة والتراث من أمثال هذا البحّاثة العصامي, كان عليَّ أدراك أنّ هذا عملٌ يقابله أجر مادي مثل عمل الطبيب أو المحامي , ولكنها غفلة أحسب أنها ما زالت مستمرة في بلادي حتي اليوم, الا رحم الله الطيب محمد الطيب بقدر ما أعطي لشعبه ووطنه.

 

الحسرة في المحروسة:

 

نزلتُ أرض الكنانة يحدوني أملٌ ورجاء بأن أستمتع بمقامي فيها كما عوَّدتني دائماً, أغشي “زهرة البستان” وأقصد الحاج مدبولي في مكتبته ب 6 ميدان طلعت حرب, وكان ضمن خطتي لقاء الدكتور “حسن حنفي” لإدارة حوار عن موسوعته ” من التراث الي التجديد” وفيها الكثير المثير الخطر, هذا بجانب مهمتي الأساسية في بحثي المتعلق بمناهج التعليم الأزهرية, ولكن المحروسة خذلتني هذه المّرة : حسن حنفي سافر لإلقاء محاضرة في بلد عربي والرأي العام مشغول بفتوي أصدرها أحد الأزاهرة عن ” إرضاع الكبير” وأخري عن التداوي ” ببول الرسول”, فتأمل !! أنا القادم من بلد يتحدث رأيها العام عن تكنلوجيا “النينو” وعن تطبيقات نظم المعلومات الجغرافية, وهي بلد تنقل وسائل إعلامها أخباراً مثل الخبر عن تجارب اليابانيين لإستخراج الطاقة من الأرز ليحققوا إستقلالهم الذاتي من سيطرة أسعار الوقود وانعكاسها السلبي علي إقتصادهم. قرأت في صحيفة ” صوت الأمة” التي يرأس تحريرها الأستاذ أبراهيم عيسي مناظرة بين الدكتور عبد المهدي عبد القادر أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر, والباحث الإسلامي عبد الفتاح عساكر, الأول يحاول إثبات صحة حديث رضاع الكبير , والثاني ينفي ذلك ويقول بضرورة إعمال العقل في مثل هذه الأمور. قال الأول : علي نساء رجال الأعمال أن يُرضعنّ السائق والطباخ والسفرجي حتي يحرموا عليهنّ, وسأله الثاني : هل ترضى لزوجتك أو أختك أن تفعل هذا ؟ .  أما الكتب المعروضة علي أرصفة الشوارع وفي كثير من المكتبات فهي في الغالب من النوع الذي يتحدث عن السحر وعذاب القبر ونقاب المرأة وأوصاف الجنة وعلاج الجنون بالتعاويذ وهلم جرا. هل هذه هي مصر علي عبد الرازق والطهطاوي وطه حسين؟ وكأن الزمان زمان الأستاذ الأمام محمد عبده الذي بلع حسرته ونقمته علي شيوخ الجمود والتكرار, وقال وهو علي فراش الموت:

ولست أبالي أن يُقال محمد أبل أم أكتظت عليه المآتمُ

ولكنه ديناً أردتُ صلاحه أحاذر أن تقضي عليه العمائمُ.

هذه مصر , مركز الثقافة والفكر في العالم العربي, فكيف نأمل في نهضة تأخرت قروناً وقرون؟ إنها الحسرة.

 

إستفسار:

 

سألني الدكتور عبد الله علي إبراهيم عن شخص إتحادي قال أنه أنهي حياته منتحراً تعبيراً عن رفضه لإعلان الأستقلال. وكان الدكتور عبد الله قد تلقي رسالة اليكترونية من قارىء تابع سلسلة المقالات التي كتبها عن قصة إنتحار شيبون. والقاريء ذكر في رسالته أن الصحفي الإتحادي علي الشيخ البشير كان عضواً في حزب الأشقاء جناح محمد نورالدين وشارك بالتوقيع علي وثيقة توحيد الأحزاب الإتحادية بالقاهرة ومات منتحراً عند إعلان الإستقلال. المعلومة المتوفرة عنه محدودة جداً  وتنحصر في أنه كان من أهل الخرطوم بحري و دفن بمقابرها. وأرفق لك مع هذه الرسالة الصورة التي بعث لي بها الدكتور عبد الله وفيها يظهر المرحوم علي الشيخ البشير. طبعاً المعلومة غير كافية ولكنني قدَّرتُ أنه ربما كان لديك ما تضيفه في هذا الشأن خصوصاً وأنَّ الشخص المعني من أهل بحري.

 

ختاما:

 

أحوال الحزب سأفرد لها رسالة خاصة في الفترة القصيرة القادمة  بإذن الله.

 

                                                                                       بابكر