خالد فضل

 صحيح أنّ معظم إفادات المرحوم د. الترابي كشاهد على العصر الذي عاش فيه منذ مقتبل الشباب إلى سن الشيخوخة لم يكن فيها جديدا سوى تأكيد بعض الوقائع , وسرد تفاصيل مهمة لبعض أحداث عصر الإنقاذ الذي صنعه الترابي من طينة التآمر ثم نفخ فيه من روح الإنتهازية وكساه إهابا  من تديّن زائف حتى استوى في جسد الوطن سرطانا نخر أعضاء البلاد عضوا فعضوا, وفتّت ما بدأ لحمه يلتئم من أجزاء , لينتهي الوطن الوسيع بالحيل إلى غيتو معطون في الفساد الذي يحرسه الإستبداد .

وصارت أطراف السودان كأشلاء نضو تتناهشه الحيتان . فقد ألمح الترابي كثيرا إلى مغامرات تلامذته , وأشار في أكثر من مناسبة إلى لزوجة المتشبثين بالكراسي ممن صنعهم كأراجيز يتمُّ بهم مشهده الآحادي , فتراه يهزأ بالمشير وينعته ضمنيا برئيس الضرورة  فقد تمّ اختطافه من مسارح عمليات الجيش , وهو لم يك عضوا في تنظيمه وحتى إنْ كان كذلك فليس من الأعضاء ذوي الشأن , فعوض الجاز مثلا مقدّم عليه في الجناح العسكري لتنظيم الترابي رغم أنّ قائد الإنقلاب يحمل على كتفيه علامات الرتب الكبيرة في القوات المسلحة  . كما أنّ العسكر عنده ليسوا ممن يعتمد عليهم ولا أمان لهم , فقد نفّذ الإنقلاب نفرٌ من تلامذته غير العسكريين الذين تزيأوا بزيّ القوات المسلحة للتمويه , ثمّ لا تسألنّ يا صاح بعد ذلك عن كيف سار عصر الترابي على وتيرة التزيؤ بالأزياء التنكرية , فأكبر اللصوص الذين نهبوا المال العام والممتلكات العامة للشعب السوداني تمتذد لحاهم تصديقا لمقطع شعري للصادق الرضي (وامتداد اللحية الزيف) ,وقد كانت قبل حفل الترابي التنكري ذك تُحظى ببعض توقير بإعتبارها دليلا على (مولنة) صاحبها , أمّا في عصر الترابي فقد صارت (عدة شغل) لزوم التمويه وسمّيت تأدبا لدى عامة الناس بلحية (من أجل أبنائي أو دعوني أعيش) , وفقدت كثير من الألفاظ مدلولاتها التعبيرية كما في اللغة العربية لتصير إلى معان أخرى تمشيا مع العصر الذي شاهده وصانعه المرحوم الترابي ؛ مثل الدعاء لمن قدّم لك خدمة ب(جزاك الله خيرا) فقد باخ معناها وهي تتذيّل كل حديث من اللصوص المتحذلقين وتُختم بها خطابات طلب أي خدمة من مسؤول ولو كانت الخدمة تصديق بجوال سُكّر في رمضان !

  أمّا بقية زُمر أراجيزه الذين صنعهم لتتمة مشهده في عصر الرجل الواحد , فقد سلّط عليهم لسانه الساخر غمزا ولمزا , فذاك خائن العهود , وهذا (محمول) بالعيال ! وثالث عينه زائقة لمرأى القروش وأذنه تلتقط رنّة قرش في المريخ  , وفلان هذا قلبه معلّق في المنشية ومعاشه هناك في القصر . أمّا هذا الدكتور فلو كان نافعا لما أوكلنا إليه أمر (الضبطية) , وغيرها من أحاديث كان يدلقها في آذان سامعيه خاصة في المجامع غير العامة.

 أهمّ ما في لإفادات الترابي في تقديري هو حلحلته لما كان يتوهم الناس أنّها صواميل الإنقاذ الكبيرة , والتعبير استخدمه د. نافع علي نافع عندما أُزيح من مناصبه , ثمّ جاء طرح ما يسمى بالحوار الوطني فقد علّق الأستاذ الجامعي المرموق على ما تمّ تداوله بأنّ ثمّة عمليات تجريف لعتاة أعضاء التنظيم الإسلامي في سلك السلطة , وأنّ الحوار الوطني سيكون أحد تلك الوسائل للإزاحة التامة من المشهد العام لهولاء القادة . قال نافع يومها (واهم من يظن أنّ الإنقاذ ستحلُّ صواميلها الكبيرة بالحوار أو غيره ) , لقد حملت عبارته تلك إشارة إلى حالة جزع فظيع وهواجس كبيرة جراء ما تمّ بضربة واحدة كانت نتائجها لجؤ علي عثمان إلى مزرعته بسوبا متفرغا لشنط (الحواة) , وجعل نافع لا يدخل القصر الجمهوري متى ما شاء بل عليه أنْ يتأكد من إدراج اسمه لدى الحُرّاس , ذات القصر الذي كم تملأ به نافع واستقوى وطفق يطلق منه حمم بذاءته ضد كل من يقول لا للظلم والفساد والإستبداد , ففلان ذاك من المعارضين ليس ود قبائل , وهولاء شذّاذ آفاق , وغيرها من عبارات البؤس الأخلاقي وقلّة الأدب تجاه الآخرين من أبناء وبنات الشعب السوداني , والناس صابرون محتسبون , وفي البال ( كلُّ دور إذا ما تمّ ينقلبُ) , وبالفعل فإنّ أب شنب محافظ الخرطوم قد انقلب على شخص سماه ب(اليسع) , واليسع هذا ممن تُذاع أخبار نشاطاته في سونا وهنا أم درمان مذياعا وتلفاز , فهو أحد الشباب وقائد الشباب الوطني , ألم يقل ممتاز أنّهم سيحكمون 50عاما ؟ فاليسع من حكام الزمان الجاي لهذا لم يحز على كناتين سوق موقف جاكسون , إنّها مجرّد (طبالي) !! فالسيّد اليسع على حسب ما نشرته صحف الخرطوم على لسانه فقير جدا كُلها 1000 طبلية تتبع لشركة هو رئيس مجلس إدارتها , ويا عيني على (عارف) وفيحاء الشريف ودبدر تلك التي قصقصت ما تبقى من أجنحة سودانير حتى خط هيثرو !  الله ما بال الصواميل الإنقاذية  الكبيرة تتداعى , وعوض الجاز يُعوّض بملف التجارة والإستثمار مع الصين , وأنعم به من ملف بحمولات البلاستيك ولُعب الأطفال ,وإزرار القمصان والاطارات المشمشة وبصّات الوالي المتهالكة . ومصطفى عثمان من الصواميل الكبيرة جدا لذا أُرسل إلى حيث غرامه بالسفريات ونثرياتها الدولارية مندوبا بجنيف ليتابع تحرّك ملف حقوق الإنسان في أضابير المجلس الحكومي لحقوق الإنسان هناك وهو يتأرجح ما بين البند الرابع والعاشر . أين تلك الصواميل ؟ قبل أنْ تجئ إفادات الترابي التي أدخلت الشق والشك في حلقتها ثم (سهكت ) قلووزها فحلجتْ , صارت تدور في فراغ , والتهم جنائية من عيار ثقيل تتعلق بأرواح وشباب لهم أهل وعشائر وأقارب قبل أنْ يكونوا أدوات في تنفيذ مخطط شرير . هل تُرى بقيت صامولة إنقاذية كبيرة لم تُحلْ ؟ بعد فضائح سندس ؟ وأفلام الآكشن في أديس أبابا والخرطوم و و و و  عووووك دارفور والجبال والنيل الأزرق !