خالد فضل

  قبل بضعة سنوات زرت المانيا في مهمة صحفية , رافقتنا لبعض الوقت شابة المانية تحتفظ بعلاقات أسرية مع أسرة الزميلة صباح آدم رفيقتي في تلك الرحلة , الشابة عملت لبعض الوقت ضمن بعثة (يونمس) في السودان فهي تتحدّث العربية بطلاقة , من ضمن ما أشارت إليه من وجوه الحياة الإجتماعية في بلدها , مسألة عزوف الشباب والشابات عن الزواج , والإنجاب , أذكر أنّها عزّت تلك الظاهرة الإجتماعية ضمن أسباب عديدة إلى مساحة الحرية والمساواة التامة التي تحظى بها النساء في المانيا بحيث أدّى ذلك إلى تراجع اهتمامات المرأة بالزواج , ورعاية الأطفال ومسؤوليات الحياة الزوجية وأعباءها, كان حديثها ذاك لافتا بالنسبة لي , فهو يحمل بعضا من موروث النظرة الشرقية لوضعية المرأة , بدت لي وكأنّها متحفظة على نيل المرأة للمساواة التامة مع الرجال .

  مضت سنوات على تلك الرحلة , ولكن أصداء تلك النظرة الغربية مما يستوجب الإنتباه , ما نتصوره في أحيان كثيرة وكأنّه قمة التفوق والتطور يحمل بين ثناياه بذور من ردّة , بل إنّ التاريخ الأوربي في قرونه القرينة القريبة السابقة يشير بوضوح إلى بؤر معتّمة في مسيرته , قالت لي ذات يوم الأستاذة ريّان أرملة الأستاذ الراحل أحمد عبدالمكرم (عليه واسع الرحمات) , وكانت تعمل في مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية مكتب الخرطوم , إنّها تقرأ في تاريخ بلدها ؛هولندا , فوجدته مليئا بالمآسي والفظائع مثله مثل تاريخ أوربا , ليس فقط في ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الشعوب المستعمرة بل فيما بين المذاهب الدينية المسيحية السائدة في أوربا , وكيف أنّ عمليات تطهير وإبادات دينية قد وقعت لمعتنقي بعض المذاهب من جانب آخرين يعتنقون مذاهب أخرى .

   مؤخرا , صوّت الناخبون البريطانيون لصالح خيار الإنسحاب من الإتحاد الأوربي , كانت أصداء تلك النتيجة تتردد في كل جنبات الكرة الأرضية , معظم ردود الأفعال طابعها الصدمة , قليل من البلدان أو الحكومات أبدت إرتياحها , مثل روسيا التي كانت تعتبر بريطانيا عضوا  قويا في الإتحاد الأوربي وبالتالي فقد الإتحاد عنصرا فعّالا في مفاوضاتها معه مما يسهل من مهمة المفاوض الروسي في كل مبارزة تفاوضية حول مختلف القضايا , لقد استشعر الدبّ الروسي مظهرا من مظاهر الضعف في أوربا إذن . وتبعا لذلك الضعف فإنّ بقية دول الإتحاد الأوربي قد بدأت تتحسس أطرافها , ثمّة مطالب إنفصالية نشطة في اسبانيا منذ سنوات , الكاتلونيون أصحاب برشلونة ذائع الصيت وأنصاره في إقليم الباسك يرفعون الشعارات الإنفصالية في مباريات فريقهم , هنا نقطة جديرة بالملاحظة , الحلم الأوربي لماذا لم يعد جاذبا لفريق من الأوربيين ؟

  تركيا في الركن الجنوبي الشرقي لأوربا , شهدت خلال هذا الشهر محاولة إنقلابية _ مفبركة كما يراها البعض _أو حقيقية , قدّمت هي الأخرى تحدّيا جديد لأوربا , فتركيا المتعلقة بأهداب الإتحاد الأوربي لم تنل بعد كامل العضوية فيه ؛ رغم السمات الكثيرة للتقارب من حيث سيادة النظام العلماني في الحكم , والنموذج الإقتصادي الرأسمالي , والتطلعات الشعبية المتجهة غربا , مكمن التحدي في أنّ تركيا وفي عقابيل المحاولة الإنقلابية بدأ حزبها الحاكم أكثر ميلا للراديكالية الإسلامية ذات النزعة الإستبدادية , خطاب أردوغان وممارسات أجهزته الأمنية بدت أقرب للممارسات الشرقية المعهودة , حتى لغة (التطهير) , وقوائم الإعتقال للعسكريين والمدنيين تؤشّر لقلق بالغ تجاه الألتزام بقيم الديمقراطية وأهمّ تلك القيم سيادة حكم القانون , فقد أعلن أردوغان تعطيل الدستور بإعلان حالة الطوارئ لبضعة شهور , وعكس القيمة العدلية بإعتبار المتهم برئ حتى تثبت إدانته  جاءت إجراءات أردوغان وكأنّ الكل مُدان حتى تثبت براءته !! ما الذي ستفعله أوربا وإتحادها الذي المختل بإنسحاب بريطانيا ؟ وهل السجل الأوربي في مناصرة قيم الديمقراطية والعدالة والحريات مما يُعتدُّ به أو الركون إليه ؟ هل يتعدى دورها مصمصمة الشفاه بعبارات الإدانة والشجب , وحتى ما يُتخذ من قرارات وعقوبات هل يتم نفاذها بصورة مؤثرة , ما هي حصيلة الدعم الأوربي لمحكمة الجنايات الدولية مثلا في حالة السودان , وهل تمتلك أوربا بالفعل كروت ضغط فعّالة تجاه إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب ؟ فهاهو حصاد سنوات من الموت في سوريا وليبيا ينتهي إلى صفقات وتمويل لحكومة السودان لتتولى لجم تدفقات اللاجئين بإعتبار السودان دولة ممر للاجئين من ارتريا واثيوبيا والصومال ومؤخرا سوريا , تبدو الصورة بائسة بالفعل والتاجر الأوربي يقدّم الأموال لنظام (جحمان) لليورو يزدردها لتمويل أفراده ومؤسساته الحزبية وأجهزة قمعه نظير ممارسة عمليات المطاردة والملاحقة للاجئين الفارين نحو أوربا طمعا في حفظ الحياة وإقامة الأود , وأوربا الحائرة بين ما تعلنه من مبادئ وقيم حقوق الإنسان وبين المؤامة مع هذه التدفقات المغايرة , فتلجأ لممارسة النفاق , وهذا وجه من وجوه التقهقر عظيم , بحيث صارت الأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا مثلا تستهزأ بالمواقف الأوربية لإكتشافها لهذه التناقضات في سلوك حكوماتها ,وتواصل في ممارسات انتهاكات حقوق شعوبها دون أدنى إحساس بالعواقب وهو أمرٌ يشير بوضوح إلى تقهقر وإنكفاء أوربي عكس ما هو متوقع من قارة شهدت تطورا  مذهلا خلال القرنين الماضيين جعلها تصبح محط آمال كثير من شعوب العالم ونموذجا يُحتذى , ولكن هل هي دورة الزمان أم التاريخ يعيد نفسه في صورة ملهاة هذه المرّة , فهناك في الجزر البريطانية تبدأ رحلة تفتيت الوحدة الأوربية التي للأمانة تدرّجت ونمت في حاضنة ديمقراطية , ولكنها تعثّرت رغم ذلك , ثمّ في ضفاف البسفور تعود الدبابات والمليشيات في مشهد كادت الأجيال الأوربية الحديثة تنساه . وبين هذا وذاك يساوم ما تبقى من ديكتاتوري إفريقيا والعالم العربي والإسلامي .