قراءة في حكم المحكمة الدستورية في طعن الحزب الجمهوري

” فى حججك التى قدمتها من أجل الدعوة لإصدار وثيقة الحقوق أغفلت حجة هامة، وهى حجة تكتسب لدىّ وزناً كبيراً، وأعنى بها أن وجود وثيقة الحقوق يتيح للقضاء سلطة لمراجعة السلطات الأخرى صيانةً لتلك الحقوق. إن القضاء المستقل، والذى يقتصر إهتمامه على أداء عمله، هو موضع ثقة كبيرة لما يتمتع به من علم وتماسك أخلاقي ” توماس جيفرسون فى خطابه لماديسون تأييداً لإقتراح الأخير بتعديل الدستور، ليتضمن وثيقة حقوق.

 

أصدرت المحكمة الدستورية في نهاية مارس الماضي حكما بالغ الأهمية، شطبت بمقتضاه طعن الحزب الجمهوري ضد قرار مجلس شؤون الأحزاب السياسية برفض تسجيل الحزب. أهمية هذا الحكم تبدو في أن المحكمة الدستورية قد قررت أن القرارات الإدارية لا يجوز الطعن فيها أمامها مباشرة، بدعوى إنتهاك الحق الدستوري، مخالفة بذلك حكمها في الدعوى الدستورية رقم  222/2012 والذي ذكرت فيه “تأسيساً على ذلك نقول أن ما أصدره مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني هو قرار إداري تتوفر فيه جميع أركان القرار الإداري وبما أن هذا القرار قد مس حق من الحقوق الدستورية فإنه بموجب المادة 19/4 من قانون المحكمة الدستورية لسنة 2005 يجوز اللجوء إلى المحكمة الدستورية مباشرة” ولا تقتصر أهمية ذلك الحكم على ذلك، بل يتعداه إلى ما يمكن أن يقود إليه من نتائج من شأنها أن تؤثر سلباً على الحق في رفع دعاوي حماية الحقوق الدستورية، إذا ما قيض للتسبيب الذي تبناه هذا الحكم، أن يتأيد بواسطة أحكام دستورية أخرى. تهدف هذه المقالة لمناقشة التسبيب الذي قاد المحكمة الدستورية إلى ذلك الحكم، والأثر السالب الذي يمكن أن يقود إليه على الحق في اللجوء للمحكمة الدستورية,

 

مسألة تكوين الأحزاب هي مسألة دستورية

لم تتعرض المحكمة الدستورية لموضوع الطعن ولم تقرر فيه شيئً وذلك بدعوى أنها غير مختصة بالفصل في الطعن في قرار المسجل القاضي برفض تسجيل حزبهم. القرار على وجهه يبدو موغل في الغرابة ومثير للدهشة. أن ترفض المحكمة الدستورية التصدي لطعن يتعلق بحق تكوين الأحزاب السياسية لعدم الإختصاص بدعوى أن المسالة تختص بها محكمة الطعون الإدارية، هي مسألة غير مسبوقة في عالم القضاء الدستوري، وذلك لأن تكوين الأحزاب السياسية هو حق متفرع من حق التجمع السلمي وهو حق أساسي من حقوق الإنسان، بالإضافة لأنه يتصل أيضاً بالحق في حرية التعبير، وفي الحق في الحماية المتكافئة، وجميعها حقوق دستورية أساسية يكفلها الدستور في مواد واضحة في وثيقة الحقوق، وهي الوثيقة التي تؤسس عليها دعاوي حماية الحق الدستوري، وإختصاص المحكمة الدستورية بفحص الطعون المتصله بحماية حقوق الإنسان لايجوز أن يكون موضع ريبة، فإذا لم تكن المحكمة الدستورية مختصة بحماية تلك الحقوق فمن؟ حق التجمع السلمي هو حق الشخص في الإنضمام إلى أو ترك مجموعة من الأشخاص من إختياره بغرض العمل من داخل تلك المجموعة من أجل تحقيق هدف أو مصلحة مشتركة. وهو حق فردي وجماعي في نفس الوقت، لأنه حق للمجموعة ولكل فرد منظم أو يرغب للإنضمام إليها. بدون وجود حق راسخ في حرية التجمع والتنظيم  يستحيل وجود مجتمع مدني معافى، ولاحياة سياسية حرة وهما ركيزتنان لاغنى عنهما لأي مجتمع دميمقراطي. وهو الأمر الذي جعل جميع وثائق الحقوق في الأنظمة الديمقراطية الحديثة تتضمنها: فقد نص عليها التعديل الأول في الدستور الأمركي، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي، والمادة (11) من العهد الأوروبي لحقوق الإنسان، وجميع وثائق حقوق الإنسان الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. حق تكوين الأحزاب والإنضمام إليها هو أساس التعددية السياسية التي يرتكز عليها دستورنا، والذي حملت مقدمته إلتزاماً بإقامة نظام ديمقراطي تعددي يتم فيه تداول السلطة سلمياً، لهذا فإن مسألة الحق في تكوين الأحزاب تبدأ وتنتهي في الدستور.

فحص المحكمة للطعن هو إلتزام دستوري

إختصاص المحكمة بالنسبة لحماية الحقوق والحريات المضمنة في وثيقة الحقوق، ليس مجرد سلطة تتمتع بها المحكمة، بل هو في واقع الأمر اولاً وقبل ذلك، واجب و إلتزام دستوري ألقاه الدستور على عاتقها حين نص في المادة 48 من الدستور على أن تصون المحكمة الدستورية هذه الوثيقة وتحميها وتطبقها، فألزمها بلغة لا لبس فيها ولا غموض بحماية، وصيانة، وتطبيق الحقوق المقررة بموجب وثيقة الحقوق. إذن من أين أتت المحكمة الدستورية بفكرة أنه ليس لديها إختصاص بأداء واجبها الدستوري؟

قررت المحكمة الدستورية أنها غير مختصة بنظرالطعن لأنها فسرت بعض مواد قانون الاحزاب السياسية بشكل رأت أنه يحجب عنها الإختصاص بنظر الطعن في قرار المسجل برفض تسجيل الحزب، ويضعه في يد القضاء الإداري ويثير هذا الموقف سؤالين هامين الأول هو هل صحيح أن قانون الأحزاب السياسية حجب عن المحكمة الدستورية إختصاصها بحماية من التنظيم ؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فهل يملك قانون الاحزاب السياسية سلطة حجب هذه السلطة عن المحكمة الدستورية؟ ولنبدأ بالسؤال الأول:

هل حجب قانون الأحزاب السياسية إختصاص المحكمة الدستورية؟

                الواقع هو أن قانون الأحزاب السياسية لم يفعل ذلك بل فعل عكسه. تنص المادة 16/6 من قانون الأحزاب السياسية على مايلي: ( يجوز للحزب السياسي الذي  صدر قرار برفض تسجيله  أن يطعن في القرار امام المحكمة ) وقد عرفت المادة 3 من نفس القانون المحكمة بقولها  المحكمة بقولها”  يقصد بها المحكمة الدستورية أو المحكمة ذات الاختصاص الطبيعي المنشأة وفق القانون، حسبما يكون الحال” والتفسير الواضح هنا هو أن المحكمة المختصة هي المحكمة الدستورية، وذلك واضح من الإشارة لها بالإسم، وأيضاً  بما جاء في عجز المادة عن المحكمة ذات الاختصاص الطبيعي المنشأة وفق القانون، فرفض تسجيل الحزب يمس مباشرة حق عضوية الحزب في تكوين حزب سياسي، وهو أحد الحقوق المحمية بوثيقة الحقوق في الدستور،  مما يجعل المحكمة الدستورية هي المحكمة المختصة بالطعن في القرار. أي أن المادة 3  تشير إلى المحكمة الدستورية تصريحاً وتلميحاُ، حين يتعلق الأمر برفض مسجل الأحزاب السياسية تسجيل حزب سياسي. واقع الأمر هو أن المحكمة ذات الاختصاص الطبيعي المنشأة وفق القانون، التي تشير لها المادة 3 لا صلة لها بقرار رفض تسجيل الحزب، بل بما جاء في المادة 29 من القانون نفسه ونصها:- (( عند نشوء اي نزاع بين المحلس والحزب السياسي  حول دستورية او قانونية اي امر خاص بالنظام الاساسي  او بانشطة الحزب السياسي،  يجوز لأي منها رفع الامر للمحكمة للبحث فيه وإصدار القرار المناسب)). والتي تشير إلى نزاع بين بين المحلس والحزب السياسي والتي تتيح لأي منها رفع الامر للمحكمة للبحث فيه وإصدار القرار المناسب. وهنا، وهنا فقط، يمكن تصور أن يكون النزاع حول أمر بعيد عن إختصاصات المحكمة الدستورية، وذلك بالتحديد حين يكون النزاع حول أنشطة الحزب والتي قد تقتضي طبيعته أن تفصل فيه محكمة أخرى. والمثال الواضح لذلك، هو النزاع حول ما إذا كان نشاط معين للحزب هو نشاط تجاري محظور أم لا؟ أو إذا كان النزاع يتصل بشرعية تمويل الحملة الإنتخابية، أو صحة حسابات الحزب، أو  إذا تعلق النزاع باسم أى حزب سياسي مسجل،  ففي كل هذه الحالات تكون المحكمة المختصة هي المحكمة التجارية. عموماً فإن صياغة المادة تجعل المحكمة الدستورية هي المختصة، مالم تكن طبيعة النزاع تقتضي أن تتولاه المحكمة المتخصصة في الفصل في مثل ذلك النزاع.

تفسير معيب للمادة 3

 ولكن المحكمة الدستورية لديها تفسيرها الخاص لذلك، فتقول” ولتحديد المحكمة المختصة بنظر النزاع حسبما جاء في المادتين اعلاه نقرر :- اولا:-  ان مجلس شئون الاحزاب جهة ادارية، والقرارات التي يصدرها بموجب قانون الاحزاب قرارات ادارية، ومن ثم تخضع لرقابة المحكمة المختصة بنظر الطعون في القرارات الادارية اذا ماتوفرت اسباب الطعن فيها المنصوص عليها في قانون القضاء الاداري 2005م ومنها مخالفة القانون أما اذا ماخالفت قرارات المجلس احكام الدستور او اهدرت حقا دستورياً او حرية اساسية فانها تخضع للطعن لدى المحكمة الدستورية وكذلك ان اللائحة التي يصدرها مجلس الاحزاب بموجب القانون نفسه هي قانون وتخضع لرقابة المحكمة العليا اذا ماخالفت القانون المخول وتخضع لرقابة المحكمة الدستورية اذا ما تجاوز المشرع سلطته في تنظيم الحقوق الدستورية والحريات الاساسية بإهدارها او تقييدها او الانتقاص منها”

 مفهوم تفسير المحكمة الدستورية للمادة هو أن الإختصاص ينعقد في كل الأحوال للمحكمة ذات الاختصاص الطبيعي المنشأة وفق القانون، سواء أكانت المحكمة الدستورية أم غيرها من المحاكم. ولكنها ترى أن الأصل هو أن القرارات التي يصدرها مجلس شئون الاحزاب بموجب قانون الاحزاب، هي قرارات ادارية تخضع لرقابة المحكمة الإدارية. حسناً  اذا كان ذلك كذلك فلماذا ذكرت المادة 3  المحكمة الدستورية ولم تذكر محكمة الطعون الإدارية؟ القول بأن الأصل في قرارات المسجل أنها تخضع للطعن الإداري في الأصل هو قول مخالف لنص المادة الذي يذكر المحكمة الدستورية. وإذا كان الإختصاص ينعقد في كل الأحوال للمحكمة ذات الاختصاص الطبيعي المنشأة وفق القانون، فما هي جدوى ذكر المحكة الدستورية في صدر المادة (3)؟  لا شك أن ذكر المحكة الدستورية يكون عبثاً لا طائل من ورائه طالما أن الإختصاص ينعقد في كل الأحوال للمحكمة ذات الاختصاص الطبيعي المنشأة وفق القانون، سواء أكانت المحكمة الدستورية، أم غيرها من المحاكم، والقاعدة الذهبية في شرح النصوص القانونية تدعو لتنزيه الشارع عن العبث. ورغم أن  ذكر “المحكمة الدستورية” أولا في النص يعني  القول بأنها هي دون غيرها من المحاكم، التي تملك الإختصاص الأصيل بالفصل في قرارات المسجل، فإن تفسير المحكمة الدستورية للنص يعني عكس ذلك. فالمحكمة الدستورية ترى أن المحكمة المختصة بنظر قرارات المسجل هي محكمة الطعون الإدارية، وهي محكمة غير مذكوره في النص، وأن المحكمة الدستورية المذكوره في النص على إستقلال في واقع الأمر لاتختص  بنظرها إلا إذا كان من شأ نها أن تنتهك حق دستوري، وذلك ليس إستناداّ على إشارة النص الواضحة للمحكمة الدستورية، ولكن بالنسبه لأن طبيعة النزاع تقتضي ذلك. وهكذا تم تجاهل ما ورد في النص تماماً، وتم إلغاء القاعدة الأصلية، وهي إ ختصاص المحكمة الدستورية، لتصبح المحكمة الإدارية التي لم يذكرها النص هي المختصة بصفة اصلية، وأصبح على المحكمة الدستورية أن تتزاحم مع غيرها من المحاكم غير المذكوره في النص على الإختصاص، فينعقد لها فقط متى إقتضت طبيعة النزاع ذلك!!! وهكذا أصبح ذكر المحكمة الدستورية بالإسم في صدر المادة بمعجزة خارقة يعني محكمة الطعون الإدارية

المحكمة الدستورية مختصة في كل الأحوال

حسناً وحتى لو قبلنا بهذا التفسير، ولايبدو لنا أنه من السهل علينا القبول به، فيظل السؤال قائماً وهل رفض تسجيل حزب سياسي لأي سبب من الأسباب هو نزاع دستوري أم قانوني؟ ألايتعلق التسجيل بحرية التنظيم الدستورية؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، ولانرى كيف تكون بلا، فماهو السبب في أن تكون المحكمة الإدارية وليست المحكمة الدستورية هي المختصة بنظر دعوى حماية حق الدستوري؟

الثابت هو أن حق تكوين الأحزاب والإنضمام إليها هو حق دستوري نص عليه الدستور في المادة 40 (1) والتي تقرر أنه  يُكفل الحق في التجمع السلمي، ولكل فرد الحق في حرية التنظيم مع آخرىن، بما في ذلك الحق في تكوين الأحزاب السياسية، والجمعيات، والنقابات، والاتحادات المهنية، أو الانضمام إليها، حمايةً لمصالحه.ولأن القانون نفسه يستمد قدرته على التدخل في هذه الحرية من الدستور، الذي أجاز له تنظيم تلك الحرية في حدود معينة، لا يمكن له أن يتخطاها.أجاز الدستور للتشريعات بموجب الفقرة (4) من المادة 27 أن تنظم الحقوق والحريات المضمنة فى وثيقة الحقوق بشرط ألا تصادرها أو تنتقص منها. كما وعهد الدستور للقانون في الفقرة(2) من المادة 40 أن ينظم تكوين وتسجيل الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية، وفقاً لما يتطلبه المجتمع الديمقراطي. لذلك فإن القانون الذي كون مجلس شؤون الأحزاب السياسية، وخول له السلطات التي تمكنه من ممارسة عمله، لا يملك ان يصادر حقوق الأفراد والجماعات في التجمع والتنظيم، ولا أن ينتقص منها. بل و لا يجوز له أن ينظمها إلا وفقاً لما يتطلبه المجتمع الديمقراطي.

هل يملك قانون الأحزاب السياسية سلطة تقييد إختصاص المحكمة الدستورية؟

رغم أن قواعد التفسير كلها تجعل إختصاص المحكمة الدستورية بالفصل في قرار المسجل برفض تسجيل حزب سياسي هو قرار تختص بالفصل في الطعن فيه المحكمة الدستورية، لإتصاله بأحد الحقوق الأساسية في وثيقة الحقوق يغنينا عن الرد على السؤال الثاني، ولكننا من باب لزوم ما لا يلزم نقول بأنه حتى ولو كان تفسير المادة(3) من شأنه أن يؤدي لما فهمته المحكمة الدستورية من أن الإختصاص بنظر الطعن في القرار هو للمحكمة الإدارية فكان الأولى بها أن تتجاوز عن ماجاء في قانون الأحزاب لسببين:-

الأول : أنها ملزمة بإتباع إختصاصها وفق قانونها هي، لا قانون الأحزاب السياسية، لأن الخاص يقيد العام، ولما كان القانون الذي ينظم إختصاص المحكمة الدستورية هو قانون المحكمة الدستورية لعام 2005 م، فليس لها أن تبحث عن إختصاصها في غيره من القوانين، إلا اذا كانت الحالة المعروضة أمامها لم يتطرق لها قانون المحكمة الدستورية، و ليس الحال كذلك بالنسبة لما نبحث فيه. إختصاصات المحكمة الدستورية نصت عليها المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية والتي تستهله بقولها تكون المحكمة الدستورية حارسة للدستور ودساتير الولايات تم تنتقل لتعداد تلك الإختصاصات فتنص في الفقرة (د) من المادة على إختصاص المحكمة الدستورية بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

والسبب الثاني والأهم هو أن إختصاصات المحكمة الدستورية محددة بالدستور بنص المادة 122 منه، وبالتالي فإنه لا يجوز للتشريع أصلاً أن يحد منها. وإختصاص المحكمة الدستورية بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية نصت عليه الفقرة د من المادة المذكورة، وبالتالي فإنه حتى لو كان النص القانوني يضع الإختصاص لجهة أخرى، فإن الأولى بالإتباع هو النص الدستوري.

 

يبقى بعد ذلك سؤال، وهو إذا كان الطاعنون يطعنون بأن قرارالمسجل إنتهك حقهم في التنظيم حين رفض أن يسجل حزبهم، ألا يعني ذلك أنهم يسعون لحماية حقهم باللجوء إلى المحكمة المختصة بحسب قانونها بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ؟ ماالذي يبررأن تتنازل المحكمة الدستورية عن إختصاصها الوارد في الدستور، والذي تبناه قانونها بأن تنظر في الأمر، لصالح محكمة آخرى غير معنية بحماية حقوق الإنسان في المقام الأول؟ بل كيف جاز للمحكمة الدستورية أن تقعد عن القيام بواجبها الدستوري بموجب الماد 48 من الدستور التي تلزمها بصيانة وثيقة الحقوق وحمايتها وتطبيقها؟!

إختصاص المحكمة الإدارية و إختصاص المحكمة الدستورية

 السؤال هو هل إختصاص المحكمة الإدارية بنظر طعن في قرار ما،  يحجب بالضرورة إختصاص المحكمة الدستورية بالنظر في الطعن فيه؟ الإجابة الواضحة على ذلك يجب أن تكون بالنفي. فليس هنالك مايمنع أن يُطعن في القرار بدعوى مخالفتة للقانون امام المحكمة الإدارية، ويُطعن في نفس القرار أمام المحكمة الدستورية بدعوى إنتهاكه حقوقاً دستورية.  فالأصل هو عدم السماح بأن تنظر محكمتان نفس الدعوى في نفس الوقت، ولكن القول بذلك يتطلب وحدة الأطراف، ووحدة الموضوع، ووحدة السبب، بالنسبة للدعوتين. وسبب الدعوى وموضوعها مختلف في الدعوى الإدارية، عنه في الدعوى الدستورية.

وهذا يعني بوضوح إستحالة التضارب في الأحكام، لأن قضاء المحكمة الدستورية بأن القرار ينتهك أو لا ينتهك حقاً دستورياً، لا يتعارض في الأساس مع قرار المحكمة الإدارية بأن نفس القراريخالف أو لا يخالف القانون. وهذا هو ما يجوِّز إمكانية السير في الدعوى الجنائية ضد  شخص ما لإرتكابه جريمة ما، ومطالبته في نفس الوقت في المحكمة المدنية بالتعويض عن الضرر الذي سببه الفعل المكون للجريمة، لإختلاف موضوع الدعوى المدنية عن الدعوى الجنائية. ولكن عندما منح المشرع المحكمة الجنائية الإختصاص  بنظر المطالبة بالتعويض، أصبح لا يجوز المطالبة بالتعويض لدى المحكمة الجنائية، إذا كانت هنالك مطالبة بالتعويض عن نفس الفعل قائمة في دعوى مدنية. وسنرى حالاً أن منطق المحكمة الدستورية في تفسير المادة (19/4) من قانون المحكمة الدستورية يقوم على الفصل التام بين الدعوتين  وعلى عدم الخلط بينهما.

ولكن السؤال هنا هو هل المحكمة الدستورية مختصة بالنظر في مخالفة القانون رغم إختصاص المحكمة إلادارية بذلك؟ والإجابة في تقديري بالإيجاب. لأن المحكمة الدستورية لاشأن لها بمخالفة القانون، إلا إذا أدت تلك المخالفة لإنتهاك حق دستوري، في حين أن المحكمة الإداريىة غير معنية إلا بمخالفة القانون. إذا فالمحكمة الدستورية تظل في نطاق إختصاصها حين تلغى القرار المخالف للقانون الذي ينتهك حق دستورياً. وهذا يتم حين ينظم القانون الحرية وفقاُ لتفويضه الدستوري دون مصادرة أو إنتقاص منها، وفي هذه الحالة فإن مخالفة القانون تقوم دليلاً على إنتهاك الحق الدستوري الذي ينظمه القانون. وتطبيقاً لذلك فقد أشارت صحيفة دعوى الطعن الدستوري لإنتهاك حقوق الطاعنين الدستورية فيما قام به مجلس شؤون الأحزاب من مخالفة  لقانون الأحزاب السياسية. فذكرت أن “الإجراءات التي نص عليها القانون هي إجراءات سريعة تستغرق خمسة عشرة يوماً ، منذ بدايتها بإيداع الحزب الوثائق المتطلبة للتسجيل ، حتى نهايتها بصدور قرار مجلس شؤون الأحزاب السياسية بتسجيل الحزب. وهذه المدة قابلة للتمديد فقط لمدة خمسة عشرة يوما أخرى،  تمكيناً للحزب من إستكمال المطلوب ، إذا تبين للمجلس أن وثائق الحزب السياسي المودعة وفقاً لأحكام المادة 15 ، تتعارض مع أحكام الدستور، أو القانون ، أو اللوائح الصادرة بموجبه ، أو غير مكتملة ، أو لم تشتمل على المعلومات المطلوبة ، أو إذا تم تكوين الحزب السياسي بناءً على بيانات غير صحيحة . وهي مدة يتوجب التقيد بها بدقة لأنها تتصل بحماية الحق الدستوري في التنظيم .

ولكن الإجراءات التي إتبعها مجلس شؤون الأحزاب السياسية إستغرقت ستة أشهر بسبب إتباع المجلس لإجراءات إبتدعها وهي إجراءات ليست ققط غير مطلوبة بل هي إجراءات من شأنها تقييد حق التجمع في أحزاب سياسية بغير القيود الدستورية التي نص عليها القانون”

 

إغلاق السبل إلى المحكمة الدستورية

” وثيقة الحقوق هى تلك الحقوق التى يتمتع بها الشعب فى مواجهة أى حكومة فى العالم، وهى حقوق لا يجوز لحكومة عادلة أن ترفضها” توماس جيفرسون .

” أساس وثيقة الحقوق هو أن تحد من سلطات الحكومة، وتؤطرها، بأن تخرج من نطاق تلك السلطات تلك الحالات التى يمتنع فيها على الحكومة أن تفعل شيئاً، أو أن تفعل ذلك الشئ فقط بطريقة معينة. ” ماديسون

مذهب المحكمة الدستورية في أن القرار الإداري المخالف للقانون، لا إختصاص لها بنظره حتي ولو كان ينتهك حقاً دستورياً، يقضي علي الحق في اللجوء للمحكمة الدستورية بدعوى حماية الحق الدستوري قضاءً مبرماً، وذلك لأن دعوى حماية الحق الدستوري هي دعوى في مواجهة السلطات العامة، وذلك لان وثيقة الحقوق في مجملها هي مجموع الأفعال التي لا يجوز للدولة أن تقوم بها، ولا أن تسمح لغيرها بالقيام بها فإذا أخذنا الحق في حرية التعبير مثلاً، نجد أن إلتزام من الدولة بكفالة ذلك الحق ينطوي على جانب سلبي يتمثل في إمتناع الدولة عن التعرض للأفراد، حين يعبرون عن رأيهم في حدود حقهم الدستوري، وجانب  إجابي يتمثل في واجبها في أن تمنع غيرها من الأفراد الخاضعين لسلطتها  من أن يقوموا بالتعرض للأفراد والمجموعات في ممارستهم لتلك الحرية. وعليه فإنه اذا تم إنتهاك حرية شخص ما في التعبير عن رأيه، فإن مسؤولية الدولة عن ذلك تكون إما بإنتهاكها لتلك الحرية أو بإغماضها العين عن مايقوم به شخص خاضع لسلطانها بإنتهاك لتلك الحرية، وفي الحالتين  فإنها مسؤولية عن فعل إرادي تقوم به الدولة، وهذا يكون في واقع الأمر بقرار إداري، فالقرار الإداري هو تعبير السلطة العامة عن إرادتها الملزمة. ولما كانت جميع الحقوق الدستورية منظمة بقوانين تسمح للدولة بالتدخل، فإن ذلك القرار،  إما أن يكون متفقاً مع القانون، أو مخالفاً له. والمحكمة الدستورية لا تقبل الطعن في القرار في الحالتين. ففي مذهب المحكمة إذا كان القرار مخالفاً للقانون فعلى الطاعن أن يذهب إلى المحكمة الإدارية، وإذا كان متفقاً مع القانون فإنه لايجوز له أن يطعن في القرار لحماية حقه الدستوري بل عليه أن يطعن في دستورية القانون  نفسه وهذا ماذكرته المحكمة في حكمها موضوع ابحث فقد ذكرت ما يلي ” إستوقفني ما اثاره المدعون حول عدم إختصاص المجلس بالرقابة على الافكار السياسية للحزب خارج نطاق الوثائق المقدمة ، ولو صح إختصاصه هل اتبع المجلس  الاجراءات الصحيحة للتقرير فيما اذا كانت مرجعية الحزب  ً الفكر الجمهوري ً موافقة للقانون والدستور ؟ غير انني اجد أن الفصل في هذه النقطة أيضاً يتعلق بتطبيق القانون . فقد نصت المادة 14 من القانون على شروط تأسيس الاحزاب السياسية ومن ضمنها مانصت عليه الفقرة (ط ) التي أستند عليها المجلس في قراره المطعون فيه . كما نصت المادة 16 من القانون  نفسه على سلطة المجلس في تسجيل الحزب او رفض التسجيل . وأن الطعن في هذا الإختصاص لا ياتي الا بالطعن صراحة في دستورية هذا النص ، الامر الذي لم يقم به المدعون في هذه الدعوى”

واقع الأمر أن القرار أو الفعل الذي تقوم به الإدارة والذي ينتهك حقاً دستورياً، أو يسمح بإنتهاكه، يخضع لمراجعة المحكمة الدستورية، سواء  أكان مخالفاً للقانون، أو لم يكن. فإذا كان مخالفاً  للقانون، فإن ذلك لايلزم صاحب المصلحة برفع الدعوى الإدارية، وسواء أفعل أم لم يفعل، فإن ذلك لايحرمه من حقه  الدستوري في اللجوء للمحكمة الدستورية.

أما إذا  كان القرار متفقاً مع القانون، ولكنه مخالف للدستور، فإنه يجوز له أن يرفع دعوى لحماية حقه الدستوري، دون أن يطعن بعدم دستورية القانون الذي منح السلطة، فالمحكمة الدستورية لا يقف وجود القانون حائلاً بينها وبين الغاء القرار المطعون فيه. وذلك ان القضاء الدستوري  يشتمل على  قضاء الإلغاء وقضاء الإمتناع، فالمحكمة الدستورية تختص دون غيرها من المحاكم بالغاء القانون المخالف للدستور، ولكنها كغيرها من المحاكم يجوز لها، بل يجب عليها، أن تمتنع عن تطبيق القانون المخالف للدستور. وهكذا فقد أدى هذا الخطأ المزدوج إلى مايقرب من الغاء الحق في رفع دعوى حماية الحق الدستوري .

ضغث على إبالة

أما تفسير المحكمة الدستورية للمادة 19/ع من قانونها فهو لايعد أن يكون ضغث على إبالة فهو مزيد من تقييد الحقوق الدستورية. هذا ماذكرته المحكمة الدستورية في تفسيرها للمادة 19/ع . “ورغم ان المادة 19/4 من قانون المحكمة الدستورية 2005م نصت على وجوب استنفاذ طرق التظلم للجهات الأعلى الا انها استثنت الدعاوي المتعلقة بالحقوق والحريات من هذا الشرط . وفي تقديري أن هذا الاستثناء يتعلق بالطعون في القرارات الإدارية التي تخضع للتظلم امام جهات إدارية اعلى وليس التقاضي امام المحاكم بدليل أن المادة نفسها نصت على أن يقدم المدعى مايفيد تظلمه او انقضاء مدة ثلاثين يوماً من تاريخ إستلام الجهة الاعلى للتظلم . ولا ينطبق هذا القيد على رفع الدعوى القضائية . ولايعني هذا في تقديري القفز الى المحكمة الدستورية مباشرة اذا كانت اسبابها تشكل اساساً لدعوى امام محاكم القضاء القومي المختصة كما تبين لنا من اسباب هذه الدعوى”

ألاترى أيها القارئي في هذا التفسير مصادرة على المطلوب؟ كيف يستفيد من إنتُهِك حقه الدستوري من ذلك الإستثناء، إذا كان يقتصر على عدم التقيد بالحق في التظلم الذي تتيحه القوانين في القرارات الإدارية. إذا كان ذلك الإستثناء لايشمل التقاضي أمام القضاء الإداري، فإلى أين يذهب صاحب المصلحة بعد أن تخلص من لزوم التظلم إلى الجهات الإدارية الأعلى؟ إذا ذهب إلى المحكمة الدستورية شُطِب طعنه لأنه وفقاً لمذهبها الجديد، لم يذهب للمحكمة المختصة وهي محكمة الطعون الإدارية. وإذا ذهب إلى محكمة الطعون الإدارية، شُطِب طعنه لأنه لم يستنفذ طرق التظلم المتاحة وفقاً لقانون القضاء الإداري. وهكذا يقود تفسير المحكمة الدستورية للإستثناء الذي أراد به المشرع رفع  القيود عن الوصول إليها حماية للحقوق الدستورية، إلى إغلاق كل السبل للطعن في القرار المشكو منه.

نبيل أديب عبدالله

المحامي