تصريح صحفي من دكتور الشفيع خضر سعيد

حول قرار فصله من الحزب الشيوعي السوداني

في البدء عذرا وأسفا…، إذ لا أجدني مستاء إلا من أمر يكون فيه تصريحي ومخاطبتي للناس في قضية لا علاقة لها بقضايا الوطن الساخنة ولا بإهتمامات المواطن. فهي ليست قضية الحرب الحارقة في الهامش، ولا الغلاء الطاحن وشظف العيش الذي نخر العظم، ولا محاكمات الطلاب والنطق بإعدامهم، ولا قضايا الفساد والسدود والأراضي والمليشيات الطايحة وإهدار القانون وكرامة المواطن، ولا الحريق الناشب في الدولة الوليدة….، بل هو تصريح في محض أمر حزبي، إختارت قيادة الحزب تفجيره إعلاميا. فعذرا…. ثم عذرا

ليس أمرا يسيرا أن يقرر ” آخرون ” بقاءك أوخروجك من مؤسسة نذرت لها سنوات عمرك الحيوية ولا تزال….، وليس أمرا عاديا أن يكون هؤلاء ال “آخرون” مجرد حفنة في القيادة وليس إجماعا كما كذب أحدهم في الإعلام…، ولا يحدث يوميا أن تجلس علي كرسي بهذه الدرجة من السخونة، لا لتخاطب الناس بأفكارك ورؤاك حول قضية الوطن والمواطن، وإنما لتشرح لهم: لماذا فعلوا ذلك؟…، وأين الحقيقة؟…، وماذا انت فاعل في حاضر الأيام وقادماتها؟….

آثرت التريث حتى تتجمع معظم الخيوط، وحتى يتضح للجميع وبالملموس، لا عبر بلاغة التصريحات وفصاحتها، حجم المؤامرة التي لا تستهدف الشفيع وحاتم وهاشم وعبد المنعم في أشخاصهم، وإنما تستهدف مؤسسة الحزب الشيوعي التي أنجبها الشعب السوداني وإحتضنها 70 عاما وفق منتصف أغسطس القادم.

حيثيات فصل الشفيع من الحزب صدرت في بيانين، إحداهما علني ونشر في الصحف. أما البيان الثاني فداخلي لعضوية الحزب، وحدد خمس حيثيات، ملخصها: 1- الغياب من الاجتماعات بدون أسباب مقبولة وبدون إذن في أغلب الأحيان. 2- الكتابة في الصحف والحديث في القنوات عن قضايا فكرية وداخلية، والإنخراط في نشاط إنقسامي. 3- لعب دور محوري في اتهام أعضاء في اللجنة المركزية بأنهم يتعاملون مع الأمن، وتصوير الحزب وكأنه مخترق من أجهزة الأمن. 4- الإتصال بالحزب الشيوعي الصيني لإعادة العلاقة بين الحزبين رغم موقف الحزب الذي يعتبر الصين معادية للشعب السوداني. 5- تعاونه مع مبعوثة من منظمة تابعة للخارجية الألمانية ومساعدتها في الاتصال بالقوى السياسية، وتنظيم ورشة حول التسوية السياسية حضرتها المبعوثة. وإختتم البيان الداخلي هذه الحيثيات قائلا ” ولهذا فقد توصلت اللجنة المركزية إلى أن الزميل الشفيع قد وضع نفسه عمليا خارج صفوف الحزب بطوعه وإختياره، وعليه قررت فصله من الحزب

حيثيات الفصل، العلنية والداخلية، لا تحتاج مني إلى تفنيد، فقد قام بذلك معلمي الأكبر، الشعب السوداني، ودحضها تماما. وعلى الرغم من ذلك، سأتناولها بالتفصيل في رسالتي التي سأوجهها لمؤتمر الحزب السادس المعلن عن عقده نهاية هذا الشهر. ولكني، هنا أود الإشارة إلى الحقائق التالية:

أولا: بيانات الفصل أشارت إلى المادة 12-1 من دستور الحزب والتي تقرأ: “يفصل من الحزب كل من يثبت نتيجة تقصي حقائق…….الخ.”. والحقيقة المجردة أن ليس هناك أي لجنة تقصي حقائق قدمت تقريرا بإدانة الشفيع في الحيثيات اعلاه. وحتى القضية الرئيس والتي تم بموجبها تجميد نشاطي في الحزب قبل عام تقريبا، عقد اجتماع خارج الأطر التنظيمية للحزب، فقد جاء تقرير لجنة تقصي الحقائق مبرئا الشفيع والآخرين، بل وطالب بالتحقيق مع مصدر البلاغ. وكما هو معروف فقد رفضت اللجنة هذا التقرير في اجتماعها الشهير باجتماع 15– 15.

ثانيا: وهي النقطة الأهم، وأرجو الانتباه جيدا: في مساء يوم 8 يوليو الجاري اتصل بي، وأنا في القاهرة، الاستاذ محي الدين الجلاد، عضو اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وقال لي عبر الهاتف: أحدثك بإسم لجنة تحقيق جديدة تود التحقيق معك في بلاغات جديدة، لم يذكرها. فقلت له “خير ولكني خارج السودان، ونشوف الموضوع بعد رجوعي”. فقال “هذا جيد، وسأنقل للجماعة انك موافق على التحقيق معك على ان يتم ذلك فور رجوعك”. في يوم 10 يوليو، أي بعد أقل من 48 ساعة من الإتصال الهاتفي، عقد اجتماع اللجنة المركزية وأصدر قرار الفصل…!!! لا تعليق من جانبي.

ثانيا: بعد فترة من قرار تجميد نشاطي، إتصل بي نفر من انبل ابناء الشعب السوداني، إعلاميون وأساتذة جامعات ودبلوماسيون وقادة في المجتمع، فيهم من هو بمثابة الأب والمعلم، وكلهم مشهود لهم بالوطنية والنزاهة ورجاحة العقل والتاريخ المضيئ، وكلهم لا علاقة لهم تنظيمية بالحزب الشيوعي. وللأسف لن أستطيع ذكر ألاسماء لأني لم أستأذنهم في ذلك، لوجودي خارج البلاد. إتصلت بي هذه الكوكبة وعبرت عن قلقها لما يدور داخل الحزب الشيوعي ولقرار تجميد نشاطي، وانهم سيقومون بمبادرة لإصلاح الحال. وافقت بلا تردد، ونظرا لثقتي التامة في مقصدهم وقدراتهم، ولمكانتهم السامية عندي، وقبل ذلك عند قادة الحزب الذين رحلوا: عبد الخالق ونقد والتجاني، قلت لهم ما ستشيرون به إلي سأوافق عليه دون نقاش. إلتقوا قيادة الحزب وعادوا إلي متأسفين بأن مهمتهم فشلت..!! لا تعليق من جانبي.

ثالثا: صحيح أن العديد من أفكاري تصطدم بأفكار البعض في قيادة الحزب. لكن هذا شيئ طبيعي، لأن صراع الأفكار، كما يعلم الجميع، هو ظاهرة صحية ومحرك أساسي للتطور. ولقد عبرت عن أفكاري هذه علنا في مقالاتي ومقابلاتي مع مختلف وسائط الإعلام، فهي ليست قضايا داخلية، بل هي تزداد غنى وثراءا بأفكار من هم خارج الحزب. لكن، لم يحدث أن شهدت اللجنة المركزية سجالا فكريا، أو حتى سياسيا، يفترض أن يكون من صميم مهامها. بل تحول الأمر إلى إستخدام سلاح الإجراءات الإدارية في إبتذال واضح وفاضح لمعنى الصراع الفكري ومعنى القيادة.

رابعا: قبل أكثر من عامين قدمت إقتراحا في إحدى اجتماعات اللجنة المركزية لعقد إجتماع موسع لكادر وعضوية الحزب لمناقشة كل أوجه الخلاف، الفكري والسياسي والتنظيمي والشخصي، والسعي لتنقية الأجواء حتى يدخل الحزب المؤتمر السادس في مناخ صحي معافى. أجيز إقتراحي بالإجماع ولكنه لم ينفذ. وبعد فترة كررت الإقتراح وأيضا أجيز بالاجماع، ولكن إرادة التنفيذ عند “الآخرون” ظلت غائبة، ولم لا؟! ففي المقدمة إرادة تصفية الحزب.

أمام المؤتمر السادس للحزب مسؤولية تاريخية: فإما أن يخرج بالحزب، وليس بهذا التيار أو ذاك، منتصرا ومتجددا ليبقى ركيزة أساسية مع رصفائه في الحركة السياسية والوطنية السودانية للوصول بالوطن إلى بر الأمان، أو يفشل فينتصر مخطط تصفية الحزب أو تقزيمه وركنه في هامش الحياة السياسية في البلاد. هذا هو جوهر ما يجب أن يعالجه المؤتمر السادس وليس فصل الشفيع أو غيره من الحزب.

أما الشفيع، فهو إبن هذا الوطن وهذا الشعب وهذا الحزب، علموهوا وربوهوا فأحسنوا تأديبه، ومشروع إعادة بناء السودان على أسس جديدة، وبمشاركة الجميع، أمر يشغلني اكثر من أي شيء آخر، فهذا هو جوهر ومعنى برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية كما ظل ينادي به الحزب منذ لحظة الميلاد….

لم أفقد عصا فكري، أتوكأ قدرتي علي التحليل وإستنطاق كل ما أراه وما يراه الآخرون، للعمل مع شرفاء الوطن من أجل إيجاد الحلول لقضايا وطن يتسرب من بين أيدينا، ونحن لا نأتي بالفعل المناسب حتى اللحظة.

ولن أنصرف إلى معارك طواحين الهواء والبلاد تحترق وتتآكل، ولن أنحني إلا لأحضن موطني، وسأواصل العمل، من أي موقع، مع الآخرين من شرفاء الوطن، في أي موقع هم، من أجل: وقف الحرب الأهلية، ودحر نظام الفساد والاستبداد، وتحقيق التحول الديمقراطي والتنمية المتوازنة والعدالة الإجتماعية، ورفع التهميش وصون حقوق الإنسان وبناء دولة القانون والمؤسسات….

أنحني إجلالا وتقديرا لكل من ساهم، ولو بسطر واحد، في تعرية التآمر والإنتصار للحق…..

الشفيع خضر سعيد

25 يوليو 2016