معتصم الأقرع

قبل عام تقريبا فرغت من قراءة رواية حمور زيادة  ‘شوق الدرويش’، والتي استقبلها الوسط الثقافي السوداني بحما س يوازي حجم   الفراغ  الثقافي  العريض  الممتد . احتفت الغالبية  العظمي من المعلقين بالرواية  كحدث مهم وإنجاز أدبي  متميز كما  كانت هناك  قلة من المعلقين أبدت وجهات نظر مخالفة أو متحفظة حول الرواية  لأسباب  مختلفة  بعضها  لائق والبعض الآخر لا يتعدى الهرجلة  المعتادة مع  بعض الغيرة بسبب النجاح المدوي للراوية داخل وخارج  السودان والذي حول الكاتب الِي نجم بين ليلة وضحاها  ثم  توجت الرواية  بترشيحها  ضمن  القائمة  القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية المرموقة والمعروفة بـجائزة البوكر العربية.     

لا شك في أن الرواية عمل ملفت للأنظار نجح في ضخ شيء من الدماء في  الجسد الثقافي السوداني، ووضع الرواية السودانية  على خارطة الكتابة في المحيط العربي .كما أنه من الواضح أن الراوي قد بذل مجهوداً مقدراً في كتابة الرواية بكل هذه التفاصيل والعناية  الفائقة باللغة وجمالياتها وبكل مفرداتها وتعرجاتها .كما أن الكاتب تسلح بمعرفة وافية في تاريخ زمن الرواية وإطلع علي مصادر تاريخية متعددة – قد لايكون من اليسير العثور عليها و متابعتها – استند عليها في سرديته وبناء الحدث الروائي وإدارة الحوار . وبالفعل فإن البحث في  التاريخ الذي  سبق كتابة الرواية يستحق الاشادة لأنه نادر الحدوث في الادب  السوداني،  رغم أن السرد التاريخي المؤسس يخرج بالرواية من ضيق   الإنطباعات المبتذلة والخواطر الشخصية والإعتماد علي إجترار التراث الشفهي ليضعها في  فضاء تاريخها  الحي بأجوائه وخصوصياته  .

من الجانب الآخر فإن هناك  عدد من   المآخذ التي تحسب علي  الرواية. فعلي مستوى التكنيك مثلاً  نلاحظ  أن  الحبكة والزمن  يصعب تتبعهما،  فكثيراً ما لا يدرك القارئ من القائل أو ما هو المقصود بالمقال، ولا الزمان ولا المكان ولا الشخص المعني في الجملة . فالفلاشباك والزمن الروائي يتعدى الزمن الدائري ليصل درجة الارتباك فيصعب تتبعه كما أن هناك ضبابية في ما يتعلق  بشخصيات  وبـأحداث محورية مما  يستدعي  أكثر من قراءة للرواية كلها  أو أجزاء منها  وذلك لعتمة   السرد وليس لتعقيد في   الطرح او مستويات الدلالة . كما  أن الرواية  تعاني من شيء  من التطويل   وتكرار لبعض الجمل  ولأوصاف بحذافيرها في أكثر من موضع  إضافة لاحتوائها علي  اقتباسات زائدة  من حكماء وكتب مقدسة لا تنسجم مع النص الذي يليها ولا تخدم غرضا غير تسليط الأضواء علي الكاتب بدلا عن شخصيات الرواية .

ما نلاحظ أيضاً أن بعض خيوط الرواية  يشوبها شيء من اللا معقول واللا منطق، مما يفقد  بعض الأشخاص والأحداث  المصداقية الروائية نتيجة لإسقاط  الكاتب لزمانه الخاص  الذي يعيشه الآن علي أشخاصه وفضاءه السردي. فإذا  نظرنا الِي بطل الرواية فقد  نندهش ونتساءل كيف أتيح لبخيت منديل العبد الفقير الأمي  في عهد المهدية أن يحب أوروبية  في الخرطوم  إلي أن يمارس معها  العشق بـعقلية وطقوس  مثقف متطلع  ينتمي الي سودان القرن العشرين في نهاياته – كأنه خريج  أو طالب  في جامعة صفوية . وقد نتعجب  أيضاً  كيف كان لرجل  أمضي عمره إما كعبد  أو سجين  أن  يحصل  علي  أموال تتيح له  القدرة علي شراء حصان  وسد نفقات سفر طويل ومكلف في تضاريس  بعيدة, وعرة,  جرداء  للشروع في  كل هذا التَجْوال  الانتقامي، الذي يصعب  تنفيذه حتى  بواسطة  سيارة لاندكروزر مزودة بآخر نسخة من  نظام تحديد المواقع. كما أنه من الصعب التوفيق منطقياً بين قسوة بخيت التي مكنته من القيام بذبح  أعدائه بقسوة  داعشية رغم   أن الرواية  رسمته  إجمالاً   ” كدرويش” وعاشق مرهف لا يشق له غبار .

ولكن بالرغم من هذه  المآخذ   فإن قضايا التكنيك واللا معقول واللا منطق  هي  أقل  ما يعيب الرواية بما أن هذه المآخذ  بسيطة وثانوية  ولا تنفي  الجهد الذي بذله الكاتب ولا تطعن في إنجازه الجمالي  الرائع علي  مستوي السرد ولغته  المتميزة.  مشكل الرواية  الرئيسي  يكمن في   المنطلقات  المعرفية والسياسية والأيديلوجية  بل والأخلاقية  للرواية بما أن هذه المنطلقات   تنطوي علي  قضايا   مأساوية  بكل المقاييس.

قبل الخوض في  تفاصيل مأساة الصورة التي ترسمها الرواية  للسوداني والأجنبي ، أؤكد  علي أنه ليس من واجب الرواية أن تكون مساحة للإحتفال الدعائي  الرخيص  بالوطني  ولا بتجميله،  وليس من واجبها  كراهية  الأجنبي  ولا تبخيسه ولا شيطنته، فالرواية ليست مقال سياسي ولا  بوق  دعائي وانما هي عمل إبداعي  يعين القارئ علي الوصول  لفهم اعمق  للشرط الانساني  . واجب الرواية هو  تحقيق المتعة  الأدبية والفنية  والغوص عميقاً في المجتمع والواقع والتاريخ والتعبير عنهم بطرق  تساهم في صياغة وجدان القاري صياغة  سليمة  تحتفل بالحقيقة والجمال لتبرز قارئ ذكي، رفيع ,مزود  بالمعرفة والوجدان الجميل. ليس من واجب الرواية تغيير الواقع  ولكن من واجبها تغيير القارئ ليصبح  أوسع حكمة وإرهاف ، وبالتالي أكثر قدرة علي  تغيير الواقع  والتعامل مع أسئلة الحياة وقضايا الوجود  الكبرى.

ولكن رواية شوق الدرويش تبيع  نفسها عمليا كدعاية فظة لأيدولوجية الاستعمار  وتتبني فكره الإستشراقي العنصري  الذي يشكل الخلفية  المعرفية والنفسية التي تبرر الهيمنة علي  الشعوب غير الأوروبية واستعبادها وإستغلال مواردها كجزء أصيل من رسالة الإنسان الأبيض الحضارية وأعباءه التي تنوء بها الجبال ، في سبيل   إخراج الشعوب ‘ المتخلفة ‘  من الظلمات الِي النور.

من أهم  آليات عمل الاستعمار فبركة  الآخر بـرسم صورة له  ترمي إلى الحط من شأنه وتسخر منه  وخلق  إنطباع بـأنه ينتمي إلى سلالة دنيا من البشر وبالتالي فإنه لا يستحق الحرية والإستقلال وإمتلاك وطنه وموارده . من خلال فبركة الآخر ككائن  دون-بشري،  يبرر الإستعمار  لنفسه، ويمنح ممارساته  اللإنسانية  مشروعية أخلاقية تصل الِي حد  تصوير هيمنته  كواجب إنساني نبيل  يهدف الِي  إنقاذ الشعوب المستعمرة  من حيوا نيتها  وبربـريتها.

كما أن المستعمر يصور نفسه بأنه  ليس مثل كل الآخرين،  فهو لديه مهمة لتنوير، وتمدين، وتحضير الشعوب الهمجية وتحقيق النظام والديمقراطية، وأنه يحب السلام ولا يستخدم القوة إلا كملاذ أخير. من المؤسف حقاً أنه كان هناك دائما الكثير من المثقفين علي إستعداد  لتبني تلك  الصورة الزاهية التي يرسمها الاستعمار عن نفسه  والترويج لخطابه عن الشعوب المغلوبة كشعوب همجية ،منحطة ، قذرة ، تتصف بالغباء وينقصها احترام الذات  ، ويغض هؤلاء المثقفون  الطرف عن  الموت والدمار والبؤس الذي يأتي علي أسنة رماح المستعمر ذو المهمة الحضارية وذلك لأنه إذا ما تم الإقتناع بأن الآخر أقل إنسانية وأقرب للحيوان  فإن موته واستعباده يصير قضية هامشية  لا تستحق الوقوف عندها وإستنطاقها.

رواية شوق الدرويش تنتمي الِي هذا النوع المنبطح  فكرياً أمام الأطروحات الأوروبية العنصرية  التي تمثل  الآخر كحيوان من ” خراف  الرب الضالة”  كما  تصف الرواية  السودانيين  بلغتها  التي تعتدي في كل صفحة علي  القارئ بعنف  بليغ .  يقول إدوارد سعيد  إن الإستشراق، رغم أوجه الفشل المعروفة، ورطانته المؤسفة، ونزعته العنصرية التي لا تكاد تخفى، وجهازه الفكري الهزيل، يزدهر بأشكال متعددة تدعو إلى الإنزعاج من إنتشار تأثيره إلى “الشرق” نفسه، إذ تحفل صفحات الكتب والمجلات المنشورة بالعربية (وبلا شك باليابانية وشتى اللهجات الهندية وغيرها من اللغات الشرقية) بتحليلات من الدرجة الثانية يكتبها العرب عن “العقل العربي وغير ذلك من أقوال في عداد الأساطير.

 تؤكد رواية شوق الدرويش   صواب مقولة  إدوارد سعيد بإعلانها عن انتماءها للمركزية الأوروبية بالادعاء المبكر بـأن السودانيين  ” أتتهم الحرية علي بوارج الغزاة “،  ولا تهتم الرواية بـأن  توضح شيئاً عن مضمون هذه الحرية التي أتت  مع المستعمر، ولا عن مؤسساتها الديمقراطية والإنتخابية والدستورية ، ولاعن خلفياتها السياسية والاقتصادية . كما تسكت الرواية تماماً عن الموت والعبودية  والتعالي والعنصرية والإستغلال  الذي أتي أيضاً مع  المستعمر. وفي لحظة إعلانها أن  الحرية جاءت إلي السودان علي بوارج الغزاة، تتفق الرواية مع  ما أتي به  بوريس جونسون (دونالد ترمب البريطاني ( من أن مشكلة  شعوب أفريقيا لم تكن يوما  مرتبطة بـالإستعمار، بل أنها كانت وما زالت  تكمن  في إنسحاب المستعمر وتخليه عن السيطرة  علي مجتمعات أفريقيا.  اختلاف الرواية الثانوي والوحيد عن خطاب الاستشراق المعياري هو انها  تمتدح العرب لدرجة  وتوفر جام لؤمها     لتصبه  علي السوداني  وكل  ذو بشرة سوداء .

كراهية الذات والعنف ضد كل  ما هو  أفريقي أو أسود أو مُستعمَر  يبدو واضحاً إذا ما  تابعنا  الصورة التي ترسمها الرواية للسوداني ومقارنتها بصورة الأوروبي أو الأبيض أو المُستعمِر التي تبنيها وتتبناها الرواية في تغاضي كامل ومثير عن الحقائق والتاريخ .فأهل السودان في مقال الرواية ليس فيهم سحر المصرييين ولطفهم،  فهم برابرة سود قردة همج تفوح منهم روائح  عفنة قبيحة عطنة ، أما عرقهم فهو سام. كذلك فإن طبعهم الغدر، متوحشون كحيوانات المزرعة وخراف الرب السوداء، التي تحتاج  للراعي الأوربي لتمدينهم . السوداني متسخ،  غليظ الشفتين، قبيح كمدينة أمدرمان. وأهالي السودان جلودهم سوداء غليظة, يجوبون الشوارع  كخنافس نشطة. العساكر السودانية تنهب البيوت  والسجان السوداني مرتشي, سادي  يفرض أعمال عبثية علي المساجين  ويضع المسجون في شوال بـه عقارب ليجري مراهنة عليه. السوداني لص  – كالصبية الشلكاوية أنجيلا –  متوحش وناكر للجميل، فكلما أجهد الراعي الأبيض نفسه لهدايته كلما اجتهد السوداني في أذيته[1] .

من الممكن تصور أن كراهية الذات في الرواية  هي الإنعكاس علي المستوي النفسي   للأزمة الإقتصادية والسياسية الخانقة التي دخل فيها السودان تحت الحكم  الاسلامي الإخواني.  فإتلاف  نظام الإنقاذ للبنية النفسية للمواطن  السوداني هو من أكثر  الجرائم التي ارتكبتها  سوءاً، فنتيجة للنهب الممنهج الذي مارسته الإنقاذ عبر السنين تم  تدمير مؤسسات ومستحقات الشعب  السوداني من نظام صحي ونظام تعليمي وخدمة وطنية وجيش وبناء قانوني حقوقي . كما انتشر الفساد والجهل والخرافة والتدين المنافق، ونجح النظام الحاكم في تلويث  سمعة السودان الخارجية وعزله وتحويله إلِي دولة منبوذة غير مرغوب فيها. هكذا واجه الشباب والكبار في عهد الإنقاذ عقبات جسيمة في الحصول علي  التعليم  والعمل من أجل حياة كريمة فانتشر الفقر واليأس وغاب   الأمل. تحت وطأة هذه الظروف الصعبة،  فقد الكثير من الشباب  إيمانهم بالوطن وبكل ما له صلة بالوطن، حتى كرهوا ذاتهم واحتقروا وطنهم في تماهي تعيس هو الوجه الآخر لإزدراء وإستصغار  الإخوان المسلمين   لوطنهم وأبناء بلدهم. تشكل المناخ النفسي والخلفية التي انطلقت  منها الرواية في أجواء  الهزيمة الوطنية الشاملة التي تجرعها  السودان علي يد الإسلاميين في ظل فشلهم  المفزع  والذي بلغ  أسوأ درجاته بـإنفصال الجنوب وتفشي الحروب الأهلية التي  لا تعد  إلا بإنفصالات أخري.

 ولكن تفسير ظاهرة  ما لا يضفي عليها مبررات ولا يجعلها مقبولة، ففي ظروف الظلام الشامل  علي  المثقف أن يوقد شمعة  أو أن يكتفي بلعن الظلام وذلك اضعف الايمان,  ولكن ليس من المتوقع منه  أن يغمر ضحايا الظلام بسيل عرمرم من الإهانات القاسية  والعنف اللفظي  الذي يطعن في صميم ثقة  المجتمع في  نفسه. هذا لا يعني بالطبع  أن يقوم الكاتب بتزوير الحقائق  أو تجميل الوطني  فوق ما يستحق ، ولكن واجب الكاتب, في أدني مستوياته، هو أن يرسم صورة أقرب الِي الحقيقة التاريخية تعطي كل الأطراف فرصة عادلة في  الظهور وعرض وجهة نظرها . فالسودان لم يكن فردوسياً  في زمن الرواية ولا في أي زمن آخر، ولكنه أيضاً لم يكن  بالبشاعة التي ترسمها الرواية، فأهله كان وما زال  لهم من الصفات الحميدة الكثير ولا يمكن اختزالهم وتلخيصهم باستمرار “كقردة, همج,  تفوح منهم روائح  عفنة” ومجرد “خراف ” في انتظار أن ينقذهم الغازي الأبيض .وفي نفس الوقت فإن المستعمر الأوروبي الأبيض  لم يكن ملائكياً  كما  تصوره الرواية. إذ رغم وجود أفراد طيبون في أوساط المستعمر إلا أنه من الثابت أيضاً أن المستعمر مارس العنصرية والعبودية. إنحياز الرواية الكامل للمستعمر الاوروبي  يتضح مثلاً  في توزيعهـا المؤدلج  للضوء والعتمة،  فهي  تركز الضوء  بكثافة علي الميزات  الإيجابية للمستعمر. أما في ما يختص بالسودان والسوداني فإنها  لا تكف عن النعيق بـالصفات السلبية المنفرة سواء كانت هذه الصفات  حقيقية ام متخيلة من قبل الكاتب   .

لا تكتفي الرواية بالإغتيال المعنوي لكل ما هو سوداني بل تتمدد  لتتبني تراتبية عنصرية تجعل الأوروبي في قمة الهرم الانساني، يليه المصري فالتركي  ثم السوداني  أخيراً. وربما لو كان المؤلف  يكتب من استانبول، وليس من  القاهرة، فقد يتغير هرمه الِي أوروبي، تركي، فمصري ثم سوداني . ولا تنسى الرواية  في تماهيها   الأوروبي  أن  تطعن في الوطنية المصرية بتسمية  حركة أحمد عرابي بـهوجة عرابي  خراء. أما داخل السودان فتحتفل الرواية  بالعرب وتحتقر الزنوج والنوبة بقولها  أن سكان السودان أكثرهم زنوج أفارقة وهؤلاء أدني سلالات البشرية، لا يوجد منهم في الخرطوم إلا عبيد، هم علي الفطرة لا مدنية لهم ولا حضارة ولا صناعة، أما العرب فهم  أكثر كرماً وعقلاً وأقرب للمدنية في حين أن البرابرة يسكنون في الجحور.

أما المدينة السودانية  فلم يكن حظها في الرواية أحسن من حظ  أهلها  الأوباش . فالدعارة في المدن السودانية منتشرة وهذه المدن  قبيحة كأمدرمان. أما الخرطوم فهي عبارة عن برك وبعوض وجدري وتيفويد وكوليرا ودوسنتاريا . فالخرطوم تصفها الرواية بأنها ليست مدينة بل هي قرحة عفنة، القساوسة الذين يحاربون الفجور فيها يحبونها رغم فسق أهلها وبيوت دعارتها وحفلات اللواط الدائمة. وذلك في تعارض مع القاهرة  الواسعة النظيفة والجميلة.  الرواية تعاني من  عمى  لا يتيح لها ان  تستوعب دور القوة والسلطة في صناعة التاريخ , فلو تبنينا منطق الرواية  فإنه يصير من  السهل, بل حتما , الإحتفال  بالبيض في جنوب أفريقيا  وذلك لتفوقهم والانتهاء بـوصف السود وقري الصفيح التي يعيشون  فيها بنفس لغة رواية شوق الدرويش عن السودان والانسان الأسود.   

نصيب المرأة السودانية  من نعوت  الرواية  شمل أنها  صانعة مريسة، عاهرة، تؤجر مؤخرتها بريال  .كما نعتتها الرواية  بأنها  سوداء، لصة قذرة، تحب عبوديتها وتتماهي معها . أما البيضاء الأوروبية فهي نبيلة وجميلة كبهجة متوحشة، بيضاء كحليب، شعرها بندقي، عنقها طويل كغزال، ونهداها ثمرتي تبلدي .ولم يكفي  رسم   المرأة السودانية كعاهرة  لتضيف الرواية أنها أكلت طفلها الصغير بعد أن غلته في  قدر نحاسية  في مجاعة سنة ستة، حيث كان الحديث عن الكثير من السودانيين كأكلة لحوم البشر .أما ماري السودانية التي  نازعت فضل العزيز شرف غسل ملابس الأوروبية ثيودورا فقد انتصرت هذه الخادم السوداء لمهمتها بعنف حين قالت  معلنة “أنا خادم هذا البيت وهذا واجبي .أنت ضيفة، لو سمحت لك بغسل ثياب الصبية فماذا أكون أنا؟”  ففي  توهمات  الكاتب، تبدو الخادم سعيدة بعبوديتها تماماً وتعتبر أن  غسل ملابس السيدة الأوروبية هو مهمتها وشرفها ورسالتها في الحياة. بالإضافة الِي العنصرية الذاتية،  تفتقد الرواية للحساسية الجندرية، فهي  تتحدث  عن بعض النساء  كشمطاوات وذلك وصف غير مقبول يعاقب المرأة علي مفارقة سن الشباب  . وتدعي الرواية  أن التومة لها مروءة “فارس القبيلة”، مما يذكر بتلك الصيحة البائسة “أنثى  ولا دستة رجال” والتي تحط من قدر النساء من حيث أرادت أن تحتفل بهن وتعلي من شأنهن.

في الجانب الآخر من المعادلة الحضارية، ترسم الرواية صورة  متمدنة للآخر الأوروبي الأبيض  في تضاد مع الصورة البرازية التي ترسمها  للسوداني .فعند وصول الوفد الأوروبي الِي الخرطوم، احتفي عليَّة القوم من أتراك وأوروبيين بأعضاء الوفد واعتبروهم إضافة لرسالة الحضارة التي تنحت في صميم بربرية البلد . ولكن رغم تفوقه العرقي،  فإن علي الأوروبي أن يتواضع مع خراف الرب السوداء الضالة. تدعي الرواية أن الأوروبي قادم لجلب الحرية والحضارة وكلمة الرب ومساعدة المرضي والفقراء وإعالة الأيتام ، والأبيض عيناه بريئتان حتى لو كان  جسده شرس.

وفي أحد  المشاهد  المطولة، تفبرك الرواية بربرية السودانيين الذين تقول عنهم  الأوروبية  أنها لا يمكنها  أن تتصور أنهم قادرون  علي غناء كلمات جميلة  وتصاب بصدمة حينما  تراهم يذبحون غزال مما يجرح أحاسيسها  النبيلة ويزعجها غاية الإزعاج  لتصرح بأن هذه بلاد شريرة فأهلها  يذبحون الغزال. ولم يتبرع الكاتب ليخبرنا إذا ما كانت هذه البيضاء المرهفة التي  ينفطر قلبها لرؤية  زرزور نباتية أم كانت من  آكلي لحوم الخنزير والبقر والطيور، ولم يخبرنا عما إذا كان اللحم الذي تتناوله يذبح أولا أم أنه يصلها من غير ذبح.

  ثيودورا، هذه  الأوروبية البيضاء الطيبة   يميل قلبها من جراء عزلتها  الِي بخيت، ولكن  الأسود ناقص الإنسانية غير قابل للحب إلا إذا كانت روحه بيضاء رغم سواد جلده ، وإلا  إذا اتصف ببعض الصفات الحصرية علي الرجل الأبيض، أو المصري علي الاقل.  تصف الأوروبية  بخيت بأن عيناه تهمسان  بغزل أرق  وروحه بيضاء كنور القديسين، فتشفق علي هذه الروح المشرقة كالإسكندرية من  أنها محبوسة في جسد أسود غليظ الشفتين قبيح كمدينة أمدرمان.

أما الدرويش بخيت فهو مثله مثل ماري  الخادمة التي  استمرأت عبوديتها ، فهو يتماهى مع عبوديته وإنسانيته المنقوصة  ويصرح بأن    هؤلاء  النصارى طيبون لكن مثواهم النار. هذا الدرويش لم يؤرقه قط  اغتصابه من قبل رجل  تركي لمدة  امتدت خمس سنوات  كان يتغنج فيها التركي  بقوله  لبخيت  أنت قبيح،  أنت رب القرود الفحول. ولم  يهم بخيت  أو  يؤذى  شعوره  أن اغتصبته امرأة  تركية وقالت له  أن ماءه فيه دود. لم يفكر هذا الدرويش التعيس في الثأر لكرامته  بعد استعباده وإغتصابه  وسجنه   ومعاملته  كحيوان غير آدمي،  ولكنه  يقرر القيام  بحملات  إنتقام ملحمية ضد  السودانيين الذين  قتلوا الفتاة الأوروبية  التي أحبها . فعلي  الرغم من محاولة الرواية  فبركة حب اسطوري  بين بخيت والفتاة الأوروبية إلا أنه من المستحيل أن يكون هناك حب مع شخص  ينظر للآخر بكل هذه العنصرية والاحتقار أو بشفقة مغرقة في التعالي في أحسن الأحوال   .فكل ما في الأمر أن الأوروبية كانت شابة وحيدة  تعاني من عزلة  في الخرطوم  وبخيت كان الرجل الوحيد المتاح في مجالها فلا بأس إذا من تسلية ذاتهـا البيضاء  بهذا القرد الدودي  حتى تمضي الأيام وتنتهي عزلتها الخرطومية  يوماً ما  لتعود الي أحضان  المتحضرين من بني جلدتها. من جانب آخر فإنه رغم أن الرواية  رسمت  صورة لا تنقطع   لسوداني قبيح متخيل  إلا أنها حاولت ان تؤنسن بخيت بما أنه البطل العاشق الذي لا حكوة  ولا رواية بدونه ولا رومانسية ممكنة  بدون أنسنته، ولو في حدود ضيقة  .ولكن كراهية الراوي للسوداني طغت  لتنتج من بخيت  درويشا بائسا لا  يغضب لكرامته  المسلوبة  تحت العبودية  والإغتصاب  والعنصرية  والتعذيب  والسجن،  ولكنه يجن  جنونا  لقتل شابة  أوروبية تعاملت معه  كخروف  ضال، أو كقرد أسود  مسلي  تستعمله لتملأ به  زمان  الخرطوم الموحش  وتبدد  به وحدة  لياليهـا  اللانهائية. كما لم  تجد الرواية  بداً من الإشارات الطفيفة الِي بعض مظالم الحكم التركي  لتأسيس الإطار السياسي للرواية بإحالة  اندلاع ونجاح الثورة المهدية الِي قسوة وفساد الإستعمار التركي .

لم تصادفني أبداً حزمة شتائم مجتمعة أكثر  شناعة في حق  الأفريقي الأسود – الذي يمثله في هذه الحالة أهل السودان – ولا حتى من  أسوأ  أعداءهم. ولو أتت هذه  النعوت الرديئة من قلم اسكندنافي  أشقر  لكان من السهل وضعها في إطارها  المناسب، ولكن من  تراجيديا  الرواية  أن هذا القذف يأتي من كاتب ينحدر من الشعب المشتوم ويحمل نفس ملامحه ولكنه قرر أن يتبني منظورا عنصريا ليصب جام غضبه  وإحتقاره علي أبناء وبنات هذا البلد المنكوب بساسته ومثقفيه وكتابه.

ليس القصد هنا الدفاع عن السودان بمفاهيم   كضد للأخر.   فبغض النظر عن من هو  المستهدف بـالشتيمة ، فإن الإطلاق  المستمر  لهذه القذائف اللغوية العنيفة غير مقبول  في حق أي شعب اخر – سواء كان أبيض أو أسود وحتى لو كان أسوأ الشعوب. فمن الممكن توجيه  نظرة نقدية الِي  مجتمع ما  ومن الممكن ممارسة النقد الصارم و القاسي  ولكن  الإذلال  والإهانات  العنصرية  والتحقير  شيئاً  آخر . فالشعوب، كل الشعوب، هي كيانات معقدة  بها الكثير من الصفات الحميدة  كما أن بها الكثير من الرذائل،  لذا فإن  الطرح المتوازن الذي يحترم الحقيقة  لا يشيطن ولا يُأبلس ، كما لا يبتدع  ملائكة، وإنما يلقي نظرة متكاملة تري الأشياء في شمولها العظيم. من حق الكاتب  أحيانا  التركيز علي جانب واحد من صفات الشعوب  حسب السياق،  ولكن  ليس من المشروع  الإغفال الكامل للجانب الآخر من الصورة،  خصوصاً في سياق حساس يتعلق بقضايا  مركزية كالإستعمار والعنصرية.

الرواية كالشخص يمكنها ان تتواطأ مع أي خطاب تحقيري صادر من  غيرها  بعرضه  بحياد  وبذلك  تجعل من نفسها  بوقا  ينشر الهجاء في فضاءات  أوسع , وربما  تتطرف  الرواية وتحتضن فحش خطاب التحقير – وتقبله كحقيقة مسلم بها غير قابلة للطعن. من  الجانب الاخر فمن الممكن أن    تعرض  الرواية أفكارا عنصرية,  أو أي أفكار  أخري  مرفوضة، لا للترويج لها، ولكن   لكشفها  وتعريتها  وعرضها تحت الضوء حتى يستطيع القارئ أن يطلق   عليها ما يراه مناسباً من  الأحكام. هذا النوع من العرض  ينحاز للضحية وللحقيقة  وللضعيف بغض النظر عن لونه وأصله وجنسه  وذلك   باتخاذ  موقف صريح  أو موقف  مضمن بـهدوء وبلا هتاف  ليطعن  في مصداقية الخطاب العنصري  وتبريرات القوة لبجاحتها . في مثل هذا السياق، تردد الكتابة دعايات القوي وتبريراته وتخريجاته الأيدلوجية ليس إحتفالا بها  ولا إحتضانا لها وإنما فضحاً لغطرستها وابتذالها .  وفي نفس الوقت  يسلط هذا الخطاب المضاد الضوء علي  الجانب الاخر المشرق للمجتمع المهان مما يشكك في مصداقية كم الاهانات الموجهة اليه.    ولكن رواية شوق الدرويش لا تستطيع أن تدافع عن نفسها  بالاستناد  علي هذا المنطق ، فليس بين دفتيها ما يلمح لتحفظات ولو خجولة  علي الصور التي يرسمها الأوروبي لنفسه وللآخر الأسود، بل كل ما تفعله هو أنها تتبني أفكار عنصرية عن السوداني ربما أخذها الكاتب من  المصادر   التاريخية  التي خطها المستعمر والتي أستند  عليها الكاتب في  استيحاء أجواء الرواية.

يقول مالكوم إكس  أنه لا يمكن للشخص  أن يكره جذور الشجرة دون أن  ينتهي به الأمر إلي كراهية الشجرة، كما لا يمكن للمرء أن يكره أصله دون ان  ينتهي به الأمر الِي أن  يكره نفسه، ولا يمكنه أن يكره أرضه ووطنه، المكان الذي جاء منه، دون أن ينتهي بـكراهية ذاته . شوق الدرويش  جرعة مركزة من العنصرية وكره الذات، تدعو السودانيين لإحتقار أصلهم وجذورهم  لينتهي بهم الأمر بكراهية أنفسهم  أكثر مما يشجع عليه الوضع  حالياً.

ختاماً، فإنه من  المهم التأكيد علي  أن التناول النقدي  للرواية في هذا المقال  يرتكز علي تفكيك دلالاتها العنصرية والتاريخية   . ولكن هذا النقد لا  يمنع من  الإشادة  بـالمجهود الرائع  الذي بذله الكاتب وبحثه في  التاريخ  وحبكته  الممتعة  وسرده الشيق  ولغته  الرشيقة، مما يدل علي أننا أمام موهبة أدبية في إمكانها تقديم الكثير والأفضل، خاصة إذا ما  انتبه الكاتب إلي أن الرواية  رغم أنها  عمل جمالي فني في المقام الأول، إلا  أنها ليست بريئة ولا محايدة  سياسياً،  فهي طرف  أصيل في  صراعات فكرية    أيديلوجية في غاية الأهمية والخطورة.

 

[1]    كل المفردات السلبية والعنصرية في هذا المقال منقولة حرفيا  من  الرواية .