عبد الله الشيخ

جُرأة صاخِبة ،أن تتذرّع بتقديم النصح لرفاق تدبّروا أمرهم، وقتلوا مشاغلهم بحثاً، وأطّروها في أوراق المؤتمر المطروحة على موقع الحزب.. الكمال لله، وما يُقال هنا، في مناسبة عقد الحزب الشيوعي السوداني لمؤتمره السادس، يؤخذ كقراءة عابرة، ضمن سِجال المراقبين،الذي يتناثر على أوراق الصحف.

الحزب الشيوعي، ليس محمياً من العدوى، ومن الأمراض التي ضربت واقعنا الإجتماعي، وما يحدث داخل الحزب، ما هو إلا إنعكاس لأزمات البلد الحقيقية، ومهما قيل أويقال عن إختراقات الأمن لحصن اليسار التاريخي ، يظل الحزب الشيوعي مؤرقاً لبؤرالمهووسين.

الحزب  الشيوعي السوداني يخيف الطغمة، وهو أقوى كيان سياسي في الساحة ، ليس بإدمانه للسرية، أو لأنه محصن ضد الثرثرة، وإنما لأنه حزب وطني ، ضمن تيار عريض، يضم عامة الناس.

أزمة الحزب الراهنة، ربما تمثلت في سُدة القيادة، لذلك لن يمر مؤتمر الحزب السادس بهدوء.. لا خشية من الانشقاقات، فالتجربة العملية ، تشير إلى أن جرثومة الإنشقاق كامنة،  وضاربة بجذورها ، في كيانات قوى الاستنارة،، ففي كل محطة من محطات الصراع ،نشهد صراعاً ينتهي بالبقاء للاقوي.. الحزب الشيوعي، ليس حزباً صغيراً.. قال الراحل نُقد بتواضُع،أن حزبهم صغير، لكنه “قدْر السودان دا”..وقد كان السودان حينها، ممتداً وموحّداً.

الحزب يتواجد بفعالية في المدن، وفي الجامعات، والاندية والروابط والاتحادات، بيد أن طول عهد الشمولية، أبعده عن جماهيره وقواعده الشعبية في الريف والبوادي.

 في الجانب الفكري، يُنتظر أن يقدم الحزب شُغلاً جديداً، ينقل الحزب، بجدارة إلى خانة يسار الوسط.. المؤتمر السابق، حسم أزمة الخط الفكري بعد انهيار الماركسية الكبير. الشيوعيون لا يدعون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، لكنّهم يتقدمون الصفوف دفاعاً عن هذا البلد، ويعملون بدأب، من أجل تحرير الحزب من قيود العمل السري.التحدي بشكل عام، هو الخروج من عباءه فقهاء المذهب، الذين حين يداهمهم الواقع، يلجأون إلى مطابقة مستحيلة، بين أحداثه المتلاحِقة والنص.. للحزب تقاليده التنظيمية، لكن ما الذي يمنع أن تقود الحزب في المرحلة المقبلة، شخصية سياسية تعبر بصورة مباشرة عن تيار اليسار العريض..شخصية وطنية ترسم موازنة دقيقة، بين واجبات زعيم حزب عريق، ومقتضيات التواجد في الساحة الوطنية، للمساهمة الجماعية في عملية التغيير..؟

 بالطبع، ليس من السهل تحديد مواصفات معينة للقائد الذي سيفرزه مؤتمر الحزب، لكن ، على وجه العموم، فإن القائد المطلوب، يجب أن تكون لديه مقبولية عند العضوية، وأن يكون قادراً على تجميع كافة التيارات الداخلية حول الخط المطروح، وهذا يتطلب ألا يكون محتاجاً إلى استخدام عصا الإجراءات، أو اللجوء للمحاكمات الحزبية كسبيل لضبط العمل الحزبي.

 كان الحزب في سالف الأيام، يضم أفضل الشرائح المستنيره في المجتمع، و لسنا عبدة للماضي إذا قلنا أن واقع الحزب الآن ، يتطلب سكرتيراً في كاريزما عبد الخالق..الحزب يحتاج زعيماً شبابياً ، مفتوحاً على الآخرين، ومتفوقاً عليهم، وممسكاً بزمام المبادرة.

بعد قرار فصل الشفيع خضر، وهو قرار مُحزِن..يكون الحزب الشيوعي السوداني، قد دخل في تحدي استبدال قياداته التاريخية بقيادات شبابية.. بعد كل ما جرى من تحولات فكرية عميقة ، سيقترب الحزب أكثر من تجارب الاحزاب الشيوعية الاوربية، ليقدم حزباً اشتراكياً ديمقراطياً. بهذه الخطوة المُتوقَعة، يستطيع الحزب استباق المفصولين منه والخارجين عنه، بيد أن هذه الخطوة تتطلّب تأطيراً لفكرة تجديد دماء الحزب، بتقديم قراءة جديدة للواقع السوداني على ضوء الماركسية،، وهذا عمل مضن ، يُفترض أن يكون قد بدأ منذ سنوات، ليُتوّج في مؤتمر الحزب الحالي.

هل سيُعرِّج المؤتمر، على ظاهرة الانقسامات ومظاهر الشقاق، للتعرف على أسبابها..؟ أنّ الأزمة الأخيرة ــ فصل الشفيع وقطّان ــ لم تنشب بسبب تكتل أوصراع فكري، ولا يكفي إدراجها تحت نافلة الاجراءات، فضلاً عن أن القول بأن هؤلاء الرفاق، قد تم فصلهم لأسباب “أخلاقية” لا يليق بحزب عمره 70 سنة..!

 أيها الرفاق ..إن كانت هذه العبارة مدسوسة بإسمكم، فلا مناص من التبروء منها..!