كمال الجزولي

* النزعة الاستعلائيَّة/السُّلطويَّة/التفكيكيَّة ليست شعبيَّة وإنما أصبحت كذلك بفعل تصوُّرات القوى الطبقيَّة التي سادت اقتصاديَّاً وسياسيَّاً واجتماعيَّاً وثقافيَّاً!

* المركزويَّة الإثنيَّة معروفة في كلِّ الثَّقافات لكنها أصبحت تتهدَّد وحدة البلاد بفعل التَّوجُّهات الأصوليَّة المتطرفة والأكثر غلوَّاً وسط النُّخبة الإسلامويَّة الحاكمة!

* ما يقلق هو تقاصر طاقات نخب التَّيَّار العقلاني/التَّوحيدي وسط الجَّماعة المستعربة المسلمة عن النهوض بمهامه الفكريَّة الثَّقافيَّة والسِّياسيَّة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترفرف، هذا العام، أجواء الذِّكرى السِّتِّين للاستقلال، والخامسة للانفصال. وفي 10مايو 2012م، سأل كرتي، وزير الخارجيَّة، محاوره في (قناة الجَّزيرة) احمد منصور: ”منذ 1983م يقاتل الجَّنوبيون تحت مانفيستو السُّودان الجَّديد الذي كان عرَّابه، جون قرنق، يصفهبأنه البلد الذي يمكن أن يحكمه غير عربي وغير مسلم، فهل ترضى أنت بهذا“؟! وفي أواخر 2010م وجَّه رئيس الجُّمهوريَّة، ضمن حديث (عيد الحصاد) بالقضارف، إنذاراً غليظاً عن تبعة انفصال الجَّنوب، قائلاً: “الدُّسـتور سـيعدَّل .. وسـنبعد منه العبـارات (المدَغْمَسة) .. فلا مجال للحديث بعد اليوم عن دولة متعدِّدة الأديان والأعراق والثَّقافات!” (وكالات؛ 19ديسمبر 2010م)؛ يعـني: لئن كانت (الإثنيَّة) هي جماع (العِرْق + الثَّقافـة)، فإن (التَّنوُّع الإثني) في السُّودان كان رهيناً، حسب البشير، ببقاء الجَّنوب؛ أما وقد ذهب، فقد انتفي (التَّنوُّع)، وأضحى الكلام عنه محض (دَغْمَسَة)، أي مواربة لأجندة خفيَّة!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(9)

خلال وقائع القرون الثَّلاثة التي أعقبت القرن السَّادس عشر، وعلى حين راحت تتبدَّد في ذلك المفصل التَّاريخي، مع غروب شمس سنار، واحدة من بواكير الفرص النادرة كي توحِّد البلاد أقاليمها، وتصوغ ذاتها، وتنتمي لنفسها، كان (الجَّلابي) مشغولاً في ملابسات صراع الثَّروة والسُّلطة:

أ/ بأسلاب المملكة التي كان قد نشط فى تفكيكها بالتَّواطؤ مع التِّجار الأجانب، يحصِى ما آل إليه، وما يمكن أن يؤول، من تركة (الككر) الضَّخمة: تجارة داخليَّة وخارجيَّة طليقة من تحكُّم السَّلاطين، وأراض شاسعة خرجت من قبضة الدَّولة المرتخية فحازها بثروته ونفوذه.

ب/ وبتأسيس منظوره الخاص للبلاد التي لم تعُد، من أقصاها إلى أقصاها، غير كنف موطأ لامتيازه وحده بالأرض والزِّراعـة والماشية والتِّجارة والعبيد، وامتيازه، تبعاً لذلك، بالعنصر، واللغة، والثقافة، ونمط التديُّن، أمَّا كلُّ ما (دون) ذلك فصقعٌ خلاء، أو محض مشروع لـ (الأسلمة) و(التَّعريب)!

ج/ وبتعميقرؤيته الفادحة للذَّات وللآخر، حيث أصله وحده العريق، ولسانه وحده الكريم، أما كلُّ من عداه فعبيد غلفٌ، وألسنتهم كذلك! وحده دمه الحرام، وعِرضه الحرام، وماله الحرام، أما (الآخر) فكافرٌ لا حرمة لدمه، ولا لعِرضه، ولا لماله! لون (الآخر) إما أسود أو أزرق، أما لونه هو فذهبي تارة، وقمحي تارة، وعسلي تارة، وتارة (خاطف لونين)، حتى إذا دَكِنَ، وصار إلى سَجَم الدَّواك أقرب، فتلك (خدرة دُقاقة) أو (سُمرة) تتدوزن بفتنتها أعواد المدن وطنابير السَّواقي! فصودُ (الآخر) على الجَّبين وشمُ رجرجةٍ مُعتم، أما شلوخه هو فتضئ على خدَّيه مطارق، وتي، وإتش، و”حلو درب الطير فى سكينة”، أو كما ظلَّ يصدح، ليلَ نهار، عبر مذياع الحكومة وتلفازها، مغنيه الذي لا مات ولا فات، حتى يوم النَّاس هذا! يتمعَّن الكفَّين، يتشمَّم الإبطين، يتأمَّل الأنف، يحدِّق في (الشَّلاليف)، يتقصَّى حتَّى باطن (الأضان) تحاشياً لِمَن فيه (عِرق)، وذاك مبلغ ما عَلِمَ من قوله (ص): “تخـيَّروا لنطفكم فإن (العِرق) دسَّاس”، كضرب من إخضاع النَّصِّ الدِّيني لأيديولوجيا الاستعلاء! فرغم “اعتبار الدِّين الإسلامي لمثل هذه الِّاتجاهات جاهليَّة ممقوتة”، إلا أن (الجَّلابي) راح يفسِّر الحديث الشَّريف تفسيراً إثنيَّا، مع أنه “واضح في حثِّ المؤمنين على تخيُّر الزَّوجة من منبت صالح بمفهوم أخلاقي وديني وليس إثنيَّاً بحال” (الصادق المهدى؛ 23مارس 2004م). يفعل (الجَّلابي) ذلك كله منشغلاً بالأعمام والعمَّات، دون أن يشغل نفسه، للحظة، بالسُّؤال عن (الخال) أو (الخالة)، أو عن أصل جدَّته الأولى التي تزوج بها، قبل مئات السنوات، عربي مسلم وفد إلى هذه الأنحاء عبر البحر أو النهر أو الصَّحراء! ولا عجب، فتلك سيرة يمقتها، ولذا يدعها ترسب في قاع لاوعيه، علها تذوى في صمت!

د/ وبتكريس هذا كله استعلاءً جهيراً في حمولة الوعى الاجتماعي العام من (حِكَم) شعبيَّة وصياغات لغويَّة “تشكِّل حاجزاً نفسيَّاً بين أهل السُّودان .. أمثال: جِنِسْ عَبِدْ مِنُّو الخير جَبِدْ ـ عَبْدَاً تَكُفْتُو بَلا غَبينَة ـ سَجَمْ الحِلةْ الدَّليلها عَجَمِي وفَصِيحَها رَطانْ ـ الهَمَلةْ السَوَّتْ العَبِدْ فَكِي .. الخ” (الصادق المهدى؛ 6ـ 7مارس 2004م).

وثمَّة ملاحظة جديرة بأن ننوِّه بها هنا، وهي أن هذه النَّزعة (الاستعلائيَّة/السُّلطويَّة/التَّفكيكيَّة) ليست، في أصلها، شعبيَّة، وإنما أصبحت كذلك، تاريخيَّاً، بفعل ثقل تصورات القوى الطبقيَّة التي سادت في بلادنا، اقتصاديَّاً وسياسيَّاً واجتماعيَّاً وثقافيَّاً، وبدفع من (النُّخب) التي سيطرت على مفاصل السُّلطة في كلِّ مستويات الحكم والتَّعليم والإعلام وما إلى ذلك من وسائط توجيه الرأي العام. وبالتالي فإن هذه النَّزعة لا تعكس ثقافة (شعبية) أصيلة، بقدر ما تعبِّر عن تأثير فكرى وثقافي (نخبوي) يُظهر قدراً مما يُعرف في الأنثروبولوجيا بمصطلح (المركزويَّة الإثنيَّة) التي تعكس نزعة الاحتقار وسوء التَّقدير داخل ثقافةٍ ما تجاه الثَّقافات الأخرى (أسامة ع. النور؛ ARKAMANI). هذه النَّزعة، وإن كانت معروفة في كلِّ الثَّقافات، إلا أنها، بفعل التَّوجُّهات الأصوليَّة المتطرِّفة للتَّيَّار المتغلب، والأكثر غلوَّاً، وسط النُّخبة الإسلامويَّة الحاكمة، أصبحت تتهدَّد، أكثر من أي وقت مضى، وحدة البلاد وسلامة أراضيها بخطر حقيقي داهم، مِمَّا يستوجب انطلاق (عقلانيي/توحيديي) الجَّماعة المستعربة المسلمة من موقف أكثر جرأة في ما يتصل بنزع جميع الأقنعة، وتعرية كلِّ المسكوت عنه في تاريخنا الاجتماعي والإثني “فما يفرِّق السُّودانيين هو ما لا يُقال” (فرانسيس دينق؛ ضمن المصدر)، الأمر الذي يلقى على عاتق الحركة الفكريَّة والثَّقافيَّة بمهمَّة العمل لإزالة “التَّناقض الدَّاخلي” الذي “هو مبعث حيرة أهل الجَّنوب والشَّمال، أغلبهم، حول ماهيتهم” (منصور خالد؛ ضمن المصدر)، كما يلزمنا، بإزاء هذه التَّحدِّيات، “أن نعترف، نحن العرب المسلمين، أن ثقافتنا مارست استعلاءً ثقافيَّاً على الآخرين (رغم أن) الاستعلاء الثَّقافي في أوحش صوره بضاعة غربيَّة، وقد مارسته كلُّ الثَّقافات المركزيَّة في عالم الأمس، ولكن الإنسانيَّة أدركت مضاره وبدأ مشوار الاستقامة والعدالة” (الصَّادق المهدى؛ 6ـ 7مارس 2004م). وينبغي، على هذا الصعيد، تجاوز محض الاعتراف إلى “النفاذ القوى برقائق الرُّوح وسهر الثَّقافة إلى خبايا الاستضعاف المؤسَّسي، الاجتماعي التَّاريخي، لأقوام الهامش السُّوداني .. (كيلا نصبح) عبئاً على حركة المستضعفين لا إضافة لها، فبغير (ذلك) .. لا ينفذ الشَّمالي المدجَّج بامتيازاته التَّاريخيَّة إلى مشاهدة قبح نفسه في مرايا تلك الامتيازات الظالمة” (عبد اللـه علي ابراهيم؛ 17مايو 2004م).

(10)

غير أن أكثر ما يقلق، رغم الوعي بضرورة كلِّ تلك النِّداءات، هو الهشاشة الغالبة لدى التَّيَّار (العقلاني/التَّوحيدي) وسط الجَّماعة المستعربة المسلمة، وتقاصر طاقات (النُّخب) المختلفة التي تمثِّله عن النُّهوض بمهامها الفكريَّة الثَّقافيَّة والسِّياسيَّة التي لا غنى عنها في منازلة تيَّارها (السُّلطوي/الاستعلائي/التَّفكيكي)، بمستوى من الاقتدار يزيح عن كاهل (العقلانيين/التوحيديين) أثقال المسئوليَّة التَّاريخيَّة التي يتحمَّلونها حتى الآن:

أ/ على صعيد مظالم (الهامش) التي ولدت كل هذا البغض للجَّماعة المستعربة المسلمة، ورموزيَّاتها الثَّقافيَّة واللغويَّة، مِمَّا تدلُّ عليه العديد من الشَّواهد، لدرجة أن تيَّاراً (استعلائيَّاً/تفكيكيَّاً) مضادَّاً أصبح لا يعدم التَّعبير عنه، منذ وقت طويل، وسط حركة (الهامش) الاحتجاجيَّة، الأمر الذي لم يشحن، فقط، نفوس الجَّنوبيين للتَّصويت لصالح الانفصال، في استفتاء يناير 2011م، بل وأضحى يهدِّد مشروع (الوحدة الوطنيَّة) كلها بالفناء والعدم.

ب/وعلى صعيد جريرة الجَّماعة المستعربة المسلمة نفسها، كون تيَّارها (السُّلطوي/الاستعلائي/التَّفكيكي) ينفرد، تحت سمعها وبصرها، بادعاء التَّعبير عمَّا يعتقد هو أنه (رسالتها) التَّاريخيَّة (المقدَّسة) في (تعريب وأسلمة) الآخرين، بكل ما يحمله مضمون هذه العمليَّة من معاني القسر والقهر والجَّبر التي ينبغي أن تدمي ضمائر كلِّ مفكِّري ومثقَّفي التَّيَّار (العقلاني/التَّوحيدي)، بمختلف أجيالهم، وتجعلهم يطأطئون رؤوسهم خجلاً مِمَّا كانوا يحسبونه جهداً مرموقاً بذلوه، ووقتاً ثميناً صرفوه، فـي إنتاج ونشر الوعي الدِّيموقراطي بقضايا الهويَّة، والوحدة في التَّنوُّع، وحقوق الأقليَّات في التَّميُّز الثَّقافي، فإذا بالنَّاتج قبض الرِّيح، بل خراباً كاملاً!

***

الإشارات:

* غالباً ما يشيع فى التَّقليد (الجَّلابى) استخدام هذه الكلمـة وقرينتهـا (وطني/وطنيَّة) بصـورة ملتبسة، وبمدلولات مبهمة، خصوصاً فى حقل السِّياسـة، وبخاصَّة أكثر حين يكون المُراد ابتزاز ذهنيَّة ووجدان العامَّة لتسويق أوضاع غير سويَّة (وفاق وطني، زي قومي، شخصيَّات قوميَّة .. الخ).

** يستخدم البعض مصطلح (المركزيَّة) الإثنيَّة/الثقافيَّة، لكنَّنا نفضِّل استخدام مصطلح (المركزويَّة) الإثنيَّة/الثقافيَّة لانطوائه على التَّحفظ على الممارسة.

المراجع:

(1)أبَّكر آدم اسماعيل؛ “حول مسألة التَّعريب في السُّودان”، ورقة ضمن مداولات “مؤتمر واقع ومستقبل التَّعليم العالي في السُّودان”ـ أوراق مختارة، تحرير محمد اﻷمين التُّوم؛ رابطة الأكاديميين السُّودانيين، القاهرة 1999م

(2)الأمين أبو منقة؛ صحيفة “الأضواء”السُّودانيَّة الورقيَّة، 16فبراير 2004م.

(3)أسامة عبد الرحمن النور؛ “مشروع السُّودان الجَّديد وإعادة كتابة تاريخ السُّودان”، صحيفة سودانايل الإلكترونيَّة، 14أبريل 2004م.

(4)الصَّادق المهدي؛ “تباين الهويَّات في السُّودان: صراع أم تكامل”، ورقة في ندوة مركز دراسات المرأة بقاعة الشَّارقة بالخرطوم، 23مارس 2004م.

(5)الصَّادق المهدى؛ “المصالحة وبناء الثِّقة في السُّودان”، ورقة في ندوة “السَّلام بين الشَّراكة والمشاركة”، قاعة الشَّارقة بالخرطوم، 6ـ 7مارس 2004م.

(6)ي. أ. بيلاييف؛ العرب والإسلام والخلافة العربية، الدَّار المتَّحدة للنَّشر، بيروت 1973م.

(7)تيم نبلوك؛ صراع السُّلطة والثَّروة في السُّودان، مطبعة جامعة الخرطوم، 1990م.

(8)جعفر محمد علي بخيت؛ الإدارة البريطانيَّة والحركة الوطنيَّة في السُّودان (1919م ـ 1939م)، المطبوعات العربيَّة، الخرطوم 1987م.

(9)جــوزيـف قــرنـق؛ The Dilemma of the Southern Intelligentsiaـ متاهة الانتلجينسيا الجَّنوبيَّة، وزارة شؤون الجَّنوب، الخرطوم 1970م.

(10)عبد اللـه علي ابراهيم؛ الثَّقافة والدِّيموقراطيَّة في السُّودان، دار الأمين، القاهرة 1996م.

(11) عبد اللـه علي ابراهيم؛ جريدة “الصَّحافة”الورقية السُّودانية، 17مايو 2004م.

(12)موقع “ARKAMANI”الإلكتروني.

(13)محمَّد فوزي مصطفى عبد الرحمن؛ الثَّقافة العربيَّة وأثرها في تماسك الوحـدة القوميَّة في السُّودان المعاصر، الدَّار السُّودانيَّة، الخرطوم 1972م.

(14)محمَّد المكِّي إبراهيم؛ الفكر السُّوداني: أصوله وتطوُّره، مصلحة الثَّقافة، الخرطوم 1976م.

(15)محمَّد سليمان؛ حروب الموارد والهويَّة، دار نشر كيمبردج، لندن 2000م.

(16)محمَّد عمر بشير؛ تاريخ الحركة الوطنيَّة في السُّودان (1900ـ 1969)، الدَّار السُّودانية، الخرطوم1991م.