خالد فضل

  في الأيام الماضية كتب كلٌ من السادة جبريل إبراهيم وياسر عرمان والصادق المهدي حول نتائج إجتماعات قوى نداء السودان في باريس , الخلاصة لكتاباتهم , الموافقة على خارطة الطريق التي قدّمها ثامومبيكي رئيس الآلية الإفريقية رفيعة المستوى المعنية بالشأن السوداني . تلك المذكّرة التي وقّعت عليها الحكومة السودانية ورفض التوقيع عليها الفصائل السياسية السودانية التي دُعيت بوساطة الآلية للتوقيع , وهي حزب الأمّة القومي , الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال, حركة جيش تحرير السودان/مناوي وحركة العدل والمساواة السودانية . وقد ثار لغط كثيف حول ذلك الأمر في حينه خاصة بعد أنْ أوضح الممتنوعون دوافعهم لرفض التوقيع وهو ما أشار إليه جبريل إبراهيم بصيغة الإذعان التي أرادها السيد مبيكي , إضافة لعدم شمول الدعوة للمؤتمر التحضيري بل محاولة الإلحاق بحوار الوثبة , وقد تضمّنت الوثيقة بالفعل نصوصا تشير إلى حوار الوثبة فيما تدعو في ذات الوثيقة إلى حوار شامل , وهو أمر مربك بالفعل فكيف يكون الحوار شامل ومتكافئ دون أن تتوفر شروط شموله وتكافؤه ؟ أما الحديث عن وقف اطلاق النار والتفاهمات لتوصيل الإغاثة وغيرها فهي بنود لا يمكن الإختلاف حولها . كل هذا واضح ومفهوم بيد أنّ السادة الثلاثة لم يحددوا بالضبط ما الذي استجدّ في المواقف العملية للنظام بحيث جعلهم يقررون الإنضمام لخارطة مبيكي , وأول ردود فعل النظام أنّ الممتنعين سيوقعون على ذات الوثيقة دون أي تعديل فيها , وكاد متحدّثم أن يضيف عبارة روبرت زوليك الشهيرة عشية توقيع إتفاقية أبوجا مع فصيل مناوي عندما قال بأنّه لن يتم تعديل شولة .

  كُلُّ واحد من السادة الثلاثة طفق يجدد ويؤكد المؤكد مسبقا من القول عن ضرورة التفاوض للوصول إلى حلول للأزمة الوطنية المتطاولة , وأنّ خيار الحل السلمي التفاوضي هو الخيار المفضّل لقوى نداء السودان ولكن ما لم يستطع أيّا منهم الإتيان ببرهان عليه هو تغيّر موقف النظام أو الآلية الوسيطة . فمجمل ما يمكن فهمه أنّ هنالك وعودا قد بذلتها الوساطة لحمل النظام على قبول مشاركة قوى نداء السودان باسمها الإعتباري وليس الصيغة الإنتقائية , وهذه النقطة إنْ تحققت بالفعل فستكون بمثابة مكسب لقوى التحالف المعارض , إذ في هذه الحالة يمكن ضم القوى التي لم يتم دعوتها من قبل للتوقيع على الخارطة ومشاركتها ضمن وفد التفاوض , وهذه الخطوة تعزز من فرص العمل المشترك بين مكونات نداء السودان بتوحيد الموقف التفاوضي في حالة قبول النظام الحاكم بهذه الفرضية .

  ويظل السؤال قائما حول مطلوبات الحوار المتكافئ , فقد بدا وكأنّ التوقيع على خارطة الطريق يشكل لوحده نصف الحل , وهذه فرضية غير صحيحة في تقديري , وبكل تأكيد لا أحد من حقّه فرض وصايته على مكونات نداء السودان , كما لا يجوز بأي حال من الأحوال تبخيس نضالات المناضلين على جبهات الكفاح المسلّح أو جبهة العمل السياسي والدبلوماسي , ومن غير اللائق أخلاقيا الترديد الببغاوي لمزاعم ودعايات أبواق السلطة في دمغها للمعارضين بمجرّد حفنة من طالبي السلطة , ورغم أنّ طلب السلطة هو الدافع الأساسي لتكوين الحزب والحركة السياسية وليس في الأمر ما يعيب , لكن طلب السلطة الحزبي ينبغي أنْ يتم بالوسائل الديمقراطية وعبر الإنتخابات الحرة النزيهة وفي مناخ ونظام ديمقراطي يكفل ويصون كافة حقوق الإنسان . فهل حدث جديد على مستوى السلطة ولو رمزيا ليشير ولو إلى قدر يسير من التقدم ناحية الحلول السلمية التفاوضية ؟ الواقع يؤكد عكس ذلك تماما , فقد واصل البشير ممارساته الحربية , وطبّق عمليا نذيره ووعيده ضد المناضلين والمدنيين من أبناء شعبه بالحسم عن طريق فوهة البندقية , وعبر نشر رداء الموت من دارفور إلى النيل الأزرق بوساطة فيالق الجنجويد التي باتت تمثّل القوات المسلحة والشرطة والأمن في وقت واحد , وترقى قائدها الميداني وصارت تتبع لرئاسة الجمهورية , وتولّت حتى مهام حراسة ومراقبة الحدود الدولية ,تمشيا مع مطلوبات وتوصيات مؤتمرات الدول الأوربية في بحثها عن درع يردع تدفقات اللاجئين الفارين من جحيم بلدانهم في القرن الإفريقي تسللا عبر الفيافي والصحراء الليبية وشواطئ المتوسط قبالة أوربا , بينما لم يتم توجيه ذات القوات لحماية الحدود السودانية من إعتداءات عصابات الشفتة الإثيوبية التي تحتل الآف الأفدنة من أخصب أراضي منطقة الفشقة بولاية القضارف , أو تحريكها نحو مثلث حلايب شلاتين الذي تمّ ضمّه لمصر من طرف واحد !  هذا الجديد في موقف النظام لا يشجع أبدا على افتراض حسن النوايا فقط ناهيك عن التنازل لصالح الحل الشامل المتفاوض عليه , فلم يتم اطلاق سراح المعتقلين السياسيين بل يتم زيادتهم يوميا بكل من يطالب بحقّ من حقوقه كمواطن , ويتم حبس نشطاء المجتمع المدني لفترات متطاولة , فما يزال منسوبو مركز تراكس للتدريب والتنمية البشرية رهن الإعتقال , وإعتقالهم من الأمور التي استجدّت خلال الفترة ما بين عرض وثيقة مبيكي في مارس الماضي وذهاب قادة نداء السودان للتوقيع عليها ربما في أغسطس الماثل بين يدينا الآن , فهل يستجيب قادة نداء السودان لروشتة المبعوث الأمريكي السيد بوث ب( اذهبوا وفتشوا عن مبيكي للتوقيع في أي مكان ) ؟ وهل التوقيع على خارطة طريق السيد مبيكي يحل مشكلات البلاد , حتى يكون التوقيع من عدمه وكأنّه يمثل الفرق بين الحق والباطل , ففي وصال السيد الصادق غمز في المعترضين على هذه الخطوة وتقسيمهم إلى (ساهون وغلاة وعميان) , فلنفترض جدلا أنّ القابضين على مفاصل السلطة والقوة والثروة قد رحّبوا بتوقيع السادة الموقعين , وجلسوا معهم للتفاوض كيفما يشاؤون , بل وأبرموا معهم المواثيق والعهود والإتفاقات , فكم من إتفاق وقّعه نظام البشير ؟ أي مصير حاق بكل تلك السلسلة الطويلة من الإتفاقات ؟ لقد كانت نيفاشا بجيوشها وبعثتها الأممية التي لا مثيل لها تمثّل أكبر فرصة لتحقيق قدر ضئيل من التغيير لكن مع الأسف تمكّنت تدابير شيطانية من جانب السلطة في إفراغها من مضمونها , مثل تأسيس منبر الكراهية والبغضاء تحت لافتة السلام العادل , وممارسة مكيدة شقّ الحركة الشعبية عبر سياسات الإغراء لبعض منسوبيها , حتى انتهى الأمر بجنوب السودان إلى محرقة بطابع إثني وقبلي , والحركة في شمال السودان إلى جماعات دانيال كودي وتابثا بطرس , وقبلها صار حزب الأمّة أمما على وقع توقيعات جيبوتي , أمّا مناوي فيكفي أنّ أمام اسم حركته اسمه وهذا دليل بسيط على المنتظر من مثل اتفاقات المعارضة مع جماعة الفساد والاستبداد , أمّا حركة جبريل في الأخرى لم تسلم من الأذى وفصائل منها تمهر صفقة الدوحة ويستوزر ثمّ يتشقق من وقّع !  فأين أبشي الأخرى والسلام من الداخل الثانية , وأبوجا وغيرها ؟ بل أين الدوحة واليوناميد ؟ أين ملتقى كنانة ولجان الدستور ؟ وأين وأين ؟ في الواقع زادت وتائر الطغيان , وكلّ معضلة وطنية واحدة كانت قبل عشر سنوات فقط صارت قبيلة كاملة من المعضلات , الوحدة الوطنية والحريات والعدالة الإجتماعية والتنمية المتوازنة صارت نغمات (موبايل ) , والنزاهة اسم توب نسائي , والثروات الوطنية بل والأرض السودانية أصبحت دليل استثمار وقميص ميسي ممهور بتوقيع قلمه الذهبي _كما كًرته _ , وصرخات الضحايا من المغتصبات والطفلات المذعورات مهرجان (عزّة وكرامة لإفريقيا ) المنكوبة بخوازيق من بني جلدتها بما لم تذق مثله من أساطين الإستعمار , ولا تعدم طبّال من حملة الدكتوراة ينعي للسادة المشاهدين المحكمة الجنائية الدولية !! يد القمع والقهر تطاولت واستطال ليل المظالم البهيم , لذلك من حقّ المشفقين والممتنعين والرافضين والغلاة والساهين والعميانين أنْ يشفقوا ويتحفظوا وينقنقوا ويطنطنوا , دون تخوين بالطبع ودون تبخيس لجهد المناضلين الآخرين , فالسيد عبدالواحد محمد النور له رأي قاطع وواضح , فهل يمكن إعتباره خائنا ؟ حاشا وكلّا , فالسكة طويلة ودرب الآلام ما يزال وعرا , فعسى أنْ يّشقّ طريق للغد بالمشي , وأهو لكل ساع فضل دون مزايدات أو تبخيس .