صلاح شعيب

لا بد أن هناك من غشنا في قصة اغتيال الرئيس حسني مبارك بأديس أبابا، 1995. والكذب علينا، أصلا، لازمة في تفكير الإسلاميين، وعلى أنفسهم، أيضا، لضرورات نجاح الحبكات المفيدة للتنظيم. فالإسلاميون كذابون، ويتنفسون بالكذب. ولكن هل هناك، كذلك، ضرورة لضبط هذا الكذب سياسيا، إن لم يتيسر فقهيا؟. علي الحاج حاول في هذا الجانب إخراس علي عثمان الذي أنكر الواقعة، ولاحقا دخل المتهم نافع الحلبة، وحاول أن يبدو أمامنا مشدوها من هذا الاتهام الذي قال إنه سمعه لأول مرة هذه الأيام فقط. فهو استطرد أنه “لم يسمع به إلا من خلال حديث الترابي في قناة الجزيرة في برنامج شاهد على العصر”. وهذا كذب صراح، ومضاف. فنافع اتهم يوما المؤتمر الشعبي بتنفيذ اغتيالات سياسية إبان خصومة الحزبين تلك. ولكن جاء الرد سريعا من إبراهيم السنوسي الذي ألجمه حجرا فسكت. قال الأمين العام الحالي للمؤتمر الشعبي في تلك التصريحات الصحفية إنه “شهد اجتماعاً عقب الحادثة ضم الرجلين وحسن الترابي، اعترفا فيه بضلوعهما في المخطط“.
وأكد السنوسي “أن ذلك السلوك لقي الرفض التام والإدانة الشديدة من الأمين العام للحركة الإسلامية الذي أوقع عقوبة صارمة على مدير جهاز الأمن السوداني آنذاك نافع علي نافع”. ولم يكتف السنوسي بذلك بل قال إن الترابي “عاقبه بالعزل من إدارة الجهاز الأمني وإبعاده عن أي دور تنفيذي”، مشيراً إلى أن “هذه الواقعة هي ما يفسر البغضاء الشديدة التي يكنها نافع للشيخ الترابي”. وزاد السنوسي بقوله “يجب ألا يتحدث نافع عن الاغتيالات وهو الذي طالما قتل وعذّب، مؤكداً على ضرورة أن تبقى كل هذه الملفات مفتوحة حتى يحاسب من اقترفوا الفظائع والجرائم في حق الضحايا والمظلومين يوماً ما”. هكذا كانت حدة السنوسي إزاء نافع، والذي لم ينبس ببنت شفة في حياة شيخه، فلماذا يكذب علينا هذه المرة ويقول إنه لم يسمع بهذه الاتهام إلا عبر قناة الجزيرة؟!.
إذن فإن نافع قد كذب مرتين. فهو قد كذب في تصريحه الأخيرة هذا بأنه لم يسمع بهذه التهمة من قبل. وكذب شيخه، وأيضا، علي الحاج على شهادتهما. وهكذا صرنا بين مطرقة اتهام الشيخ الغليظ، وبين سندان الإنكار الفخم لتلميذيه. وذلك الاتهام، وهذا النفي، إن دلا علي شئ فإنما على غياب التربية، والأخلاق، عند القادة الذين يسير وراءهما جيش من العاطلين عن إصلاح أيديولجيتهم، أو الانتهازيين الذين ينتمون إلى الحزب.
بطبيعة الحال لا قيمة لمطالبتنا علي عثمان ونافع بالاعتراف الصريح بالجرم، والاعتذار للشعب السوداني الذي دفع ثمن تلك الواقعة حصارا سياسيا، واقتصاديا، ولا بد قد انعكس على حياة الناس سلبا، فمات من مات بسبب الحصار، وأفقر من أفقر. فكل الذي يفعله الاثنان هو الضحك على هؤلاء الذين يتوقعون منهما هذا الاعتذار اللطيف. فهما يفهمان اغتيال مبارك بأنه جهاد إسلامي مثمن ضده، بوصف أنه يمثل الامبريالية في المنطقة، ونكل بزملائهما المصريين، وهناك حيثيات أخرى يعرفونها. أما كونهما قد فكرا في عواقب هذا الفعل على مواطني بلدهما الفقير فإن هذا من أحلامنا الطوطمية. فالحركة الإسلامية السودانية عابرة للدول، والأقاليم، والقارات. ولا يهمها إن جاع الشعب، أو مات بالسل، أو بقاذفات الأنتنوف. فهمها الأساس هو “نصرة” جموع الإسلاميين المستضعفين في الأرض قبل جمع الشعب السوداني الذي يحاصره السأم من نظام ديكتاتوري. وإذا كان الإسلاميون يتحركون بناء على مصلحة أهلهم لما حلت الكوارث بهم. ولو أنهم حقا حريصون على البلاد لتقاعدوا عن الحكم وقالوا لأهل السودان: هلموا فإنا جاهلون بأمر الحفاظ على وحدة البلاد، وجاهزون للمحاسبة بدلا من أن نسير بالبلاد إلى الفناء. ولكن على كل حال ما يزال هناك من يصدق أن القوم حافظون للعهود، وقادرون على تلبية نداء الحوار الوطني، وإشراك المعارضين في تنفيذ خريطة طريق طموحة نحو السلام، والديموقراطية، وإيقاف الحرب.
قضية تكذيب علي عثمان ونافع للترابي في ظل صمت السنوسي الساعي إلى إدماج حزبه مع الوطني، ينبغي أن ينظر إليها على ضوء طبيعة التفكير الإسلاموي القائم على التذاكي على الآخرين. فضلا عن ذلك فالإسلاميون غير مهتمين بأي محاسبة أمام الشعب لتنظيف سيرتهم أمام تهم الإجرام، والكذب، والفساد. فالشعب، مثلما يستبطنون، غير جدير بمحسابتهم، وأنهم فقط محاسبون أمام الله. ولهذا استعلى نافع والسنوسي يوما حين قالا إن التعذيب الذي أشرف عليه الأول في بيوت الاشباح هو لمرضاة الله، وحينما حاصر الصحفي الثاني بإمكانية إعلان الاعتذار لمن تعذبوا على أيدي الإسلاميين قال إنه كان اجتهادا: إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله الأجر.
فنحن في عرف الإسلاميين لسنا إلا مخبولين تنطوي علينا الحبكات الكاذبة، وينبغي أن نصدقها حتى لو استبانت. ثم إن هناك أدوات أخرى مثل القتل، والتعذيب، والتجويع، والتهجير، يمكن أن تكون متلازمة لهذا الكذب المؤسس فقهيا. ولقد ظللنا نتهم الإسلاميين بأنهم يودون فصل البلاد دون أن نتيقن أن نتاج كذبهم أضر بالملايين من أهل البلاد، والذين انفصلوا عنها بهذه الهجرات الكثيفة من الريف إلى المدن، ومن المدن الصغيرة إلى الكبيرة، ومن العاصمة إلى الخارج. فالجنوب انفصل بأهله إلى داخله. ولكن أهل الشمال انفصلوا عن السودان إلى خارجه. وما تزال ماكينة المؤتمر الوطني الإعلامية تكذب حتى يوم الناس هذا بأن التآمر الخارجي يستهدف فصل البلاد عن أجزائها!
إن هذا النوع من الإسلام الكذاب يجب الإسلام نفسه. إذ هو يجعل الإسلام الأول خيل سباق يرهقه الراكبون بغير هوادة للوصول إلى نهائي المصلحة الضيقة للشخص المنظم ضمن الجماعة الإسلاموية. ببساطة يوظف الإسلاميون الإسلام للإسلاميين أنفسهم فحسب، ثم لاحقا يوظفونه لكل من يسهم في استدامة استبدادهم. أما مساءل مثل الصدق، والعدل، والتسامح، وحسن المعاملة، فهي أمور لا تخصهم، وليست أولوية في بناء الدولة. فالترابي نفسه له حجة ضد تلاميذه على صدق موقفه من ما سموها المفاصلة. إذ قال إنه كان ينوي “بسط الحريات”بعد أن تمكنت حركته في الحكم وحاز على قلب المشهد السياسي. أي بعد أن صار هو الدولة، والمشرع، والقاضي، والمنفذ، والمالك لسلطة خلق الرأي العام. وربما من هذه الزاوية ظل يكذب على أهل السودان، ومن الطبيعي أن يتعلم تلامذته من كذبه الماكر ثم يغلبونه في مضمار الأفك. بل تعلموا منه الاحتيال السياسي، والديني معا، ولذلك يسهل عليهم الآن أن يجعلوه في قبره شيخ الكذابين. ولهذا لا يتوانى السنوسي الباحث عن كيكة جديدة عن الصمت بينما يخجل عن الدفاع عن شيخه، أو بالأحرى أقرب أصدقائه. ولكن يظل السؤال قائما: من هو الكذاب: السنوسي، أم الترابي، أم نافع، أم علي عثمان، أم علي الحاج؟