عيسى إبراهيم *

* في ختام مؤتمرها العاشر (تم تنظيمه في “رادس” العاصمة التونسية بين 20 و23 مايو 2016) أجازت حركة النهضة التونسية خيار “فصل السياسي عن الدعوي” حيث صادق المؤتمرون على الخيار الإستراتيجي و“لائحة فصل الدعوي عن السياسي”، وكان ذلك قد جاء ارهاصاً  مسبقاً في حوار للغنوشي مع مجلة لوموند الفرنسية يوم الخميس 19 مايو حين قال: أن الحركة سوف “تخرج من الإسلام السياسي” وأضاف أنَّ المؤتمر سيؤسس لـ “فصل الدعوي عن السياسي” وتحوَّل الحركة إلى “حزب مدني”. وفي تبرير ذلك قال الغنوشي: “نتحدث عن أن الحزب السياسي لا مصلحة له في أن يفرض وصايته على المجال الديني، والمجال الديني لا مصلحة له في أن يظل مرتبطا بالسياسة لأن للسياسة تقلباتها. نحن لا نريد وصاية لمجال على مجال أخر، وإنما نريد مجالات مستقلة تنظيمياً، ومستقلة في خططها وفي الشخصيات التي تديرها”، وأضاف “نريد أن يكون النشاط الديني مستقلاً تماماً عن النشاط السياسي, هذا أمر جيد للسياسيين لأنهم لن يكونوا مستقبلاً متهمين بتوظيف الدين لغايات سياسية. وهو جيدٌ أيضاً للدين حتى لا يكون رهين السياسة وموظفاً من قبل السياسيين ” (بابكر فيصل – حركة النهضة : وداعاً للإسلام السياسيالتغيير الالكترونية – 27 مايو 2016)..

* “التمايز بين الدعوي والسياسي ليس جديدا، وقد كان للإسلاميين في المغرب الأقصى سبق تنظيري معتبر، والتمييز قائم بين الدورين الدعوي والسياسي بالجزائر، وهو مطبق عمليا في الحالة الموريتانية، بل يكاد الموضوع يصبح حالة في طريقها للتحول إلى ظاهرة في إطار المرحلة الجديدة لتطور الحركة الإسلامية”، توضح اللائحة: “وبهذا المعنى لا يحول هذا الخيار الحركة إلى كيانين منفصلين وإنما هو تطور طبيعي نحو التخصص بين العمل الحزبي والعمل المجتمعي وفق ما يقتضيه القانون واختلاف طبيعة المجالين”. المصدر: (http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2016/5/29)

* في رأيي أن انتهاج النهضة هذه الوجهة – التي بررها الكاتب الخبير بشؤون الحركات الاسلاموية الأستاذ بابكر فيصل بأنها خصوصية نابعة من تأثر الحركة وسعيها للاستجابة لضغط معطيات الواقع الفكري والسياسي التونسي الذي يتميز على العديد من المجتمعات الأخرى. فمن الناحية الفكرية طغى على ذلك الواقع تراث “التنوير الديني” الذي أفرزه “جامع الزيتونة” على يد علماء مستنيرين كبار من أمثال الطاهر الحدَّاد و الطاهر بن عاشور وغيرهم (في رأيي أن “التنوير” قصاراه أن يعطي الناس مرونة وسماحة، فحسب، لكنه قطعاً لا يمكن أن يعطيهم تبريراً لفصل السياسي عن الدعوي باطمئنان)، كما ساد مجتمع سياسي ومدني قوي تأثر كثيراً بقيم “الحداثة الغربية”، (بابكر فيصل – المصدر السابق) – هذا الانتهاج للنهضة – في رأيي – هو محاولة لتأجيل المعركة الفاصلة بين السياسي والدعوي (إلى حين) حيث أنه من المفروغ منه وحسب معطيات المعضلة الفكرية التي بعيشها المسلمون اليوم (مدركون لأبعادها أو غير مدركين) وعدم قدرتهم على المواءمة بين التراث – المتمثل في راهن الشريعة الاسلامية التي عالجت مشكلات الانسان في القرن السابع الميلادي – والمعاصرة في القرنين المتداخلين، خواتيم القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، التي فاقمت الشقة بين العهدين المذكورين عهد نزول الشريعة والعهد الحالي حيث لا قياس معقول بين العهدين من حيث حجم وأبعاد المشاكل والتحديات المجابهة ومن حيث سبل العلاج المطلوب!.

* لم تفدنا كتابات من كتبوا عن وجهة النهضة الجديدة حين ارتضت الديمقراطية – حسب بابكر فيصل، مصدر سابق –  يقول بابكر عن رجل النهضة الغنوشي: “بل أنَّ تجربة المنفى التي قاربت العشر سنوات في بريطانيا منحت الغنوشي فرصة نادرة لمعايشة الثقافة الغربية والمجتمعات الديموقراطية بما تمتاز به من حرية وتنوع وقبول للآخر المختلف”، ولكننا لا نستطيع أن نتعرف – من ما أورده الكاتب بابكر فيصل – كيف حسم الرجل أمر انتقاله إلى نهج الديمقراطية مع وجود شعيرة الشورى؟!..

* الأمثل عندي أن يجمع الانسان بين السياسي والدعوي في بوتقة فكرية واحدة بلا انفصام، بل في مصالحة تامة بين النهجين المتباينين من حيث الظاهر!، وقد يتساءل القارئ: ولكن كيف؟، وهو محق، لا شك أن التساؤل مبرر في زمن لم تظهر فيه مجهودات ومقاربات الأستاذ محمود محمد طه الفذة بين التراث والمعاصرة، أما الآن وقد انتشرت أفكار الرجل وعمت حتى تونس وغزت جامعاتها وجامعات جاراتها في الجزائر والمغرب بفضل مجهودات الكاتب والمؤرخ الأستاذ عبدالله الفكي البشير بكتابه الموسوم “صاحب الفهم الجديد للاسلام…محمود محمد طه والمثقفون –  قراءة في المواقف وتزوير التاريخ –  دار رؤية للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى 2013 – القاهرة”، وبمشاركاته الفعلية في تونس، في أروقة جامعاتها، فمن الأفضل للمعاصرين الالمام بما هو حادث من مساهمة للأستاذ محمود والمرور من خلالها موافقة أو اختلافاً!، وفي كلتاهما فائدة في اثراء المعرفة وزيادتها..

* تظهر مقاربات الأستاذ محمود محمد طه، اول ما تظهر، في قوله أن النسخ في القرآن الكريم ارجاء وليس الغاء، ارجاء يتوقت الوقت ويتحين الحين، وقد جاء الوقت (كما بين) لنسخ المحكم الذي عالج مشاكل الناس في القرن السابع الميلادي، وحان الوقت لاحكام المنسوخ الذي يعالج مشاكل إنسان القرن العشرين وما بعده، في ما دعا له من قول بـ”الرسالة الثانية من الاسلام” التي هي تكليف النبي (صلى الله عليه وسلم) حسب وسعه الذي هو أكبر من وسع الصحابة، حيث بين المساويات الثلاثة؛ في السياسة بالانتقال من الشورى آية الفرع “فبما رحمة من الله لنت لهم…” إلى الديمقراطية آية الأصل “فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر…”، وفي الاقتصاد بالانتقال من الرأسمالية الملطفة في آية الفرع “خذ من أموالهم صدقة…” إلى الاشتراكية في آية الأصل “…ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو”، وفي الاجتماع من عدم المساواة بين المسلم والمسلمة إلى المساواة بينهما أمام القانون، وبين المسلم والمغاير ديناً (مسلم – ذمي)، من عدم المساواة إلى المساواة في المواطنة، (راجع كتاب الرسالة الثانية من الاسلام من على موقع الفكرة الجمهورية  www.alfikra.org

* لقد ضرب البروفسير عبدالله النعيم – وهو أحد تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه وهو أستاذ كرسي القانون بجامعة إيموري بأطلانطا بالولايات المتحدة الأمريكية – ضرب المثل الحي بما نعنيه من جمع بين السياسي والدعوي في شخص واحد، فقد أورد في كتابه “الاسلام وعلمانية الدولة – الطبعة الأولى 2009 –  دار ميريت – القاهرة ” كيفية حل الاشكالية القائمة بين التراث والمعاصرة وعالج قضايا “الدولة والحكومة والتشريع” حيث فصل بين الدولة والدين (والعلاقة بين الدين والمجتمع قائمة) باعتبار الدولة جهازاً خدمياً يقدم خدماته لجميع المواطنين على قدم المساواة، وذلك بوقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع الآيدلوجيات والعقائد والاتجاهات، بحيث لا يحجب المواطن اتجاهه الفكري أو العقائدي من الحصول على استحقاقاته الخدمية في الأكل والشرب والأمن والصحة والحرية والحياة، وفي أمر الحكومة التي هي “المسيطر الزمني على مقاليد الدولة” نادى بضرورة اقامة التشاريع التي تمنع السلطة الزمنية (الحكومة المؤدلجة) من الانحراف بوظيفة الدولة، وتجييرها لصالحها، وأن يكون تجويد ذلك وتمتينه مستمراً وبلا نهاية، أما في مجال التشريع فقد أقام الصلة بين “السياسة والدين” شريطة أن يتم التشريع والغلبة بالمنطق المدني – لا الديني – باعتباره موحدا بين الناس، واستبعاد المنطق الديني الذي يفرق بين الناس، كما يتيح التشريع بهذه الكيفية أن يكون الناس في حل من أي تشريع قائم بحيث يمكن تعديله أو الغاؤه او تغييره بما هو أكمل منه بلا قدسية للقانون تحول دون تلك الترتيبات وانفاذها!..

 

* eisay@hotmail.com