الباقر العفيف

كتبت مقالا من قبل عنوانه “حكم الإنغاز والصحافة بالغلط” شرحت فيه ما أقصده بكلمة “الإنغاز” قلت فيه أن السودانيين ينطقون كلمة الإنقاذ بالغين والزاي٬ فيقولون حكومة “الإنغاز”. وقلت كأن أهل السودان استنبطوها من المصدر اللغوي (نغَزَ) حيث جاء في معاجم اللغة “نغَزَ يَنغَز نَغْزًا، فهو ناغز، والمفعول مَنْغوز”. فقولك “نغَز بين القوم” أي حرّك بينهم العداوات وأغرى بعضَهم ببعض. ويقال عن الجارة السيئة أنها تنغز بين جيرانها٬ أي تثير بينهم الفتن. ويقال أيضا “نغَز الشّخصَ أي اغتابه وقال فيه شرًّا. ونغَزه بسكِّين أي طعنه بها طعنة غير نافذة”. وكذلك قلت أن هذه المعاني من الأفعال التي برعت فيها حكومة “الإنغاز” وحققت فيها قصب السبق.

 

أما مقال اليوم فأتناول فيه نظام العدالة أو بالأحرى نظام تغييب العدالة في هذا العهد المنغز٬ وذلك من خلال استعراض محنة معتقلي تراكس. فاليوم الأحد ٧ أغسطس يوافق اليوم السادس والسبعين لحبس كل من خلف الله العفيف ومصطفى آدم ومدحت عفيف الدين على ذمة التحقيق بعد مداهمة مركز تراكس بواسطة قوة من جهاز الأمن والمخابرات الوطني يوم ٢٩ فبراير ٢٠١٦. وبعد استدعاءات وتحقيقات مع ثمانية موقوفين (هم موظفون ومتعاونون وزوار) استمرت شهرا كاملا عمد خلاله رجال الأمن ونساؤه تعذيب الموقوفين جسديا ونفسيا٬ أودعوا يوم ٢٢ مايو زنزانة صغيرة بمباني نيابة أمن الدولة لا تتجاوز ال ١٦ متر مربع كانت تضم ١٩ شخصا آخر فارتفع العدد ل ٢٥ محبوسا. ويمكنكم تصور الحال المزري والوضع الإنساني البائس لهذا العدد الكبير من المحبوسين في صيف الخرطوم القائظ وانعدام التهوية والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي.

المعتقلون

 

وفي الفترة ما بين أول يونيو وآخره أُطلِق سراح خمسة منهم بالضمان الشخصي وبقي الثلاثة المشار لهم أعلاه ليوم الناس هذا دون توجيه تهم ضدهم٬ ومن ثم تحويلهم للمحكمة٬ أو قبول إطلاق سراحهم بالضمان الشخصي لحين اكتمال التحريات.

أما المسوغ القانوني لحبسهم كل هذه الفترة الطويلة هو أن التحريات لم تكتمل بعد. أما لماذا لا يُطلَق سراحُهم بالضمان الشخصي فيجيبون بأن التهم التي يجري إعدادها ضدهم بها مواد تصل عقوبتها للإعدام. وهكذا سيظل هؤلاء الثلاثة في هذا الوضع القاسي لحين “السَّداد” والسَّداد هنا هو “إكتمال التحريات” واستلام نتيجة فحص الأجهزة من المعامل الجنائية. ويبدو أن وكيل أول نيابة أمن الدولة السيد معتصم محمود يبذل جهدا مقدرا على ألا تكتمل “التحريات” في القريب العاجل. ومن الواضح أن في جهاز الأمن من يحرص على أن يبقى خلف الله ومصطفى ومدحت أطول فترة ممكنة قبل أن يحالوا للمحاكمة حتى إذا برأتهم المحكمة يكونوا قد قضوا أشهرا في السجن “سَمْبَلَة ساكت” أي دون جريرة ارتكبوها ودون حكم قضائي. وبطبيعة الحال ليس في بلادنا مؤسسات أو أجهزة لرد المظالم وجبر الضرر يمكن بواسطتها محاسبة أجهزة تنفيذ القانون على تجاوز القانون كمثل هذا الحبس الظالم وما ترتب عليه من الألم الجسدي والنفسي الذي ظل يكابده المحبوسون وعلى الوقت الضائع والمصالح المهدرة والخسائر المادية والنفسية الفادحة التي تكبدوها هم وتكبدها معهم أهلوهم وذووهم. فكيف ولماذا حدث هذا؟

 

الإجابة المباشرة على هذا السؤال هي: حدث هذا لأن هؤلاء الشرفاء الثلاثة ينتمون لفئة “الضعيف” الواردة في الحديث النبوي “إنما أهلك الذين قبلكم أنهم إذا سرق فيهم “الشريف” تركوه وإذا سرق فيهم “الضعيف” أقاموا عليه الحد”. فهؤلاء الثلاثة ليسوا من “شرفاء” زمن “الإنغاز” إذ ليس فيهم إبن وزيرة حتى تجيئ ومعها أحد زملاء السيد معتصم في منتصف الليل لإطلاق سراحه حتى لا يبيت الولد “الشريف” في الحراسة. وليس بينهم نائب رئيس الحزب الحاكم في ولاية الخرطوم حتى يجيئ وزير العدل بنفسه “ليحنسه” ليخرج من الحبس الذي لا يليق بهذا “الشريف”. هؤلاء هم “أشراف الإنغاز” وشتان ما بين سبب حبس الشرفاء الثلاثة وحبس “أشراف” الإنغاز. وشتان ما بين معروضات أؤلئك ومعروضات هؤلاء.  إن الجريمة التي يريد السيد معتصم إثباتها  ضد خلف الله ومصطفى ومدحت هي قطعا ليست المتاجرة في المخدرات ولا اختلاس أموال الدولة.. بل هي العمل على تدريب الشباب السوداني٬ الذي جردته “الإنغاز” من أبسط فرص التدريب والتوعية٬ بعض المهارات والخبرات٬ بدليل أن المعروضات التي يتنوي تقديمها للمحكمة تتضمن دليلا لتدريب المدافعين عن حقوق الانسان٬ وبعض التقارير عن حالة حقوق الانسان في السودان مُحمَّلة من الانترنت يبدو أن أحد المحبوسين قُبِض “متلبسا بحيازتها”. وهذا ما يؤهلهم لأن تُوَجَّه لهم تُهَم تصل عقوبة بعضها للإعدام ما يقتضي حرمانهم من الضمانة الشخصية. فهذه المعروضات في نظر معتصم وقبيله أشد خطورة على الشباب من معروضات إبن الوزيرة. فبالله عليكم هل هذا نظام للعدالة أم نظام للظلم؟ ستة وسبعون يوما من النوم جلوسا في حيز لا يتجاوز المتر المربع وعلى بساط قذر في حر وعرق وانعدام للتهوية وحرمان من أبسط الحقوق مثل الذهاب للحمام ليلا. فلماذا هذا الظلم؟ وما هذا التشفي؟ أين درس السيد معتصم ورفاقه القانون؟ وأين تشربوا أسس العدالة؟ ألا يرون هذا الظلم الفادح؟ أليست لهم ضمائر تؤرقهم؟  فإن هم اطمأنوا من أن يد العدالة سوف لن تنالهم في هذه الدنيا٬ ألا يخشون حساب الآخرة؟ إن ما يطالب به المحبوسون عبر محاميهم أمر بسيط للغاية ألا وهو الإسراع بتقديمهم للمحاكمة أو إطلاق سراحهم بالضمان. فلماذا لا يُستجَاب لهذا الطلب البسيط؟ ولماذا لا يحظى المحبوسون بإحدى هاتين الخصلتين؟ ولماذا الإصرار على الاستمرار في تعذيبهم بهذه الطريقة الإنتقامية؟ الإجابة واضحة. إنه نظام العدالة بالغلط الذي أنشأته “الإنغاز” والذي يتحكم فيه من وصفهم الأستاذ محمود محمد طه بعباراته التي سارت بها الركبان من أنهم “غير مؤهلين فنيا. وسقطوا أخلاقيا عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب … والتنكيل بالمعارضين السياسيين”. ما أصدقك يا إمام المظلومين.