خالد فضل

 ثمّة خطأ ما يجلل حياتنا العامة في السودان على وجه التحديد , سيطرة جماعة المتأسلمين على مقاليد السلطة والثروة وهيمنتهم على الفضاء الوطني لكل هذه الفترة ليس بالأمر اليسير , كما أنّ نجاحهم الواضح في جرّ كل المجتمع السوداني تقريبا إلى درجة أو أخرى من درجات انحطاطهم الشامل يؤشر هو الآخر إلى وجه من وجوه الأزمة الماحقة , والمحنة الوطنية التي آلت إليها الأوضاع .

  نظرة عجلى لما يحيط بحياة  غالبية السودانيين  تثير الأسى الحقيقي , فالموارد الهائلة التي تعجّ بها أرض السودان من أقصاها لأقصاها , والثروات الكامنة في جوف أراضيه لا تحتاج إلى كثير جهد للإستفادة منها , من الغرائب أنّ هنالك مزارع لتربية العقارب لتصديرها مجففة إلى بلد آسيوي حسب ما أُذيع قبل اسبوع عشية الكشف عن شحنة من العقارب الميّتة ومجففة تزن 200 ك معبأة في كراتين عبر مطار الخرطوم , بالنسبة لي كان هذا الخبر مثيرا لكونه يؤشر إلى أنّ خيرات السودان القابلة للتصدير وبالتالي فرصة زيادة العملات الحُرّة قد زادت عنصرا لم يكن في الحسبان . أمّا الثراء الإنساني من حيث التعددية العرقية والثقافية والدينية فمما لا يحتاج إلى فانوس لإضاءته , ومع ذلك يظل الخطأ ماثلا وساطعا , ويزداد مع كل صباح جديد , الفشل أصبح هو العلامة المميّزة في كلّ أوجه الحياة تقريبا , هنالك ما يشبه التطبيع معه , لدرجة توقع الفشل في أي خطوة في الحياة العامة .

  مؤتمرات الحوار الوطني التي عُقدتْ منذ نحو ربع القرن ماذا كانت نتائجها ؟ نظرة عجلى تكفي , فحوار قضايا الحكم والسلام أنجب تطورا نوعيا ومكانيا في سياق الحرب الأهلية في الجنوب السابق , تحولت حرب السياسة وتمرد المظالم إلى جهاد واستشهاد وجنان وبنات حور وغلمان مخلدون , وتحولت الأحزاب إلى كناتين باسم النور جادين للأمة والشريف زين عابدين(عليه الرحمة) للإتحادي الديمقراطي . والحوار الإقتصادي أثمر فقرا وجوعا وغلاء طاحنا وانهيار إقتصادي شامل شمل العملة المحلية التي صار الدولار يساوي 1500جنيها منها .  وانهيار قطاعات الإنتاج وتدمير المشروعات الكبرى كمشروع الجزيرة ,وكان من ضمن توصيات ذاك الحوار تلك التوصية البديعة بالإستفادة من الجن لملء خزائن السلطة بالمال , وبالفعل وافق رئيس الجمهورية (صاحب فنيلة ميسي , ورمز كرامة إفريقيا ) حاليا , على تكوين لجنة للنظر في تنفيذ ذاك المقترح الجنوني . ومؤتمر حوار الدبلوماسية وصل بعلاقات السودان إلى صدور مئات القرارات الإقليمية والدولية بإدانات لم تنلها دولة في العالم , ووصلت حدّ القطيعة والعزلة في المحيط الإقليمي والدولي بما ليس ليس له نظير الاّ جنوب إفريقيا في أخريات حقبة التفرقة العنصرية والتمييز العرقي . وصار ودّ أمريكا مما يُجنّد له الفقرا , وبوابة الخليج عبر (شيخ الأمين) والإرتزاق بزجّ الجنود السودانيين في حروبات آل سعود . وكذا مؤتمر النقابات الذي تحوّلت بموجب توصياته النقابة من مهمة الدفاع عن حقوق منتسبيها من المهنيين إلى تابع ذليل لجهاز الأمن تراقب هذا وتعاكس ذاك وتفصل المناوئين وتدافع عن كل القرارات التي تهدر حقوق العاملين . وغيرها من محن الزمن السوداني المطبّع بالفساد والإفساد , حتى بلغت معدلات الهجرة أوجها , وباتت محيطات العالم وبحاره تبتلع الفارين من السودانيين من طالبي اللجؤ .

  ثمّ وزمن الفشل دائري , حتى لحظات الأمل تنقشع سريعا , فقد رحل د. جون قرنق بعد ثلاثة أسابيع فقط من سريان إتفاقية نيفاشا التي مهما قيل فيها وعنها من نواقص تعتبر أفضل هندسة سياسية تمّ انتاجها وسط ركام الفشل المتواصل , لقد فتحت نفاجا للتغيير وبابا للأمل , وبموت قرنق عاود الفشل مجراه الطبيعي كما السيل في جهات المرابيع وشرق النيل بالخرطوم , وحتى نسمة الأمل والتغيير التي هبّتْ مع برنامج ياسر عرمان لرئاسة الجمهورية ورفاقه في الولايات سرعان مع عبرت إلى فيافي الفشل الموحشة وصحاريه القاحلة فانطفأت بارقة الأمل , واشتعلت الحرب الضروس في جبال النوبة والنيل الأزرق لتواصل عزف النشيج الدامي في دارفور ولتصبح حالة الحرب وعدم الإستقرار طبيعة والاستثناء صمت الرصاص , ولتبدأ جولات التفاوض الفاشلة , تارة عمر البشير يمزّق بنزق شديد ورقة نافع /عقّار , ومرّة أخرى ذات (صاحب ميسي) يحرق جهود وساطة مبيكي بلاءات مغلّظة فحواها ألا فكاك من درب الآلام , ولا طريق غير الدموع .

  يجتمع غدا أو بعده السادة في قوى تحالف المعارضة السودانية أو بعضهم للدقّة , أحزابا وحركات سياسية مسلّحة للتوقيع على آخر وريقات السيد مبيكي المعروفة خارطة الطريق , والحوار الدائري المستمر منذ مطلع التسعينات تتجدد نسخته مزيدة هذه المرّة بلافتات قيل إنّها ل80حزبا وبضع وعشرين حركة مسلّحة , لتنضاف للقائمة مجموعة نداء السودان ليصبح الحوار شاملا , وقد أوصى السابقون ب900 توصية حسبما قيل , وأشار الإمام الصادق إلى أنّ المؤتمرين في حوار الوثبة قد طرحوا 90%من مطالب حلفه المعارض لذلك لا بأس من اللحاق به لطرح ما تبقى من ال10%,  وبينا ذات الألقاب والدعايات منذ التسعينات تدور , يتحول الجيش إلى مليشيا الجنجويد , والأمن إلى دولة بلا حدود , ويدور صراع لمصالح والمناصب والامتيازات في حرب مكشوفة بين أفراد عصابات التمكين , يهدأ صراع أب شنب واليسع فيشب صراع حاتم وعبدالماجد , ولم ينته بعد صراع الأوقاف , وهيئة الحج والعمرة ,وأموال البترول , ويتناسل من صراع المصالح والاستحواز صراع الأشخاص والعشائر والقبائل , والفشل ينمو بوتائر متصاعدة , وحتى على جبهة المعارضة , يوقّع الصادق ومبارك يناور ويداور ويحوم حول السلطة , يوقّع عرمان وحملات التشهير تسبقه عبر الوسائط والانقسامات تخنق حركة عقّار , وتستثمر عصابة التمكين في كل ذلك , فتحيل التفاوض إلى مرجعية المنطقتين مع الحركة الشعبية , ودارفور مع جبريل ومناوي , المحظور هو الحوار الشامل الكامل بمستحقاته وهدفه المرسوم , المطلوب تدوير الفشل لسنة أو سنوات قادمات , والجمهور السوداني في غالبه يلهث من البيّاح إلى آخر الليالي لهاثا وراء لقمة كسرة صارت بعيدة وصعبة المنال , ومع تواتر صعوبتها , صارت الطرق إليها لا تسير في خطوط مستقيمة , بل كما سكّة الفشل دائرية , وفي هذه الدوامة ما السبيل ؟