نبيل أديب

يقود المحامي النابه عثمان العاقب حملة قوية تطالب بأن توقع عقوبة الإعدام في ميدان عام على من تتم إدانته بإغتصاب طفل. مغتصبو الأطفال أصلاً يعاقبهم القانون، كما هو الآن، بالإعدام، ولكن ما يدعو له أستاذنا النابه هو أن تتم تنفيذ العقوبة علناَ وفي حضور من يرغب في ذلك. ويبدو أن السبب في ذلك هو الإعتقاد بأن التنفيذ العلني يوقع الرهبة في نفس الجناة المحتملين مما يردعهم عن التخطيط لجريمتهم بعد أن يشاهدوا ما تم لمن سبقهم في تنفيذ هذه الفعلة النكراء. وهذه الحملة تواجهها مجموعة من الإعتراضات بعضها ضد الإعدام كعقوبة، وبعضها ضد التنفيذ العلني لهذه العقوبة.  سيقتصر تناولنا اليوم للمسألة من زاوية واحدة فقط وهي أن العدالة الجنائية كأي نظام بشري ليس كاملاُ وبالتالي فإن الخطأ في الأحكام مسألة لا يمكن تبرئة القضاء منها، القاعدة فى القانون الجنائى هو أنه((خير للمجتمع أن يفلت مائة مجرم من العقاب من أن يعاقب برئ واحد)) لذلك فإنه يفترض فى الناس البراءة، ويتطلب للإدانة أن تثبت التهمة بما لا يدع مجال لشك معقول، ورغم كل هذه المحاذير فإن الخطأ يلحق بعمل  الأجهزة العدلية،وكثيراً ما يؤدى ذلك لأن يتعرض شخص ما لعقوبة، دون أن يكون قد إرتكب جرماً ،مما يرقى لإهدار للعدالة وإجهاضها Miscarriage of Justice   . وذلك ما دفع الأنظمة الجنائية المختلفة بالسماح بإعادة نظر الدعاوي، في ظروف خاصة، التي صدرت فيها أحكام نهائية، ثم تبين لاحقاً أن الإجراءات  قد شابتها أخطاء جوهرية أدت إلى خطأ في الحكم، تسبب في إجهاض العدالة. وفي هذه الحالة فإنه يسمح للمحكمة إعادة سماع الدعوى بشكل إستثنائي، وإصدار حكم جديد فيها يتفادى الخطأ، بإلغاء العقوبة وتعويض الضحية بشكل يخفف من آثار ما لحقه من أضرار نتيجة خضوعه للعقاب دون ذنب جناه. عقوبة الإعدام هي عقوبة ليس في الإمكان العودة عنها أو تخفيف آثارها بعد تنفيذها، مما يجعل اللجوء إليها في نظام لا يمكن تحصينه ضد الخطأ مسألة يحسن تفاديها.

الحقيقة المادية والحقيقة القانونية

هنالك فرق في القانون بين إرتكاب الجريمة كحقيقة مادية، وبين إرتكاب الجريمة كحقيقة قانونية. إرتكاب الجريمة كحقيقة مادية لا يمكن للقاضي الإحاطة بها بل ولا يجوز له ذلك. كل ما تختص المحاكم بنظره والعقاب عليه هو إرتكاب الجريمة كحقيقة قانونية، وهو ما يثبت وقوعه لدى محكمة مختصة وفقاً للبينة المقبولة قانوناً .

 إذا رأى القاضي اثناء سيره في الطريق شخص يطلق النار علي أَخر فيرديه قتيلا، فإن تلك الواقعة تدخل في علم القاضي الشخصي، ولكنها لا تدخل في علمه القانوني. كل ما تفعله تلك الواقعة هي أن تحوله بالنسبة لها، من قاض الي شاهد، بحيث يمتنع  عليه أن يجلس كقاضي في محاكمة من رآه يرتكب الفعل، ولكن يتوجب عليه أن يحضر كشاهد عادي في تلك المحكمة للإدلاء بشهادته. وشهادة القاضي في هذه الحالة تخصع لتقييم القاضي الذي ينظر الدعوى من حيث الوزن والقيمة والمقبولية. وحتى حين تاتي المعلومات للقاضي في إطار عمله كقاضي، ولكن خارج إجراءات المحكمة، فإنها تظل خارج علمه القضائي. والحالة الأظهر في هذا الخصوص هي حالة تسجيل الإعتراف القضائي، عندما يمثل أمامه متهما ليسجل إعترافا بإرتكابه فعلا في أثناء التحري في جريمة معينة، فإن علي القاضي أن يسجل ما يقوله له  المتهم بعد أن يتاكد من أنه يدلي بإقواله بإرادته الحرة. ولكن ذلك لا يؤهله لأن يحكم عليه بما سمع،  بل يصبح ذلك الإعتراف، جزء من البينة التي تقدم في محاكمة المتهم التي ينظرها ويقيمها قاضي آخر.

من جهة أخرى فليس كل ما أحاط به الشهود يمكن الإدلاء به ويدخل بالتالي إلى العلم القضائي للقاضي.  وهذا يعكس جانب اَخر من المسألة فمعيار قبول ما يدلي به الشاهد  ليس صحته بل مقبوليته في القانون، والمقبولية تخضع لمعايير مختلفة، منها الوسيلة التي حصل بها الشاهد على المعلومة التي سيدلي بها. ويكفي هنا أن نقول أنه هنالك كثير من القواعد تمنع سماع شهادة شاهد، أو جزئية من تلك الشهادة، يقوم المحامي عادة بالمطالبة بتطبيقها لصالح موكله. ربما هذا ما دفع أحد الشهود للإعتراض قائلا ” سيدي القاضي لقد أمرتني أن أقسم بأن أقول الحق، كل الحق، ولا شئ غير الحق. ولكن كلما أحاول أن أفعل ذلك يعترض أحد المحامين علي ما أقول” 

 

فخ العسل

لا تقتصر اخطاء العدالة الجنائية على الأحكام القضائية بل كثيراً ما يوقع بعض الناس حظهم العاثر في براثن الإجراءات الجنائية بسبب أخطاء تقع فيها الأجهزة المساعدة. الشرطة هى أول من يتولى البحث عن الحقيقة القانونية في الدعوى الجنائية من أجهزة العدالة الجنائية. وهي تفعل ذلك مستخدمة ما يسمح به القانون من وسائل. و قد يقودها حماسها الزائد للكشف عن الجاني خاصة حين تكشف الجريمة عن وحشية زائدة إلى إستخدامها لوسائل غير مقبولة فى التحرى، لا تؤدي للتوصل للحقيقة القانونية. من قبيل ذلك، ما تم في الدعوى ضد ستاج ، في إنجلترا ،والتي تتلخص وقائعها في أن المجني عليها والتي كانت تسير بصحبة طفلها البالغ من العمر عامين، في منتزه ويمبلدون بجنوب غرب لندن، حين تعرضت لإعتداء وحشي، حيث تم إغتصابها وقتلها بعد أن طعنت 49 مرة. وقد تم العثور على جثتها بواسطة أحد المارة، والذي وجد طفلها يبكى فوق جثتها وهو يناشدها القيام . أثارت هذه القصة، والتي وجدت إهتماماً من الصحافة، حنق الرأي العام على القاتل، ومطالبة عامة للشرطة بأن تسرع فى التوصل للجانى. وقد تركزت شبهات الشرطة حول كولين ستاج، وهو رجل عاطل من العمل كان معتاداً على أن ينزه كلبه في تلك المنطقة، ولكن لم تتمكن الشرطة من الحصول على بينة تقود لإدانته بإرتكابه للجريمة. عندما قام بول بيريتون وهو خبير متخصص فى علم النفس الجنائي برسم ملامح شخصية الجاني من واقع الجريمة، قررت الشرطة فى عجلة واضحة أنها تنطبق على ستاج ، وطلبوا من بريتون أن يضع خطة للإيقاع به مما يعرفه عن شخصيته. وقد تم وضع خطة ماكرة  بإستخدام شرطيه تدعى ليزي جيمس، فيما عرف فيما بعد بفخ العسل Honey trap، وهو التعبير الذي أطلقه القاضي على تلك الخطة . قامت الشرطية بالتعرف على ستاج، عن طريق إعلان في الصحافة متخصص في البحث عن علاقات غرامية، وحاولت إستدراجه للإعتراف، عن طريق إستثارة خيالات جنسية عنيفة لديه، وقد سايرها بغرض الإستمرار في العلاقة، بأن تخيل مشاهد جنسية عنيفة زعم أنه قام بها ليشبع رغبتها حسبما كانت تدعيه عن نفسها، ولكن حين حاولت إستدراجه بطريق مباشر للإعتراف بقتله للمجني عليها، بدعوى أن ذلك سيزيد من تعلقها به، رفض وكتب لها “أنا متأسف أن أخيب أملك ولكنى لم أفعل ذلك” تم القبض على المتهم، وتم نقل عدد من تلك الخيالات المريضة في الصحف، مما خلق لدى العامة شعور بصحة الإتهام، ولكن القاضي شطب الإتهام، و ذكر في حكمه أن الشرطة أبدت حماساً زائداً، أدى بها إلى سلوك مخادع لدرجة بعيدة وغير مقبولة. رغم أن استاج لم يتعرض لعقوبة قانونية إلا أن مجرد إتهامه بهذه الجريمة قد قاده إلى البقاء رهن الإحتجاز في الحراسة لمدة طويلة بسبب خطورة الإتهام الذي يواجهه. رفع استاج دعوى ضد الشرطة مطالباً بالتعويض عن الفترة الطويلة التى قضاها بالحراسة تمت تسويتها بمبلغ 3 مليون جنية إسترلينياً .

الأخطاء فى الأحكام القضائبة

 

ولكن الأخطاء لا تنتهى لدى الشرطة ،فالقاضي بشر، ومهما أوتي من العلم فهو لا يعلم إلا قليلا.  القاضي كما أسلفنا لا يحكم بعلمه الشخصي، بل بالبينة التي يقدمها له الخصوم، والتي قد تقوده إلى الخطأ. وحتى يقلل القانون من نسبة الخطأ فإنه نص على الحق في الإستئناف، وجعل المحاكم درجات، ولكن ذلك نفسه قد يعرض المتهمون لعقوبات خاطئة، فى مرحلة الحكم الإبتدائى، والذي يكون إحتمال الخطأ فيه أكبر، لقلة علم القاضي فى تلك الدرجة مقارنة بعلم القضاة في المحاكم الأعلى، ولما كانت الأحكام فورية النفاذ، فذلك قد يؤدى إلى بقاء المحكوم ضده في السجن حتى يصحح خطأ القاضي الأول. و المحاكم العليا نفسها ليست منزهة عن الخطأ، فقد تدين المتهم وتوقع عليه عقوبة دون أن يكون قد إرتكب الفعل الذي أدين بإرتكابه. والأسباب في ذلك قد تتصل بالبينة المقدمة للمحكمة، فقد يكون هنالك خطأ في التعرف على المتهم، حين لا تكون هنالك سابق معرفة بين الجاني والضحية، وهذا الخطأ قد يقع فيه الشهود أو ضحايا الجريمة أو الخبراء، وقد تكون نتيجة لإختلاق اليبنة، وكثيراً ما يحدث ذلك فى الدعاوى ذات الصبغة السياسية.

إختلاق البينة

في عام 1975م وقع إنفجار في حانة في جيلفورد، أدى لوفاة خمسة أشخاص وجرح ما يزيد عن ستين شخص، من مرتادي الحانة، وهو إنفجار من فعل الجيش الجمهوري الإيرلندي، وقد تم القبض على أربعة أشخاص وحوكموا وأدينوا فيما عرف بقضية أربعة جيلفورد، وتمت محاكمتهم بالسجن المؤبد وهي عقوبة وجوبية، وقد ذكر القاضي، بسبب عنصر الغدر فى الجريمة، وجسامة الضررالتى أحثته، أنه يشعر بالأسف لأن المتهمين لم يقدموا بتهمة الخيانة والتي تحمل عقوبة الإعدام . وقد ظهرت أول بادرة تشير لبراءة المحكوم عليهم،في أثناء محاكمة متهمين آخرين من أعضاء الجيش الجمهوري،في قضية عصابة شارع بالكومب، حين طلب المتهمون من المحامين ((أن يلفتوا النظر لأن أربعة أبرياء يقضون عقوبة طويلة في مقابل فعل لا صلة لهم به)) .ولكنهم لم يعترفوا صراحةً  بإرتكاب تلك الجريمة. إلا أن إعادة التحقيق فى الجريمة أثبت براءة من إتهموا بإرتكايها، وقد تمت إعادة التحقيق في المحاكمة في عام 1989م عندما وجد أحد الضباط أثناء مراجعته لأوراق الدعوى، ما يثبت أن المتحري قد عبث بمحضر إستجوابه للمتهمين، وغير فيه. نتيجة لذلك الإكتشاف الخطير منح رئيس القضاء للمحكوم عليهم، الحق في تقديم إستئناف خارج الإطار الزمني، حيث قررت المحكمة أن الشرطة قد إختلقت البينة الرئيسية ضد المتهمين، وأمرت بإطلاق سراحهم. ولو كان تم بالفعل إتهامهم بالخيانة حسبما جاء في حيثيات العقوبة التي وقعها القاضي لما حال بينه وبين الحكم عليهم بالإعدام شيئاً ولما كانت هنالك أي فرصة لإصلاح ذلك الخطأ عند إكتشافه.

 

التطور العلمى وأخطاء العدالة

 ومن أهم أسباب الكشف عن أخطاء المحاكم التوصل لمعلومات علمية لم تكن متاحة وقت المحاكمة، مثل التوصل للكشف عن خصائص ال DNA أو الحامض النووي، والذى أدى لإثبات براءة العديد من المتهمين بعد مرور زمن طويل على الحكم ضدهم.

ففي قضية شهيرة في أمريكا إتهم فيها المدعو كيرك بلدزورث بإغتصاب وقتل طفلة، إعتماداً على بينات شهود خمس شهدوا بأنهم رأوه مع الضحية، أو في مكان وقوع الجريمة، في الوقت الذي يعتقد أن الجريمة إرتكبت فيها، تم الحكم علي بلدزورث بالإعدام عام 1984م ، ولكن محكمة الإستئناف أمرت بإعادة المحاكمة ،لأن الإتهام أخفى عن الدفاع بينات مهمة،وهو ما أنقذ حياة المتهم، وإن كانت إعادة المحاكمة أسفرت عن إدانته مرة أخرى وحوكم بالسجن المؤبد، وفي عام 1993 نجح المتهم فى الحصول على أمر بمقارنة الحامض النووي الخاص به،مع الحامض النووي للدم الذي تركه الجاني وهو أمر لم يكن متاحاً فى زمن المحاكمة، حيث ثبت الإختلاف بينهما، مما يثبت براءة بلدزورث ولما لم يكن القانون بتيح مراجعة الأحكام بعد كل ذلك الوقت، فقد قام حاكم ولاية مريلاند بإصدار عفو شامل عنه. ولعله من سخرية القدرأنه قد ثبت بعد ذلك أن المدعو رافنر، والذى كان بلدزورث قد تعرف عليه فى السجن، وقص عليه قصته عدة مرات دون أن يعلق يشئ ،هو القاتل الحقيقى.

وفى كندا إتهم ديفيد ميلقارد عام 1969 والذى كان يبلغ السادسة عشر من العمر، بقتل ممرضة في الثانية والعشرين من عمرها، بعد إغتصابها، وقد تمت إدانته وحوكم بالسجن المؤبد ،وبعد أن رفض طلبه بالعفو عنه عام 1979م بسبب تمسكه ببراءته بدأت والدته جويس ميلقارد في التنقيب في الأدلة، حيث إتضح لها أن الشرطة قد قامت بإجراءات غير صحيحة، وأن هنالك بينات مختلقة قدمت في المحكمة ،وأخفى عنها بينات جوهرية ، مثل تواجد المدعو فيشر، والذي كان قد أدين في سلسلة من جرائم التعدي الجنسي،بقرب مسرح الجريمة ، بالإضافة لأدلة أخرى تربطه بالجريمة ،تم الإفراج عن ميلقارد في عام 1992م ولكن لم تثبت براءته إلا في عام 1997م عندما تمت مقارنة الحامض النووي لكل من ميلقارد وفيشر،بالحامض النووي للسائل المنوي الذي تركه الجاني على ملابس الضحية،فإتضح أنه مطابق للحمض النووي لفيشر، وعليه فقد فقد راجعت المحكمة العليا الكندية الطعن وقررت براءة ميلقارد، وقد طلبت والدة ميلقارد التحقيق في الظروف التي أدت لإدانة إبنها، ولكن حكومة الولاية رفضت أن يبدأ التحقيق حتى إنتهاء محاكمة فيشر،و بالفعل بدء التحقيق عقب صدور الحكم النهائي ضد فيشر في عام 2005م وقد توصلت اللجنة  إلى حزمة تعويضات  بلغت عشرة ملايين الدولارات لميلقارد، فضلا عن مجموعة من الإصلاحات لنظام العدالة الجنائية في كندا.شملت قواعد ا لمحاكمة وسلوك الشرطة وشملت التغييرات مدونة جديدة لقواعد السلوك للمحامين، ووكلاء النيابة وقوات الشرطة، وأصبحت الأدلة التي يتم الحصول عليها من داخل السجن تعتبر  غير موثوق بها وتحتاج لتعضيد.

كل هذا يدعونا للتساؤل ألا يجب علينا أن نتريث قبل قبول عقوبة الإعدام؟هدا ما نأمل أن نتناوله فى مقال قادم.