فائز السليك

”  خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل. فأسأل نفسي: من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمد الله على أنه لم يقبضني في المنام. فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا: أمتشائم أنا أم متفائل“.

تلك هي كلمات لأبي سعيد أبي النحس المتشائل، بطل أحد الأعمال الروائية،  والكلمات تلك تطير الى ذهني كلما مرت بخاطري  ذكرى حالة تجهم كانت ممزوجةً بعواصف  غضب  مكتوم، كست وجهي اثنين من قادة طيب الذكر ” التجمع الوطني الديمقرواطي”. كان ذلك في احدى مساءات  سبتمبر 2003 .  كنا  حينها عائدين الى العاصمة الكينية نيروبي من منتجع نيفاشا،   وفي ذلك المنتجع، كانت الطيور وأفراس البحر تستمع إلى ” تنظيرات القادة السودانيين، وتوجيهات السادة الأجانب.

 كان الوسيط الكيني لازوراس سمبيويو، يتجول من غرفة الى غرفة، ويتنقل من  مكان الى مكان، ينسرب هنا، أو يتسلل هناك.  كان يحمل أوراقاً من رئيس وفد ” الحركة الشعبية لتحرير السودان ” الدكتور جون قرنق ديمبيور، يسلمها إلى رئيس وفد الحكومة علي عثمان محمد طه،  ثم ينقل العكس، كان قرنق يضيف وطه يحذف في غالب الأحيان، و ربما  يضيف قليلاً، وفي مرات نادرة، بينما كان  الوسطاء الغربيون يتدخلون بين فينة وأخرى عبر الوسيط  الأفريقي؛   كانوا يتدخلون تعديلا وحذفاً، توفيقا وتقريباً، وقد تكلف جملةً قصيرة، أو اعتراضية ردحا من الزمن، ربما مقداره  رحلة جوية من نيروبي إلى الخرطوم، أو ” نيو سايت”، اسمرا،  واشنطن، أوسلو، روما، أو لندن. أو نسمع عويلاً، ودعوات على طريقة” يمصوها ويشربو مويتا”، ويعقب ذلك أزيز مدافع، ورقص على جماجم الموتى وطبول الحماس.  

والوسطاء كانوا  يقترحون ما يرون أنه قد يضع حدا لمارثون “سباق مسافات طويلة”،  ولفعل ذلك كانوا يحرصون على  ارتداء حلة ناصعة البهاء، باذخة المعاني، دافقة الإنسانية، حتى يزجرون بنعومة، أو من خلف عصا مرات أهل البلاد لكي يتفقوا على  ” حقن دماء،  ووقف شلالات تنزف سنوات.   كان هناك روجر وينتر، هيلدا جونسون، آلان قولتي وغيرهم.

كانوا يرسمون خارطة طريق لبلد مفجوع بالحروب، ومثقل بالصراعات ومسكون بالخلافات، وموسوم بتبديد الموارد والطاقات، ومشهور بانتهكات كرامة شعوبه، قتلاً، أو سجنا، اقصاءً أو نفياً، وتشريدا فوق كل شبر من جلد الكرة الأرضية.

يفاوضون،  يرسمون ، ويوقعون بأحبارهم على    قضايا الحرب والسلام، التهميش والإقصاء، محاصصات السلطة وتوزيعات الثروة، وفوق كل ذلك كانت   تقف خارطة كل الوطن تتدحرج، ثم تصعد ” أعلى الهاوية”،  يتناقشون يوميا، ولمدة سنوات داخل غرف مغلقة، يبنون جدراناً من السرية حول التفاوض؛  لدرجة أن للوسيط الكيني حق  طرد الصحافيين، لا سيما السودانيين منهم،  حتى لا يفسدوا بتطفلهم طبخة فوق النار، وحتى لا يحشرون أنوفهم فيما لا يعنيهم، ذاك الشأن الذي يعني القادة والوسطاء والشركاء وحدهم. 

وبعيدا عن فضول الصحافيين، وعصي وجزر الوسطاء، وأوراق قرنق وطه، أعود إلى غضب صديقي ” التجمعيين”، كانا غاضبين على ” إقصاء كيانهم العريض”، وأذكر في هذا الشأن حين غضب فاروق أبوعيسى على ” قسمة مشاكوس” في اجتماعات بفندق السلام في العاصمة الأريترية اسمرا، في اغسطس 2002، ثم رد الدكتور منصور خالد بما معناه ” لو كان مرمى مدفعية قوات التجمع الوطني في شرق السودان قد بلغ مداها القضارف، أو أنها انتصبت  فوق منصات ، ثم وجهت فوهاتها صوب الخرطوم لتغيرت المعادلة”، والمعادلة هنا ” توازن القوى” الذي كانت تحدده أصوات المدافع، وتحركات الجيوش، ومناورات الساسة، لينعكس ذلك على طاولة التفاوض.

و” التجمعيان” صديقاي؛  كان في نفسيهما أشياء من حتى،  وفي الحلق  غصة وطعم مر  من بيع ” الشريك”، ونيران ” الصديق”، وهجر ” الحليف”، وللقصة هنا تفاصيل، اللوم لم يكن على ” الحركة الشعبية ” وحدها، بل كان زعيم القوم قد أضاع فرصة ذهبية حين اقترح قرنق على وزير الخارجية الأمريكية الأسبق كولن باول مقابلة زعيم التجمع محمد عثمان الميرغني، كان قرنق يصر على أن المشكلة سودانية، بينما كان باول يوجه الفرقاء ويحضهم على  الجلوس حول طاولة التفاوض لمناقشة الأزمة من زاوية ” شمال/ جنوب، ومع الحاح قرنق وافق الوزير الأمريكي على مقابلة الميرغني، إلا أن طائرة الميرغني هبطت على مدارج مطار هيثرو في  لندن بدلاً عن  مدارج مطار دلاس في واشنطن . كان ذلك  قبيل انطلاق قاطرة ” نيفاشا”. لم يبق أمام قرنق سوى الرضوخ.

ودارت عجلات القاطرة، والقوم غاضبون، وربما ألهبت نيران  منصور ” الصديقة”  خلال اجتماعات اسمرا  النفوس، وفي لحظات الغضب تلك أقترحت على ” صديقي” القيام بفعل يعلن عن وجود الكيان، فالمعادلة كانت ” للأقوياء”، وحين سألاني عن مقترحي” أفصحت عن وجهة نظري، إما تحريك ” الجبهة الشرقية وتصعيد المواجهة العسكرية، وهذه للأسف لا يملكان من أمرها شيئا لأن المبادرة كانت بيد قوات ” الجيش الشعبي”، وهي في حد ذاتها كانت مقيدة  بمساومات وضغوطات  ” الوسطاء” ، وفي الأمر قصة أخرى سنحكيها بعيدا عن هذه المساحة.

أما المقترح الثاني فهو ” تحريك الجماهير”،  الاتجاه نحو الشارع كقوة ضاربة ظلت مغيبة عن الفعل الثوري، لكن  الرجيلين ألقماني حجراً فلذت نحو صمتي حتى سحبت اقتراحي، كانا يريان أن ” تلك محاولة انتحارية لأن خروج الناس في مظاهرات ضد نظام متوحش تعني قتلا جماعيا معلنا”. قلت في سري” يبقى أن الخيار هو أن تبصما على أي اتفاق”، ولنستعذ من شر نفس لا تدرك معنى ” سرد تفاصيل موت معلن”.  

واليوم، اختلفت تفاصيل، بل إن  خارطة الوطن كله تدحرجت، تغيرت مشاهد، اختفت شخوص، غابت أو غُيبت، تغير وسطاء، وتبدلت مدن، وبقي شيئ واحد، ” جرح قديم”  ينتح، وجسد مسجي فوق نقالة ” توازن ضعف” ، وطرفا معادلة ؛ حكومة فاشلة، فاسدة، مستبدة، وتائهة، ومعارضة عاجزة، مفككة ومضطربة، ومع ذلك، هناك من يحاول، أو يجتهد، وعلينا احترام جهده وطرقه وظروفه.  ورغم ذلك؛  فإن الفجيعة باقية، موت يومي، تآكل أطراف، وتفريغ وطن من عقوله عبر عملية نزيف ممنهجة ومستمرة لثلاثة عقود  كنتاج طبيعي لمشروع ” إسلامي” لا يحمل بين طياته مفردة اسمها  ” وطن”، لذلك ليس مهماً  أن يتمزق، أو  أن يتفكك، أو  أن يتقزم .!

يذهب المفاوضون، ويحل ” أمبيكي” محل ” سمبويو”،  تذهب هيلدا ووينتر، وقولتي، وتبقى وجوه أخرى، وقد تكون خارطة الطريق بداية لمارثون جديد، تفاصيل يسكنها شيطان، وتنفيذ تحكمه مماحكات،  وتفكير يوقد طاقته إبي سعيد النحس، سيخطب هو ذاته    في وجوهٍ ترهقها قترة، بعد رحلة ” حرب  بلا استراتيجية واضحة ورهينة تحولات إقليمية ودولية، وينتهز المتشائل الفرصة ويخطب  مؤكداً  أن    وقوف  الحرب أفضل من استمرار  الموت، وأن تقيلص مساحة  أهون من  دوي مدافع،  وأن بقاء ” جنرال باطش”  لهو أهون من ” فراغ أبدي، وأن تدحرج وطن أفضل من انهياره، وأن بقي أضيق من زوايا حرجة، أو أقل من مساحة مثلث أضلاعه نيلان ومقرن.

 وليس أمامنا حينها سوى أن  نردد مع  أبي سعيد النحس المتشائل، بطل رواية الكاتب الأسرائيلي من أصل فلسطيني أميل حبيبي، مقولاتنا،  نحمد الله أن الموت لن يكون بالمدافع وقصف الطائرات،   وأن  ثمة نفس فينا طالع ونازل”. وأن وجود جنرال مهيب ، تحميه مليشيات قبلية لهو أفضل حالا من ” لا شيئ”؛ حتى وإن تآكلت الأطراف.

 ويبقى أبوسعيد يرسم خارطة طريقه؛  في ظرف  خلو المشهد من  الفاعل الحقيقي، وصاحب المصلحة ، واحلال محله بعد حذفه  ببعض وكلاء ونواب.  يبقى الحال ” مرفوعاً مع أنه  ” مبنيٌ للمجهول.  لكن إلى متى؟!. نحتاج للتفكير من خارج الصندوق.