خالد فضل

  سيدات فضليات من نساء جبال النوبة ؛يعملن في وظائف قليلة العائد مرموقة القيمة الفعلية في الحياة , ووفقا لقاعدة الترتيب المهني السائدة في السودان والتي في الغالب تقوم على تنميط الناس مع ما يؤدونه من أعمال , وهذه واحدة من العقبات الكثيرة والكبيرة التي تشكّل تحديات أمام مشروع بناء وطن (بالفيهو نتساوى) كما عبّر شاعرنا الراحل محجوب شريف تتغشاه الرحمات الواسعات . هؤلاء النسوة سألنني همسا صبيحة بدء جلسات التفاوض في أديس أبابا بين وفود حكومة الفئة المستبدة في الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان /شمال , وبعض الحركات السياسية المسلحة في دارفور , سألنني عن الجديد , وهل هناك أمل في الوصول إلى السلام؟ ثمّ طفقن (يعددن) على عادة النساء في بلادي عندما يستغرقهن الشجن , سمعتهن يتحدثن عن فصل الخريف بحسرة , يتذكرن الخيرات الوفيرة التي تنطوي عليها الجبال , إحداهن قالت في غمرة حفاوتها بما كان عليه الحال ( والله لولا الحرب اللعينة أكان الجبال هسّ ياااااااااااااا ولا سألا في بلاد برة ) قالتها بوجع وخز ضميري وجعلني أفكر طيلة اليوم دون أن أقوى على الكتابة . لماذا لم يسألن من قبل وحوار الوثبة يلف ويدور منذ أكثر من عامين ومن ضمن حوارييه تابيثا بطرس التي أعلم أنّ بعضهن يعرفها معرفة أسرية وثيقة , ودانيال كودي وخميس جلّاب وغيرهم ممن يسمون لافتاتهم المرفوعة بأسماء برّاقة على شاكلة ( الأغلبية الصامتة والسلام والإرادة الحُرة وغيرها ) , لماذا ارتفاع وتيرة الإهتمام بالمفاوضات والتفاوض هذه المرّة وهؤلاء النسوة لسن من ذوات الإلمام بتفاصيل ومماحكات السياسة , إنّهن في الواقع يمثلن الضمير الحي لعامة المواطنين من غمار الناس الذين لم يجدوا بعد قيادة حكومية رشيدة تسمح  لهم ببناء  وطن يليق بمقاماتهم السامية في الحقيقة رغم ما يبدو على حياتهم من سيماء الوضاعة . أمثال هؤلاء النسوة لم يزايدن باسلام , وأيم الله أشهد أنّهن عندما نلوذ بنسائم مكيفات الهواء في غيظ نهارات رمضان كُن يلذن بقطعة خيش مبلولة يفترشنها  تحت لسع سقوفات الزنك , ومع ذلك يتولى قيادة بلدهن والتحكّم في مصائرهن وتدمير قراهن وجبراكاتهن التي تفيض بالخيرات نوع نوع , يتحكّم فيهن , فئة من الفاسدين الذين تنشر الإعلانات مدفوعة القيمة في صحف الخرطوم وهي تعدد مناقبهم وعلى رأسها أداء صلاة الفجر حاضر في المساجد , فتأمل في الدين عندما يصبح فعلا لا قولا أفيونا لتخدير العقول !! وعندما يتسيّب المجاهدون _على رأي صديقنا ضياء الدين بلال _ في التعامل مع المال العام لدرجة إهدار مليارات الجنيهات دون حسيب أو رقيب ومع ذلك لا يُسمى ذلك في قواميسهم فسادا .

  الآن , يتحدّث أصحاب الوجعة من الحرب والمصلحة في السلام . لذلك يأتي الإهتمام من الناس العاديين البسطاء الذين يتوقون للعيش عوضا عن الدمار الماحق . في هذه الأوقات يمكن قراءة ما يدور من تفاصيل التفاوض , فعلى جانبي طاولة السيد مبيكي يجلس الفرقاء السودانيون . وهم فعلا فرقاء (من فرقة) وتفرُّق وليس تلك الرتب العسكرية الهباب , يجلس ابراهيم محمود وبجانبه عدوي وأرو وووو, يسندهم فظائع حميدتي في الجبال التي ذهب إليها ولم يجد مواطنين كما قال في لقاء صحفي منشور بل وجد متمردين وقتلهم فهل فعل شيئا ضارا ؟ تلوح في أفق عدوي ورفاقته وترن في آذانهم نبرات حديث هارون أكسح أمسح قشو ما تجيبو حي , ويجلجل وعيد ضابط الأمن والي الولاية بتجريم تجارة السمبك مع مناطق المتمردين . لذا من الطبيعي أن يكون فتح المسارات وتوصيل الإغاثات عائقا أمام التفاوض الجاد . فإذا كان الطرف الآخر يعنى بإغاثة المتضررين , فإنّ مأساة هؤلاء هي عين ما يريده المتسلطون لأنّهم كما عبّر حميدتي مجموعات من المتمردين لا يستحقون سوى القتل والترويع , وهنا تكمن المفارقة البائنة , وعندما تحفّظ صاحب هذا القلم على خارطة الطريق , وقلت إنّها ل (نصف طريق ) على أفضل تقدير لم يكن ذلك اكتشافا عبقريا بل واقع يعرفه الجميع , فالمتحاورون الآن في أديس لا شكّ يعرفون أنّهم يحاورون الشيطان ومنذ متى كانت تدابير الشيطان مما يدركها إنسان .