سيف الدولة حمدنا الله

  • ليس هناك أفضل للخصم في نزاع من أن يتكفل غريمه بإثبات دعواه عليه بنفسه، ولو أن وفد الحكومة في محادثات خارطة الطريق بأديس أبابا كان يفهم هذه القاعدة، لما طالب الحركة الشعبية بتفكيك مليشياتها في الوقت الذي تحتفظ فيه الحكومة التي جاء يُمثّلها الوفد بمليشيا مثلها(قوات الدعم السريع)،فهي الأخرى لا تتبع للجيش النظامي ولا تأتمِر بأمره، وتتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية لا للقيادة العامة للجيش ولا حتى لجهاز الأمن والمخابرات الذي تقتصر صلته بها على تحمله دفع مخصصات أفرادها وذلك بحسب ما نص عليه المرسوم الرئاسي رقم 351 الصادر في 21 أبريل 2016.

 

  • ما يُميّز الجيش النظامي لأي دولة عن المليشيات أن الأول يقوم على النُظُم والتقاليد العسكرية التي يكتسبها عبر السنوات، وهي تختلف في دقتها وصرامتها فيما بين الجيوش بالعالم، ولكنها تتفق في إستهدافها غرس مفهوم الإنضباط والإنقياد العسكري حتى يُصبِح جزءاً من عقيدة وعقلية الضباط والجنود النظاميين، بحيث يقومون بتنفيذ التعليمات والأوامر العسكرية – بخلاف ما يحدث من تفلّت في المليشيات – بدقّة وإنصياع كاملين حتى لو كان ذلك مُخالفاً لمن صدرت إليهم الأوامر.

 

 

  • وبناء مثل هذه العقلية في الجيوش لا يتم بالخُطب والمحاضرات الوقتية، ويلزم لتكوينها مرور سنوات وسنوات (في حال الجيش السوداني بدأت مع قوة دفاع السودان)، وتتشكّل مثل هذه العقيدة لدى أفراد الجيوش بأشياء تبدو في ظاهرها صغيرة وليست ذات معنى، ولكنها تُعتبر من لوازِم ترسيخ مفهوم “الضبط والربط” والإنصياع للقائد والتراتبية العسكرية.

 

 

  • وجيش السودان كان صاحب سمعة وصيت بين جيوش دول العالم الثالث في درجة صرامته في التمسك بهذه التقاليد الدقيقة، بحيث أنه جاء عليه زمن كان جلوس الضباط على الطاولة لتناول الطعام يتم بحسب الرُتبة والأقدمية، وكان الجندي إذا أغفل تلميع حذائه عند التفتيش في طابور الصباح يتعرّض للعقاب بالوقوف لباقي اليوم في “طابور ذنب”، وكان الضابط أو الجندي وهو بداخل منزله يفرِد طولِه واقفاً ويضرب تعظيم سلام لشقيقه الأصغر إذا كان الأخير يعلوه في الرتبة العسكرية، وبحسب التقليد العسكري، كانت الرتبة داخل القوات النظامية هي الرتبة وتجد نفس الدرجة من الطاعة سواء كان حاملها بسلاح المدفعية أو كان يحمل بيده خرطوش مطافي، وكان قائد الحامية بالأقاليم له من الهيبة بين أفراد قوته بحيث كان حينما يقترب من مكتبه في دقيقة معلومة عند أول الصباح تصطف له القوة ويُطلق في إستقباله البرُوجي(وهو آلة نفخ تُشبِه قرن الثور)، وقد ترتّب على بناء هذه التقاليد، أن كان الشخص العادي يمكنه معرفة الضابط أو الجندي حتى وهو يرتدي جلابية وعِمّة في سوق الخضار (من هيبته وإستواء وقفته وعدم بروز كرشه).

 

  • وبحسب التقاليد التي كان يسير عليها الجيش السوداني، أنه وبإستثناء المهنيين مثل الأطباء والحقوقيين …إلخ، لم تكن تقاليد الجيش تسمح بأن يضع ضابط نجمة على كتفه دون أن يكون قد تخرّج من الكلية الحربية السودانية حتى لو درس العسكرية في كلية “سانت هيرست” البريطانية،ولم يحدث خروج على هذه القاعدة غير المرّة التي عُيّن فيها عبدالرحمن الصادق المهدي في وظيفة ملازم بعد تخرّجه في الكلية العسكرية الملكية بالأردن، وقد حُسِب هذا التعيين – بِحق – في الأوساط العسكرية والسياسية على والده (الصادق المهدي) بإعتبار أن ذلك قد تم بتأثير منه لكونه كان يشغل وظيفة رئيس الوزراء خلال تلك الفترة (1986).

 

 

 

  • ويكفي القول- والحديث عن درجة الإنضباط بين أفراد الجيش السوداني – أنه مع حدوث ثلاث إنقلابات عسكرية خلال (72) ساعة (نميري – هاشم العطا – نميري)، لم يؤثر ذلك على وحدة وتماسك الجيش ولم يخرج عن طاعة القيادة العامة في الخرطوم أي ضابط أو جندي واحد برغم إختلاف خلفية عقيدة وفكر الحكم في النظامين (شيوعي ويميني) أو يحدث إنفلات بأيّ من الحاميات العسكرية بالعاصمة أو الأقاليم، وهو التغيير الذي جرى في الفترة من 19 – 22 يوليو 1971 بإنقلابين عسكريين، فقد كانت العقيدة والتقاليد العسكرية (الإنضباط والإنقياد العسكري) هما أُس الولاء لمهنة العسكرية الذي يجمع بين الضباط والجنود لا إنتمائهم العقائدي والفكري أو موقفهم من النظام الحاكم الذي جعل ولائهم للجيش كمؤسسة وحملهم على طاعة تعليمات القيادة العامة في الخرطوم أيّ كان الذي يجلس على رأسها.

 

  • هكذا كان حال التقاليد والأعراف بالسودان في كل المهن وليس الجيش وحده، وقد إستعِنت مرة في توضيح حقيقة ذلك بما رواه المطرب حسين شندي الذي كان يحكي عن مشواره الفني بإحدى اللقاءات التلفزيونية، فقال أنه كان يعمل معلماً في مدرسة شندي المتوسطة للبنات حينما دخل عالم الغناء والطرب، ولما إنتشر خبر إحيائه للحفلات في بيوت الأفراح بشندي وضواحيها، استدعاه ناظر المدرسة وقال له: “البنات ديل يا ترقصن يا تدرسن”، وقال حسين أنه إحترم وجهة نظر مديره فإستقال من عمله في التدريس وإختار المُضِي في دنيا الطرب.
  • وقد أحسن ناظر المدرسة وحسين شندي عملاً بقراريهما، فمن بين التقاليد التي تستلزم الهيبة والإنضباط في بعض (مثل الضباط والقضاة و ..إلخ) أنها كانت تقضي عدم ممارسة الرقص والطرب أو لعب كرة القدم ضمن الفرق الرياضية، أو حتى التشجيع بالطريقة التي تنتقص من هيبة صاحب الوظيفة، حتى جاء اليوم الذي أصبح فيه الضابط يرقص فيه ردفاً بردف مع الجندي.

 

 

  • الإنقاذ لا تُنكِر أنها كانت وراء تغيير هذه العقيدة والتقاليد، فقد روى الدكتور حسن الترابي (الحلقة العاشرة من لقائه بتلفزيون الجزيرة)، أن النظام قد عمل – عن قصد ومعنى – على تغيير فلسفة ومفهوم العسكرية التي كانت سائدة قبل الوصول للسلطة،وقال أنهم أرادوا تطبيق فلسفة ومفهوم العسكرية الذي كان معمولاً به في صدر الإسلام، الذي يقوم على فكرة مؤدّاها أنه لا حاجة لوجود جيش بفصائل وطوابير وعلامات على الكتوف، وجعل مهمة الدفاع عن الوطن تكون واجبا على القادرين على حمل السلاح من أفراد المجتمع مثل المدرسين والموظفين والطلبة ..إلخ، الذين يتم تدريبهم وإستدعائهم من أعمالهم عند الحاجة، ثم ينصرفوا بعدها إلى أعمالهم الأساسية.

 

 

  • وقد كان، ومن هنا بدأ تطبيق فكرة الدفاع الشعبي، وهو النواة التي إنتهت بإنتشار حمل السلاح وتكوين المليشيات الشعبية سواء للقتال إلى جانب الحكومة أو ضدها، وهي مليشيات تتكون من جماعات قادرة على حمل السلاح ولكنهم يفتقرون لوجود العقيدة العسكرية المطلوبة لضبط قواعد إستخدامه، بما في ذلك إرتدائها للزي المنتظم ووجود علامات الرتب العسكرية التي تضبط صرف الأوامر والتعليمات والإلتزام بقواعد وخطط الحرب وفق توجيهات القيادات التي تعلمتها بالكليات العسكرية .. إلخ، وقد تسبب غياب ذلك في سقوط كثير من الأرواح بين أبناء الوطن من الجانبين، ففي الجيوش النظامية اليوم ينزل الجندي إلى ميدان المعركة وهو يرتدي ملابس واقية من رصاص العدو حتى أنك بالكاد تستطيع أن ترى عينيه، لا مثل سراويل “على الله” والعمائم الملوّنة التي يرتديها جنود المليشيات.

 

  • في عموده الصحفي (صحيفة التيار 14/8/2016)، كتب عثمان ميرغني تحت عنوان (فلنختلف على أى شىء.. إلا جيشنا) يقول في مواضِع متفرقة منه: “اليوم نحنُ في أمسّ الحاجة لندرك أنّ ما للسياسة، للسياسة.. وما للجيش، للجيش ولا نجعله عُرضةً للرياح السِّياسيَّة أو في مجرى سُيول خلافاتنا المُزمنة”.

 

  • هذا كلام صحيح، وهو مُنى عين أي مواطن شريف يخشى على مستقبل وطنه، وهو الجيش الذي لا بد أن يكون قد عناه عثمان !!

 

 

 

saifuldawlah@hotmail.com