بابكر فيصل بابكر

قلتُ في العديد من المقالات أنَّ الذين يحملون صفة “مفكرين ومثقفين” في ما يُسمى بالحركة الإسلامية مطالبون أكثر من غيرهم بنقد الأفكار والمنطلقات النظرية التي إستندت إليها الممارسة السياسية التي إمتدت لعقود من الزمن وتُوِّجت بالإستيلاء على السلطة بواسطة الإنقلاب العسكري في يونيو 1989.

ولاحظتُ أنَّ معظم من يحملون تلك الصفة, مثقف ومفكر, ممَّن إبتعدوا عن الحكومة وكيان الحركة الإسلامية أو البعض الذي ما زال مُنتمياً لها, إكتفوا فقط بنقد تجربة الحكم وإفرازاتها السالبة دون تناول الموجهات و الأصول الفكرية التي أنتجت تلك التجربة وهو ما يعني أنَّ تكرار الأخطاء سيستمرُ بأشكال أخرى مستقبلاً.

وفي محاولتهم للتهرُّب من نقد الأفكار التي وقفت وراء تجربة ممارستهم للسلطة و التي شارفت على الثلاثين عاماً يستخدم أهل الحركة الإسلامية العديد من المبررات, من بينها أنهم ليسوا إستثناءً من كافة الأحزاب السياسية التي إنقلبت على الديموقراطية واستولت على السلطة بالقوة, وأنّ غيرهم قد إرتكب نفس الأخطاء.

 في هذا الإطار كتب الدكتور أمين حسن عمر مدونة سياسية تحت عنوان “سؤالات لحزب البرجوازيين الصغار الأحمر” في أعقاب المؤتمر السادس للحزب الشيوعي, وقد طرح فيها الكثير من الأسئلة التي تخص الشيوعيين وحدهم, ولكنه أيضاً في سياق نقده لممارسات الحزب الشيوعي تطرَّق لقضايا عامة تستوجب النظر و التفلية  “فلَّى الأمرَ : تأمَّل وجوهَه ونظر فيها”, قال الدكتور أمين :

(فالحزب الذى سجل فى تأريخه إعتراضه على الحكم الذاتى فى 1953 ،ثم سجل على نفسه تحطيم الخدمة العامة بتسييسها لأول وهلة بشعار التطهير واجب الوطنى لإحلال كوادر الحزب من محازبيه ومناصريه فى محل شاغلى مناصب الدولة حتى صار التسييس هو الأمر الواقع الذى تتسابق عليه الأحزاب قديمها ومحدثها. وهو الحزب الذى سجل  لأول وهلة تسييس القوات المسلحة فزرع كوادره بدعوى القوى الثورية والضباط الأحرار فى الجيش الوطنى حتى صار التنافس بين الأحزاب فى زرع محازيبها هو السنة الجارية الراتبة).

حديث الدكتور أمين أعلاه مملوء بالتعمية والتمويه لكل من يُدرك أبجديات تحليل الخطاب, فهو يستخدم مُقدماتٍ يعتقدُ في صحتها حتى يصل لنتائج يرغب فيها, وهذه حيلة معروفة في مثل هذا النوع من الخطاب حيث يعمدُ الكاتب الى تبرير فكرة فاسدة وذلك بتمرير معلومة مغلوطة – ضمن حديث مرتبك – وكأنها حقيقة تاريخية مُسّلم بها.

فعلى الرغم من أنَّ شواهد التاريخ تدعم كلام الدكتور أمين بخصوص الممارسات المرتبطة بتسييس الخدمة العامة أبَّان فترة الحُكم المايوي عندما كان الحزب الشيوعي هو الحزب الوحيد المسموح له بالعمل, وكان اليساريون والقوميون هم الذين يُسيرون دفة الحكم, إلا أنَّ ذلك لا يعني الوصول للخلاصة الفاسدة التالية :( حتى صار التسييسُ هو الأمر الواقع الذى تتسابق عليه الأحزاب قديمها ومحدثها).

 ليس صحيحاً أنّ الأحزاب ( قديمها ومحدثها) صارت تتسابقُ على تسييس الخدمة العامة, ولكن الصحيح هو أنَّ “حزباً واحداً”, وهو الحزب الذي ينتمي إليه الدكتور أمين, هو الذي قام بتسييس الخدمة العامة بصورة غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث, ففي فترة الديموقراطية التعددية التي أعقبت حكم مايو لم نشهد تسييساً للخدمة العامة, وهى الفترة التي شهدت تكوين عدة حكومات إئتلافية سيطر عليها الحزبان الكبيران (الأمة والإتحادي).

إذاً الدكتور أمين يتلاعبُ باللغة حتى يقوم بتوريط “جميع الأحزاب” في ممارسة التسييس للخدمة العامة, وهو – وعلى العكس مما قد يوحيه ظاهر خطابه من هجوم على الحزب الشيوعي – فإنهُ يسعى لتبرئة حزبه من الأفعال البشعة التي إرتكبها في حق الخدمة العامة , وذلك عندما قام بفصل الآلاف من العاملين تحت شعار “الصالح العام” البغيض واستعاض عنهم بمنسوبي “الجبهة القومية الإسلامية”.

يعلم القاصي والداني أنَّ التسييس الذي تم للخدمة العامة في ظل سياسة “التمكين” هو تسييسٌ غير مسبوق من حيث الحجم ومن حيث القطاعات التي إشتملها, حتى أنَّ قيادات الحكومة إعترفت بآخرة بخطأها الجسيم في هذا الخصوص واجتمع الرئيس قبل ثلاثة أعوام بقيادات الخدمة المدنية و أعلن إنتهاء عهد المحسوبية والوساطة والحزبية والتسييس وقال: ( تاني ما في حاجة إسمها التطهير واجب وطني إلا من خلال الأداء ), وقال أيضاً : ( التمكين يكون لكل أهل السودان ).

ومن ناحيةٍ أخرى, فإنّ السؤال الذي يطرحُ نفسه بإلحاحٍ شديد على الدكتور أمين هو : إذا كنتم تستنكرون ممارسة الشيوعيين للتطهير والإقصاء من الخدمة العامة فلماذا سار حزبكم على نهجهم, بل وتفوَّق عليهم ؟

غير أنَّ من يقرأ بين السطور التي خطها يراع الدكتور أمين يُدرك أنَّ الرجل سعى للتعتيم على الحقيقة الأساسية والمتمثلة في أنَّ ممارسة جماعته للتمكين والتطهير لم تكن بدافع مجاراة أفعال الشيوعيين, بل هى خطةٌ لها جذورها في آيديلوجيا الإسلام السياسي, هى أمرٌ نابعٌ من التأصيل الفكري الذي ينبني على مظنة إمتلاك الحقيقة المُطلقة, وهى كذلك فعلٌ يليقُ بمنظومةٍ تنبني على “الإستعلاء” على جميع مكونات المُجتمع وعدم الثقة في الآخر.

قد قلتُ في مناسبة سابقة أنَّ التصورات والعقائد التي ترسخها آيديلوجيا الإسلام السياسي لا تعزل التنظيم وأفراده عن المجتمع فحسب, بل تزرعُ شكوكاً وهواجس دائمة تجاه كل ما هو خارج الجماعة, وهو ما يُسمى في علم النفس ب “متلازمة ماسادا” والتي تُعرَّف بأنها “حالة أعضاء جماعة بشرية لديهم إعتقاد مركزى بأنَّ بقية العالم خصومٌ يضمرون لهم نوايا سلبية”, وخطورة هذه الحالة تتمثل فيما يترتب عليها من فقدان كامل للثقة في “الآخر” وبالتالي فإنَّ صاحبها – شخصاً كان أم جماعة – غير مؤهل للتواصل إلا مع ذاته وهو ما يؤدي للفشل الحتمي في إدارة المجتمع والدولة.

كذلك فإنَّ تلك الآيديلوجيا لا تخلو من تقسيم ثنائي “مانوي” للمُجتمع “معنا أو ضدنا”, وهو الأمر الذي أقرَّ به بشجاعة الأستاذ مبارك الكودة عندما قال أنه في مسيرته الطويلة مع حركة الأخوان المسلمين أخطأ في مفاهيم كثيرة وأنَّ تلك الأخطاء المفاهيمية شكلت تكوينه العقلي مما جعله يخطىء التقدير في كثير من الأمور, وقال :

( وأخطأتُ التقدير بالصمت علي تمكين أهل الولاء في مفاصل الدولة علي الكفاءات من أبناء الشعب السوداني بحُجَّة أنَّ خير من إستأجرت القوي الأمين وبحجة أن تأمين دولة الاسلام يقتضي ذلك ). إنتهى

 يقول الدكتور أمين أنَّ الحزب الشيوعي هو ( الحزب الذى سجل  لأول وهلة تسييس القوات المسلحة فزرع كوادره بدعوى القوى الثورية والضباط الأحرار فى الجيش الوطنى حتى صار التنافس بين الأحزاب فى زرع محازيبها هو السنة الجارية الراتبة). إنتهى

الحديث أعلاه يحتوي أيضاً على تضليلٍ و تمويه شبيه بما سبقه, فالدكتور أمين يُريد أن يقرر أمرين : أولهما أنَّ الحزب الشيوعي هو الذي جاء ببدعة زرع الخلايا داخل الجيش ولولاهُ لما فكر أية حزبٍ في الإقدام على هذا الشىء, والثاني هو أن “جميع الأحزاب” زرعت خلاياها داخل هذه المؤسسة الوطنية القومية, وكلا الأمرين غير صحيح.

ليس صحيحاً أن جميع الأحزاب “صارت تتنافس على زرع محازيبها” في الجيش, فليس معروفاً على سبيل المثال أنَّ الحزب الإتحادي كانت له خلايا في الجيش السوداني وهو أحد أكبر حزبين في الساحة السياسية.

وليس صحيحاً كذلك أنَّ حزب الدكتور أمين كان مُتبِّعاً ومُقلِداً للشيوعيين في موضوع خلايا الجيش, ذلك لأنَّ فكرة الإنقلاب وإستخدام القوة هى فكرةٌ أصيلة من أفكار الأخوان المسلمين, فالشيخ البنا كان في غالبية كتاباته وخطبه ومقالاته يخاطب أعضاء جماعته بلفظ “الجنود”, و”التنظيم العسكري” كان العمود الفقري للجماعة, وهو لم يكن ينفي إستخدام “القوة” للوصول للأهداف وإحداث التغيير ولك أن تتأمل حديثه أدناه :

( يتساءل كثيرٌ من الناس : هل في عزم الإخوان أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم ؟ وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي؟ ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل إنني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء، فليسمع من يشاء. أما القوة فهى شعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته, ولابُدَّ لمن يتبع هذا الدين أن يكون قوياً، والاخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء, قوة العقيدة والايمان، ثم قوة الوحدة والارتباط ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح ). إنتهى

فكر إخوان السودان كذلك لم يكن يستنكر إستخدام القوة العسكرية للوصول للسلطة, فكما يقول الأستاذ على السيد المحامي في الحلقة الثالثة من سلسلة مقالاته “ الحركة الإسلامية من المهد للنظام الخالف” :

( وللتاريخ إنَّ فكرة الاستيلاء على السلطة بالقوة كانت فكرة قديمة عند الأخوان المسلمين ،ففى فترة ما قبل الاستقلال كانت حركة الأخوان المسلمين ضعيفة ،مقارنة بالاحزاب السياسية الكبيرة فتملكهم اليأس الي الحد الذي فكر فيه الرشيد الطاهر بكر ووقتها كان المراقب العام للإخوان المسلمين ان يرشح نفسه فى قائمة حزب الأمة فى انتخابات 1956، إلا ان طلبه هذا قوبل بالرفض ولما تمكن اليأس منه فكر الرشيد الطاهر مرة أخري فى التخطيط لانقلاب عسكري ضد الفريق عبود ،غير ان الانقلاب فشل وحوكم فيه الرشيد بخمس سنوات سجن ،وفى فترة سجنه انتقلت قيادة الأخوان للصادق عبد الله عبد الماجد ). إنتهى

لم يكن المرشد المؤسِس يؤمنُ بالديموقراطية فهو يقول في رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي ( ولو أخذنا بالحزم وأعلناها صريحة واضحة : أننا معشر أمم الإسلام لا شيوعيون ولا ديمقراطيون ولا شئ من هذا الذي يزعمون ). إنتهى

وهو لا يكتفي بذلك بل يصفها (الديموقراطية) بالتافهة حين يضيف في حديث الثلاثاء قائلاً : (هذه هي دعوتنا ليس لها منهاج إلا الكتاب الكريم، ولا جنود إلا أنتم ولا زعيم إلا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فأين من نظامنا هذه النظم التافهة المتداعية ؟ هذه الديمقراطية، والشيوعية، والدكتاتورية ). إنتهى

ولذلك لم يكن مُستغرباً أن يتجه رجلٌ يحمل مثل هذه الأفكار نحو مؤسسة الجيش لزرع خلايا جماعته, وفي هذا الإطار يُمكن للدكتور أمين أن يرجع لكتاب “حقيقة الخلاف بين الأخوان المسلمون وعبد الناصر” الذي قام بتأليفه المُرشد الرابع لجماعة الأخوان المسلمين : محمد حامد أبوالنصر, وفيه يقول :

(  كانت دروس البنا كل ثلاثاء يحضرها خليط مجتمعي من ضمنه ضباط بالجيش ، حمل بعض الضباط و الجنود لواء الدعوة و نشروها بالجيش ، كان الصاغ محمود لبيب منذ 1936 من أبناء الجماعة و ضم ضباط كُثر للتنظيم الخاص بنا داخل الجيش ، ضم محمود لبيب مجموعة من الضباط منهم عبد المنعم عبد الرؤف عام 1945 ، قام الطيار عبد المنعم بتكوين مجموعة للجماعة داخل الجيش من ضمنها عبد الناصر و عامر و خالد محيي الدين ، قام عبد الناصر ببيعة الامام ببيت الاستاذ صالح العشماوي بحي الخليفة ، ضمت المجموعة لاحقا حسين الشافعي و البغدادي و صلاح سالم ، كان عبد الناصر يدرب المتطوعين الاخوان الذاهبين لفلسطين بتكليف من قائد النظام الخاص عبد الرحمن السندي ). إنتهى

ختاماً نقول : يتوجب على الدكتور أمين وأخوانه أن يقوموا بنقد الأصول الفكرية التي قامت عليها دعوة جماعتهم إن كانوا يرغبون حقاً في الإصلاح والتغيير, فحتى الآن لم يطلع كاتب هذه السطور على دراسة نقدية جادة لأفكار حسن البنا أو سيد قطب أو أخيه محمد قطب صادرة من مثقف إخواني في السودان, ولن تُجدي في هذا الإطار محاولة إلقاء اللوم على الشيوعيين أو غيرهم فأزمة الجماعة هى أزمة أفكار فاسدة ثبت بالتجربة العملية عدم جدواها وعدم تماشيها مع روح ومتطلبات العصر. 

 

boulkea@gmail.com