عبد الله الشيخ

التغيير أمرٌ حتمي لا شكّ فيه. التغيير آت مِن جهة لا تعلمونها، وبهيئة تنكرونها. لن يتأخر عن موعده ،حين يتوقَّتَ وقته. سؤال التغيير موضوعي، من أي جهة صدر، وما على الروَّاد ، إلا الاستعداد للحظاته الحاسمة وتدحرج كتلته الحرجة. أما البديل ، فهو يتخلق ببطء، تماماً مثل إبدال ظفر معطوب..عندما يكتمل نمو البديل يُزاح المعطوب، وينبري الظُّفر، في وجه الطُغاة، فيقول الناس حينها:”كل طاغيةٍ صنم، دميةٌ من خشب”!

 البديل إبن وقته. فالنخبة  التي كانت ملء السمع والبصر، لم تؤسس لما بعد الاستقلال، ولا كان الشعب جاهزاً لما بعد ثورة اكتوبر، ولا كان البديل حاضراً في أبريل.لكن في عمق هذا “التلكؤ”، تختبئ ملاحظة جديرة بالاهتمام: البديل في أزمنة الفشل لا يمكن أن ينجح.

وهل فشلت ثوراتنا بأحكام الزمان، أم أننا لم ندير زمانها كما ينبغي؟

البديل في نهاية الأمر، يفرض نفسه. شكل التغيير القادم، يتوقف على الطريقة التي يمضي بها الحِراك. أكثر دروب التغيير أماناً، هو الذي تكون أداته “الشارع”. التغيير عبر الشارع باهظ الكُلفة، ويتوقع أن يفرز نظاماً قوامه مطالب الشعب الحقيقية. لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن الزخم الجماهيري،غالباً ما يفشل في حماية مكتسبات الثورة. وبالنتيجة، فإن ذلك الهدير، حين يفشل، يعقبه الانقلاب.. الانقلاب في الحياة السياسية السودانية هو البداية والنهاية. الانقلاب ربما يزيح حكام الحاضر، لكنه يستفرِخ دكتاتوريين جدد، فلكأننا يا قوش، لا رُحنا ولا جئنا.

البديل المُفترض لن يكون شخصاً، و لا هو حزب واحد، أو جيش.البديل هو تأسيس نظام ديمقراطي لديه قدرة الدفاع عن نفسه. هو إتّفاق القوى السياسية على التداول السلمي للسلطة، والوصول إليها عن طريق الإنتخابات الحرة.هو القاعدة الجماهيرية، هو دولة الديمقراطية..لكن كيف نؤسس لتلك الدولة؟ يقول أهل النجوى، أن البديل سيأتي:”بس إنتو زِحّوا الجنازة القِدّامكم دي”! هذا القول ، في ما أرى، يؤجل الحلم العظيم ، يوماً وراء يوم، وشهراً وراء شهر، وربما لسنوات.

هناك التغيير المطروح رسمياً وفق خُطّة الهبوط الناعم، الذي يسوِّق له حلفاء الحكومة ، وفق اقتباسات من تجارب مماثلة إقليمية ودولية. الهبوط النّاعِم يعني التهدئة التي تفضي في نهاياتها إلى تغيير شكلي أو أقل من ذلك. الهبوط الناعم هو قسمة جديدة للسلطة والثروة.هو تلوين الجُدر القديمة بأسس “دستورية” تستصحب جوهر ما هو سائد. الهبوط النّاعِم يُمكِّن خلصاء النظام، من الاستحماء ببعض قوى التغيير، فيتخذونها دروعاً  بشرية، تحميهم من المحاسبة. الهبوط النّاعِم هو التلاقي في منتصف الطريق.. بينما التغيير فعل مُنساب ولا يمكن ضبط مساراته، لأنه محصلة هدير النفوس، وهو فجائي بما هو مستعلن من أشراطه.

التغيير العنيف قد تأتيه الجماهير، رغم أنها ليست صاحبة المصلحة في العُنف. العُنف يمكن أن تأتيه فئة ذات مبادءة عسكرية، لكن يبقى السؤال: كيف يمكن الثقة في أن تتجه تلك الفئة نحو تحقيق مطالب الجماهير في الحرية؟ كيف يمكن لتلك الفئة ــ كما هو مُفترض ــ أن تنحاز لغيرها ،وهي تملك  قوة استمرار القبضة؟

 كل شكل من أشكال التغيير أعلاه، قواعدها في الداخل، ودونها التغيير الخارجي المباشر، وهو خيار غير مستبعد، وإن كان أكثر  طرائق التغيير كُلفة، لأنه ببساطة يعني إحتلال البلد.

هناك تغيير يحلم به القاصي والداني، بيد أنه بعيد المنال. كأن تصحو غداً، وتجد الحاكمين قد تحلّلوا، أو تنازلوا، وفق ضمانات محددة لسلامتهم.

سِينْ سُؤال:هل لدى المعارضة ، تصوّر لما سيحدث، إذا ذهبت الانقاذ، للتو والحين؟