عبدالله الشيخ

التّسَابْ هو الفيضان في لُغة النوبة..النيل هذه الأيام كارب على القيف ، والتماسيح التي أخافتها المَيّكنة تتشمّس فوق حجارة النهر و تلعب في ميدان الماء الفسيح، والسبيط “مِدّْلِي” أشكال والوان، “ينقِّط في العسل، ياريت شرابي”!. و تسمع من بعيد خرير المياه، ورَزْم الهدّام، و ذوبان الرمل الأحمر في المجرى.. الماء مُشبّعٌ بالطين وأظلاف النخل و “كرّوق” الدّوم، وعيدان شجر الطرفه، وجذوع البوص والحلفا، وكل ما اقتلعه مدُّ الماء من حصاد السنين. الطّمي يخنُق أسماك الكانكيج والدِبس والبُلطي، و الداشكوق أبْ سَنابْ ، يخرج من مأمنه ليبرطع في حيضان الذُرة التي غمرتها المياه، فيكون صيداً سهلاً، لكن حذاري من تلك الشوكة القوية التي يحملها على ظهره ، فهي قاصمة، إذا ضربك بها.

النيل “يِكْرُبْ زِنْدِه” في هذا الأوان من كل عام ، وبالتجربة الطويلة مع هذا النهر العظيم ، فطُنَ اهل الوادي، إلى أن منسوب مياه النهر إذا شهدت ارتفاعاً ليلة  الأمس ، الثامن عشر من أغسطس، فهذا معناه أن الفيضان سيكون كبيراً. هكذا، ومُنذُ أمدٍ بعيد كانت للترابلة أحْبَاسُهم وللدولة أحْباسُها.

الأحباس المُعترف بها رسمياً في السودان تتواجد عند الخزانات، في سنار والروصيرص وجبل الأولياء، وعند محطة الخرطوم، وهي أحباس تعطي قياسات دقيقة لمنسوب المياه في النهر، لولا أن قراءتها تخضع في كثير من الأحيان، لأهواء مركزية الدولة.

 أما الأحباس عند الترابلة على ضفاف النيل، فهي خطوط الجروف المتدرجة، تحت ظِلال أشجار النخل  والسُّنُط، وجضول الجُمّيز التي زرعها الانجليز عند محطات البواخر على طول الشاطيء، من كرمة وحتى كريمة. الأحباس عن سكان الجزاير، أن يغطس طرف جزيرة الـ “سّاب” عن آخره في ماء الفيضان..”والله كم نَخَلاتْ تهفهف فوق جروف السّاب ، وبقرة حلوبة تِتْضرَّع ، وليها ضرِع..تخدِّرْ في بِلادي سلام”!.

السّاب في رُطانة النُّوبة، التي يصعُب نقلها إلى العربية، هو طرف الجزيرة المُنسرِب مع التيار، والذي يأخذ شكل مثلث حاد الزاوية ، يتهدّل من أعلى الى أسفل بلطمات الموج.. تخيّل هذه الكلمة المكونة من ثلاثة أحرف “سّاب” ، تعني كل هذا الاسهاب باللغة العربية، وربما أكثر!.

جروف السّاب تتجدد كل عام مع الفيضان الهادر، الذي ينزع غطاء الجروف القديم و يجدده بـ “الكُرْكَتِّي”، وبذلك تكون جروف الشمال هي أخصب أطيان الأرض، ولذلك يقول الناس عن تلك الأطيان ، أنّك “لو زرعت فيها زول يقوم”!.

 “الكُرْكَتِّي” معناها بالنوبية ، الطّمي الجّاف المُتشقِق، الذي كان طيناً، يذرفه النيل على الضفاف. هذا التكوين اللّزِج، أو ذاك “الحمأ المسنون” هو خلاصة رحلة نهر النيل الطويلة من مجاهل أفريقيا وهضابها إلى المصّب، عبر رمال وصخور الصحراء.. ثروة لا تعادلها ثروة ، لربما يأتي علينا زمان، نستخرجها إلى أسواق العالم، بتراب القروش!.

على ضفة النيل في أيام الفيضان حياةٌ كاملة، بمراكبها وعبيرها و طنابيرها وشواؤها.المُرَاحات سعيدة بنبات “الدِفرة”الناعم، الذي هو أشهى عشب لإدرار ضروع البهائم، و شيمة الماء تعوي في صُرّة البحر، وحول مجراه العنيد تربُضُ الأرض السمراء كأنها بلقيسٌ أُخرى، تكْشفُ عن ساقيها.

حتى الصحراء تشارك في هذا المسور و ترنو الى الضفتين، ويغادر أطرافها المحل. ويَاما تحت السّواهي دواهي..تحت سّواهيها تختبيء دواهٍ تتعذى السّموم..دواهٍ تحملها تلاقيح الهبوب وتعكننها الرطوبة..الدنيا مغارِبْ، فأحذروا دهيّات المغارِب. أحذروا الهترشة، فللنيل عاداته..يفيض علينا ماءه ، وتبرُق فينا  بروق الصعيد بالبُشارة والنّذارة، ومع ذلك يفاجئنا الخريف! مع ذلك يجف حلق مقرن النيلين..أركويت والثورة والسّلمة ، أُمبدّة  والدروشاب والكلاكلة..كل هذه الاحياء الخرطومية، تَصنقِع ، وتدنقِر، وتموت من العطش!.