خالد فضل

  انفضّ سامر جولة التفاوض بين حكومة السودان ؛تُقرأ في الواقع  _مجموعة من ربائب وخوالف الحركة الإسلامية السودانية _ والحركة الشعبية لتحرير السودان /شمال , من جهة وحركتي العدل والمساواة وجيش تحرير السودان/مناوي من جهة أخرى , وكما هو معلوم علّقت وساطة السيد مبيكي أجل التفاوض في أديس أبابا الإثيوبية  إلى وقت غير محدد إثر فشل تلك الجولة في إبرام  إتفاق بين الأطراف حول مسألة حيوية وحسّاسة جدا هي توصيل الإغاثات والمساعدات العاجلة للضحايا من المواطنين في مناطق النزاع المسلح , وهم بعداد بضعة ملايين من البشر فيهم النساء والأطفال والشيوخ والمرضى وذوي الإحتياجات الخاصة , جلّ هولاء الضحايا من المواطنين السودانيين المسلمين , بل من أكثر المجموعات تمسكّا بالشعائر الإسلامية خاصة الصيام والصلاة , نقول هذا لمن يعبّر عن وجهة نظره من زاوية وصم الحركات السياسية المسلحة بممالاة الكافرين ! لقد ارتبط هذا الأمر بإتفاق لوقف العدائيات أي الأعمال الحربية بين الأطراف المتحاربة حتى يتسنى القيام بهذه المهمة الإنسانية العاجلة , وبالفعل فإنّ بيانات كل طرف من أطراف التفاوض قد علّق مسؤولية الفشل على الطرف الآخر , بيد أن ما نُسب إلى الوسطاء , يفيد بتعنُّت الأطراف , وخاصة حركتي العدل والمساواة وجيش تحرير السودان فيما يتعلّق بمسار دارفور , والحكومة السودانية في مسار المنطقتين .

  هذه إذا صورة الجولة الفاشلة من المفاوضات , كيف يرى المواطن السوداني هذه الصورة عبر وسائط الإعلام السودانية , التلفزيون والإذاعة كما هو معروف لا يعبران عن مختلف توجهات  الرأي العام  السوداني , بل يتحدثان بلسان الحكومة , وتحذو حذوهما القنوات ومحطات الإف إم المسماة خاصة وما هي بحرّة عن قيود الحكومة , أمّا الصحافة الورقية ففيها يتجلى الجبروت السلطوي في أسطع ممارساته , نُشرت أخبار في بعض المواقع الإلكترونية عن توجيهات شفهية لرؤوساء التحرير بمنع نشر أي أخبار أو حوارات مع المتفاوضين الآخرين , فيما تُعقد المؤتمرات الصحفية وتُدعى وسائط الإعلام لسماع ونشر وجهة نظر المفاوض الحكومي , لتخرج معظم صحف الصباح بخط رئيس واحد مفادة أنّ الحركات المسلّحة هي التي أجهضت المفاوضات , ثمّ يُكمل باقي المونولوج ببعض أعمدة الرأي .

  قرأت ثلاث مقالات في بحر الإسبوع المنصرم لثلاثة كُتّاب مهمين في تقديري , الأساتذة ضياء الدين بلّال ومصطفى البطل في السوداني , وعثمان ميرغني في التيّار , خلاصة ما عبّروا عنه من رأي لا يعدو ما قاله وفدا الحكومة بتحميل الحركات المسلّحة وزر سقوط الجولة في جُب الفشل . ما هي الحيثيات التي استندوا عليها ؟ لم يكن في وسع السادة الكُتّاب الكرام التملّي فيها , المهم عند ضياء أنّ عرمان متناقض بين حواراته الشخصية الخاصة ومايكرفونات وفلاشات الإعلام . كما أنّ خطابه الإعلامي مستفزّ خاصة للإسلاميين ! لا أدري هل مشكلة صديقنا ضياء مع الخطاب المستفزّ أم مع الممارسة الأكثر إستفزازا المستمرة دون إنقطاع منذ أكثر من 27عاما حاق ببلادنا ما حاق مما لا يحتاج لكتابة . وقريبا من هذه الحالة المتناقضة التي لاحظها ضياء أذكر أنّ أستاذا جامعيا مرموقا كان قد حدّثني ذات يوم عن شخصية د. نافع علي نافع عندما كان في أوج صولجانه , قال لي إنّ نافع عندما يجلس إلى أصدقائه وزملائه في الجامعة يكون شخصا آخر غير نافع (لحس الكوع) . كما أنّ صحافية سودانية كانت قد كتبت مقالا قبل سنوات رسمت فيه صورة حميمة جدا للرئيس البشير في منزله مرتديا العرّاقي والسروال طويل , يلاطف أطفال العائلة ويوادد شقيقاته . ليس هنالك غضاضة في أنْ يكون نافع متفهما وواعيا بخطل ممارسته للسياسة , كما ليس هناك عيب في كون البشير (كمعتو قريبة ) تجاه عائلته , مثلما ليس مهما أنّ عرمان ودود جدا وحبّوب مع أصدقائه ومنهم ضياء , ما يهمّ في تقديري هو ممارسة هولاء السادة لحبّهم وودادهم وحنيّتهم فيما يليهم من مسؤوليات في الحياة العامة طالما قبلوا بأداء أدوار فيها , فعرمان (المستفز) بخطابه يقول من الآراء السديدة والمسؤولة ما لم ينطق به لسان البشير وغيره من جوقة السلطان, ولهذا كان عرمان يمثل أملا حقيقيا لسودانيين كُثر إلتفوا حول برنامج  الأمل والتغيير في انتخابات 2010م . ومن ضمن من إلتفوا حول البرنامج لا الشخص , مبدعين في قامة عالم عبّاس الشاعر الفذّ وعبدالعزيز بركة ساكن الروائي المرموق , هذان المبدعان ظهرا في مفاوضات أديس الأخيرة كخبراء وطنيين مستشارين إلى جانب وفد الحركة الشعبية ,وبدعوة من الوساطة,  مما أثار حفيظة الأستاذ البطل فطفق يرسم بكلماته الساحرة صورة مأخوذة من تسجيل صوتي منسوب للناطق الرسمي باسم ملّف التفاوض مبارك أردول فحوى المحادثة بينه وشخص آخر اسمه علي أنّ الحركة لا تكترث بحلفائها عند زنقة التفاوض . قبل أنْ يعرج إلى تكذيب مزاعم هذين السيدين اللذين أفصحاء عن صفة حضورهما للتفاوض , مُشيرا إلى منظمة مغمورة في سويسرا هي التي تنظم هذه الدعوات , دون أنْ يغفل الإستشهاد بواقعة إعتذار د. خالد التجاني النور بإعتباره (كوز مقرّم) عن المشاركة بذات الصفة في جولة سابقة … إلخ , في الواقع لا السيد ضياء ولا البطل أشارا إلى دور ما للحكومة في إبطال مفعول جولة التفاوض . كما أنّ ثالث من نعلّق على طرحهم في صحافة الخرطوم عثمان ميرغني _ أعادت التغيير الالكترونية نشر مقاله في الأيام الفائتة _ قد أشار هو الآخر إلى ما طرحه ياسر عرمان حول هيكلة الجيش السوداني ليصبح جيشا للسودانيين قاطبة وليس أداة ترويع لبعضهم على الأقل , ودون أنّ يُسمي ذاك الطرح أنشأ الباشمهندس معلّقة في الغزل مُزدانة بالنياشين . وقد كفانا مولانا القاضي سيف الدولة حمدنا الله عبد القادر مؤنة التعليق بقوله إنّ الجيش الذي قصده عثمان لابدّ أنْ يكون هو ما حكى مولانا من شذرات عن سيرته , ولعلّ ياسر عرمان نفسه يقصد بإعادة هيكلة الجيش كما رسم صورته سيف الدولة حمدنا الله , وبالتالي لا يصبح ذلك الأمر تدخُلا سياسيا فاحشا كما حاول عثمان تصويره .

  أمّا خلاصة الهيلمانة فقد جاء بها قائد قوات الجنجويد (الدعم السريع حاليا ) حميتي أو حميدتي الذي تسبقه رتبة (اللواء) ولا أدري هل يقال عنه (لواء دعم سريع) أم لواء ساي مثل (اللواء أحمد الباقر أحمد) أو (اللواء أحمد عبدالوهاب ) …..إلخ , المهم أنّ ذاك اللواء بحسب ما نشرته صحيفة آخر لحظة وقرأته منشورا في الزميلة الراكوبة قال إنّهم لن يسمحوا بوجود جيشين في البلد , وشهر12 الجاي حيجيب ناس الحركات المسلحة لأنّهم بعرفوا المرض البكتلم . ما شالله , ما رأي السادة ضيا والبطل وعثمان في تصريحات اللواء حميدتي ؟؟؟؟؟؟؟ هل أصابته عدوى عرمان أمام المايكرفونات ؟ أم تراه يأمل في دعوة مثل عالم عبّاس وساكن على رأي البطل ؟ أم أنّ اللواء سياسي خائض في (إلّا جيشنا ) عند عثمان ؟ وغاية ما نخشاه على بلادنا وشعبنا ليس الحرب والجوع والفقر فقط بل المصيبة تكبُّر عندما يغيب التنوير والوعي من مظانه حتى ليحسب المرء أنّ جوقة السلطان ممتدّة إلى مدى غير معقول , والله غالب .