عيسى إبراهيم *

* في عددها الصادر بتاريخ الأربعاء 17 أغسطس 2016 من صحيفة السوداني كتب الدكتور عبداللطيف البوني في عموده ذائع الصيت “حاطب ليل (في عنوان العمود اعتذار مبطَّن بعشوائية التحطيب الليلي، وإلا لكان حاطب نهار ينتقي “حطبه” في “تحطيبه” بدقة)”، وعنونه بـ “ديمقراطية وبس” وتناول فيه كتاب الكاتب الصحفي عادل إبراهيم حمد، وصف البوني الكاتب بعمق التحليل الناجم من نظرة ثاقبة، واعتذر البوني عن عدم وصفه بالمفكر لأن الكلمة – في رأي البوني – أصبحت مبتذلة، وعن الكتاب قال البوني أنه تناول فيه الكاتب أحداث السودان المعاصرة بالرصد والتحليل والرأي (رغم أن الكاتب تناول الأحداث في قالب روائي من خلال شخوصه المبتكرة – حسب “بونينا”)، سبق البوني في تناول الكاتب والكتاب المعني الكاتب بابكر فيصل بابكر في نفس اتجاه البوني، وكال له المدح “حبتين”، ونشر كتابته في صحيفة التغيير الالكترونية بتارخ الخميس 11 أغسطس 2016، وكرر النشر في صحيفة سودانايل الالكترونية في ذات التاريخ، ونسألهما مع الكاتب: هل تناول الكاتب مباشرة، أو من خلال شخوصه المستنطقين، كتاب الأستاذ محمود محمد طه “زعيم جبهة الميثاق في ميزان 1ـ الثقافة الغربية 2ـ الاسلام”  ردا على كتاب الدكتور حسن الترابي “اضواء على المشكلة الدستورية” وهو (ونعني كتاب الأستاذ محمود) من صميم ما كتب في تناول حل الحزب الشيوعي آنذاك، وفي نقد رأي دكتور الترابي (يرحمه الله) كفقيه دستوري، والذي من الممكن (أي كتاب الأستاذ محمود) ان يعتبر مرجعا لكل باحث في مجال الحقوق الاساسية، والدفاع عن الديمقراطية!!، فإن لم يتناول الكاتب الكتاب المشار إليه للأستاذ محمود – رغم أهميته في مجال كتابة الكاتب – فما هو وجه اشادتكما به وأنتما كاتبان متابعان للسياسة السودانية (أو يفترض ذلك) فعالية ونشراً!!..

* يقول البوني: “الفكرة الرئيسية في الكتاب هي أن الديمقراطية هي الحل مهما تعثرت ومهما استغلت”، ونقول للبروف البوني: الديمقراطية إذا استُغلت أو تعثرت فلن تكون ديمقراطية!، والديمقراطية تتناسب طرداً وعكساً مع وعي المشاركين فيها!، يواصل “بونينا” ليقول: “والأغرب من كل هذا أن تجربة الديمقراطية في السودان أثبتت أنها سوف تنتقم بكل من يسفهها أو يتلاعب بها”، ويضيف مستظرفاً: (هذه من عندنا)، وقال إن المؤلف أثبت أن كل من تهاون في أمرها واستخف بها وفضل عليها غيرها سوف تلحقه أمات طه، وضرب المثل بشيوعيي مايو، والأستاذ محمود، والترابي، وبابكر عوض الله، ولم يستنكف لا المؤلف ولا البوني أن كل ذلك حدث في عهود شمولية وليست ديمقراطية “مايو والانقاذ”!!..

* يقول البوني: “نفس الشيء حدث مع الأستاذ محمود محمد طه الذي رحب بمقدم مايو وإنهاء الديمقراطية بحجة أن مايو سوف تختصر الزمن في القضاء على الطائفية وبدايات ظهور الدولة الدينية ممثلة في الدعوة للدستور الاسلامي، ولكن ذات مايو (يقول البوني) لأنها كانت بدون كابح ديمقراطي دارت على الجمهوريين فأعدمت محمود محمد طه وهو في مرحلة الشيخوخة”، هذه أغاليط يا بوني كنا نربأ بك أن تنزلق إلى متاهاتها، وأنت الباحث في المجال السياسي، وها نحن ننقل لك من تلافيف ديمقراطيتك ذات الكوابح التآمر السافر – من الكبار في العهد الديمقراطي المزعوم – على الأستاذ محمود من كتابات الأمين داؤد الذي ينقل في كتابه: “نقض مفتريات…” خطاباً من الفاضل بشرى المهدي أحد أعضاء مجلس السيادة قبل أسبوعين من محكمة الردة في دعوة صريحة لإيقاف محاضرات الأستاذ: “وأرجو أن يتخذ الاجراء الرادع ضده”، وتقول صحيفة الرأي العام (14 نوفمبر 1968): “ونود أن نؤكد أن العميد بالانابة (معهد المعلمين العالي) قد اجتمع بالطلاب وأبلغهم اعتراض الرئيس الأزهري على المحاضرة وطلب منهم الغاءها وأنهم أصروا على تقديمها وقدموها بالفعل”، ونقول للبوني بلا مواربة: الأستاذ محمود لم يرحب بمايو لإنهائها الديمقراطية وإنما رحب بها (حين جاءت في ساعة الصفر ولم يأت بها محمود) لأمر أجل وأخطر من ما تقول يا بوني (وإنت ما “بيغباك” السبب فقد أشرت إليه ولم يسعفك تخصصك السياسي لتقف عنده وتعظم من خطورته لأمر في نفسك أو استهانة بخطورته، فقد قلت: “وبدايات ظهور الدولة الدينية ممثلة في الدعوة للدستور الاسلامي”، فإنها لا تعمى الأبصار!)!!..

* لقد جاءت مايو في ساعة الصفر (كما نقول) فقد مر ما يسمى بـ “الدستور الاسلامي – عند الأستاذ محمود هو الدستور الاسلامي المزيف”، بمرحلة القراءة الأولى إلى مرحلة القراءة الثانية إلى الاجازة النهائية (لذلك حين نقول في ساعة الصفر لا نقول ذلك عبثاً يا بوني، فاجازته ستكون بأغلبية ميكانيكية تملكها الطائفية “الأمة والاتحادي وربيبتهما الاسلاموية” بحجم 82% من حجم الجمعية التأسيسية) مصحوباً بغوغاية حكامنا، قال الأزهري (عليه الرحمة) مزايداً على الدستور المزعوم: “إذا الجمعية ما أجازتو حَ أنزل الشارع لأجيزو”!، وقال الإمام الهادي: “إذا الجمعية ما أجازتو حَ نجيزو بالقوة”!، وكانت الطائفية بقطبيها ومعهم ربيبتهما الحركة الاسلاموية بقيادة الترابي (يرحمه الله) يهدفون باجازة هذا المسخ المشوه من الدستور المزيف للجمع بين السلطتين الزمانية والروحية في أيديهم يا بروفسيرنا العزيز يا بونينا (دي فاتت عليك كيف؟!)، وموقف الأستاذ محمود والجمهوريين هو موقف من يختار بين أخف الضررين، بين “الملساء” و”الكوكابا”، وكنا كتبنا ونشرنا من قبلُ: “الاستبداد بين “الملسا” و”الكوكابا”: الطرفة تقول: إن درويش المهدية حينما أدرك طريدته المستيقنة من الموت التفتت إليه مستحلفة له: “عليك الله بالملسا”، وللذين لا يعلمون “الملسا” و”الكوكابا” نقول هي حربة ذات رأسين أحدهما أملس والآخر مشرشر. وحين نقول لصديقي دكتور محمد الذي وصف مايو بالاستبداد: الفرق بين استبداد مايو واستبداد الطائفية هو الفرق بين “الملسا” و”الكوكابا” فاستبداد مايو علماني ومقدور عليه من حيث امكانية كشفه بسهولة، أما استبداد الطائفية فيلتحف الدين وكشفه “عويص” في حين أن كليهما استبداد فانظر هداك الله!” (في حوارية المثقف والسلطة أو جدلية الفكر والواقع – الجمهوريون ومايو جرد حساب – عيسى إبراهيم – نشرت في أربعة مقالات بصحيفة الأحداث السودانية يناير 2008).

* يقول بابكر فيصل مفسراً رأي عادل إبراهيم الكاتب في الأستاذ محمود في قضية الديمقراطية حيث ينسب له أنه “صمت عن كل جرائم مايو ولم يتأسف كثيراً على قتل الشيوعيين وذبح الأنصار“، ونقول: ماذا كان في مقدور الأستاذ محمود فعله ولم يفعله؟، هل كان في امكانه منع هاشم العطا من الانقلاب على مايو؟!، أم كان في امكانه منع الأنصار من مقاومة نظام مايو والتصدي له في ود نوباوي أو في الجزيرة أبا، إن التعبير عن موقف الأستاذ بكلمتي “الصمت عن جرائم مايو وعدم التأسف على قتل الشيوعيين وذبح الأنصار” هو قول يتجنب الحق ويجانب الحقيقة، ولا يشبه الأستاذ محمود من قريب أو من بعيد وكفى!، فقد كان الأستاذ محمود حين تنشر مايو أو تذيع وتقول: قتلنا أحد عشر من متمردي الجنوب وقتلوا منا أربعة، يقول: “قُتل خمسة عشر سودانياً”، أما القول بأن الأستاذ كان خارقاً أو ذا صلة بالسماء والغيبيات الأمر الذي حال بين التلاميذ وجدال استاذهم في تناقضه بين دعوته للحرية وقبوله اقصائية مايو، فهو رجم بالغيب، وقول ملقى على عواهنه، فالأستاذ مع تلاميذه كان صاحب شريعة واضحة وعقلانية في كل شيء، وتاريخ الأستاذ بشواهده في الفكر المسدد في تأييده ما يؤيد بعلم، ومعارضته ما يعارض بعلم، وحين خرج من المعتقل مع تلاميذه في 19 ديسمبر 1984 قال بالحرف (سمع أضاني): “لقد خرجنا لنواجه مؤامرة بتستهدف حياتنا ونحن ما مبالين، لا يمكن للانسان أن يرى الشيخ الكبير يجلد، والمرأة الحامل تجلد، والطفل يقطع، ويجلس في بيتو مطمئن لدينو”، وأخرج منشوره “هذا أو الطوفان” الذي هو آية في مناصحة الحاكم، ومضى غير هيابٍ ولا وجل!!، قال الصادق المهدي أنه (أي الصادق) فطن إلى المؤامرة فلم يبلع الطعم، وأن الأستاذ محمود بلع الطعم، فأي الموقفين يليق بفحولة الرجال في المعارضة أو الانزواء؟!..         

 

*eisay@hotmail.com