نبيل أديب عبدالله

المنظمات غير الحكومية هو تعبير شاع إستخدامه مؤخراً بسبب الزيادة الكبيرة في تلك المنظمات، والأهمية المتزايدة للدار الذي تلعبه في حياة المجتمعات المختلفة. تعبير المنظمات غير الحكومية قد لا يعبر بشكل دقيق عن المعنى المقصود منه، لأن المعنى المراد لا يشمل في واقع الأمر كل المنظمات غير الحكومية، وهو ما جعل البعض يستخدمون تعبير منظمات المجتمع المدني، ولكنه أيضاً تعبير يضم منظمات لا تدخل ضمن المعنى المقصود.
نقصد بمصطلح المنظمات غير الحكومية هنا، نفس المعنى الذي أضفته عليه الأمم المتحدة، وهو كل التنظيمات الخاصة، المستقلة عن سيطرة الحكومة، والتي لا تهدف لتحقيق الربح، ولا تشكل تنظيم إجرامي، ولا يمكن تصنيفها بإعتبارها مجرد تنظيم سياسي معارض. وهذا التعبير كما نرى يضم كل التنظيمات التي تشغل الفضاء بين الدولة والأسرة، بغض النظر عن نوع النشاط الذي تمارسه بعد أن أخرجنا عنها التنظيمات الثلاث السابقة الإشارة لها، وهي الأحزاب السياسية، والمنظمات الإجرامية، والتجمعات الربحية. تختلف الأنشطة التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية بحسب الأغراض التي تسعى لتحقيقها، وهي في الأغلب أغراض بيئية، أو تنموية أو ثقافية، أو تتصل بالحوكمة (حقوق الإنسان والحريات العامة) أو بالأغراض الإنسانية (الإغاثة والمنظمات الخيرية)
إكتسبت هذه المنظمات دوراً بالغ الأهمية عقب الحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع إنشاء الأمم المتحدة، والتي تم في أروقتها صك تعبير المنظمات غير الحكومية، والإعتراف بأهمية الدور الذي تلعبه. كنتيجة لإعترافها بدور تلك المنظمات أتاحت لها الأمم المتحدة صفة مراقب في بعض وكالاتها المتخصصة، مما مكنها من حضور جلسات تلك الوكالات، والإسهام بدور رئيسي في صياغة قراراتها.
منظمات المجتمع المدني و تعزيز سيادة حكم القانون والديمقراطية
لعبت منظمات المجتمع المدني دورا هاما جدا في تعزيز سيادة القانون والديمقراطية في الدول المتقدمة، ونشر تلك المفاهيم في العالم النامي. تؤكدالمذكرة التوجيهية للأمين العام للأمم المتحدة الإرتباط بين تلك المنظمات والديمقراطية عندما تذكر ” المجتمع المدني النابض بالحياة والذي يعمل بحرية، ومسؤولية والمنظم تنظيما جيدا، أمر ضروري للديمقراطية. هذا يفترض دورا نشطا للمنظمات غير الحكومية، وجماعات الإصلاح الديمقراطي، وجماعات حقوق الإنسان والتجمعات النسوية والشبابية، والنقابات، وممثلي الأقليات، والجمعيات المهنية، والجماعات المحلية وجمعيات تنبيه المجتمع وغيرها. هذه الجماعات قدمت تاريخيا مساهمات هامة في صياغة مبادئ الحقوق الديمقراطية، ومناصرتها، والدفاع عنها. كذلك فإن ضمان حرية وسائل الإعلام لكي تؤدي دورها الأساسي، وضمان حق الجمهور في الحصول على المعلومات أمر بالغ الأهمية للعملية الديمقراطية. الأمم المتحدة تساعد بهمة وتدعم هذه العناصر الحيوية للمجتمع “.
وأكد مجلس حقوق الإنسان ــ وهو المجلس الذي كونته الأمم المتحدة ليقوم بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في العالم ــ أكد في قراره 21/16 (أكتوبر 2012) والقرار 24/5 (أكتوبر 2013) على الدور الحاسم للحق في حرية التجمع السلمي والتنظيم بالنسبة للمجتمع المدني، واتلذي يُسهّل بدوره تحقيق مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وشدد أيضا على أن احترام الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، فيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني، يمكنها من أداء دورها في مواجهة ومعالجة التحديات والقضايا التي تهم المجتمع، مثل البيئة، والتنمية المستدامة، ومنع الجريمة، والاتجار بالبشر وتمكين المرأة، والعدالة الاجتماعية، وحماية المستهلك، وتحقيق جميع حقوق الإنسان.
منظمات المجتمع المدني في العالم الثالث
وهكذا نرى أن الأحكام الدستورية المتصلة بحقوق الإنسان، هي الركيزة التي تسمح للمنظمات غير الطوعية بأن تؤدي دورها، وهو دور من شأنه تحقيق ما تصبو إليه الحكومات في الدول النامية، حيث تعمل تلك المنظمات من جهة على تعزيز مشاريع التنمية، ومساعدة الدولة في القيام بواجباتها نحو مواطنيها، من إغاثة للمتضررين من الكوارث، وتحقيق العدالة الإجتماعية وغير ذلك من المهمات التي تجد الحكومات صعوبة في تحقيقها في العالم الثالث، نتيجة لشح الإمكانيات المالية. ومع ذلك فإننا نجد أن العلاقة بين الحكومات ومنظمات المجتمع المدني في دول العالم الثالث، هي علاقة غير سلسة. وربما كان السبب في ذلك هو أن تلك الدول وهي حديثة عهد بالديمقراطية ما زالت متأثرة بالتقاليد غير الديمقراطية التي كانت سائدة في مجتمعاتها، قبل وأثناء الحكم الإستعماري. لذلك فإننا نجد أنه غالباً ما تضجرالحكومات بنشاط تلك المنظمات، و تستريب في أهدافها مما ينجم عنه فرض رقابة عليها تؤدي لعرقلة عملها. وهو أمر تعاني منه على وجه الخصوص المنظمات غير الحكومية المعنية بمسائل الحوكمة، والتي تتصل مشاريعها وأنشطتها بالدعوة لترسيخ مبادئ سيادة حكم القانون، وحقوق الإنسان، وهي أنشطة تتعارض في بعض الأحيان مع قوانين قمعية ما زالت سارية في تلك الدول، ومع بعض ممارسات أجهزة تنفيذ القانون، والتي ما زالت تستخدم اليد الغليظة في تعاملها مع الجمهور. ورغم أن دول العالم الثالث تتبنى في دساتيرها المبادئ العالمية في حقوق الإنسان، إلا أنها في واقع الأمر ما زالت حكوماتها متأثرة بالتقاليد السلطوية، ولا يزيد إعترافها بحقوق الإنسان عن إعتراف مظهري يتم إفراغة من محتواه. من الجهة الثانية فإن المنظمات التي تعمل في مجال حقوق الإنسان، كسائر المنظمات في الدول النامية، تعتمد على دعم اجنبي، بسبب شح مصادر التمويل الوطنية، وهو ما يسهل على الدول التي تخضع لأنظمة سلطوية أن تتهمها بالعمالة للأجانب. ويقفز إلى الذهن مباشرة دور منظمات المجتمع المدني فيما هو معروف بالثورة البرتقالية في أوكرانبا، حيث أدى تزوير الإنتخابات في نوفمبر 2004 إلى سلسلة من الإحتجاجات والمسيرات، قادتها منظمات المجتمع المدني، أدت في النهاية لقرار من المحكمة بإبطال نتيجة الإنتخابات، وإعادة التصويت مرة أخرى، مما إعتبر نجاحاً للإنتفاضة. كان الأثر المباشر لذلك هو قرار رئيس جمهورية روسيا فلاديمير بوتين، بمنع حصول المنظمات العامة على دعم أجنبي. وفي عام 2012 فرض على المنظمات غير الحكومية التي تحصل على دعم أجنبي وتمارس أنشطة سياسية، أن تتسجل كوكيلة لجهة أجنبية، وهي مسألة تعيد إلى الأذهان المكارثية في أمريكا، في مطلع الخمسينات، حين قامت اللجنة التي كونها الكونجرس تحت قيادة السناتور جوزيف مكارثي بإشاعة جو من الإرهاب بدعوى وجود مؤامرة شيوعية لقلب نظام الحكم بتأثير أجنبي، يشارك فيها سياسيون وكتاب وفنانون وعلماء. وكان أشهر ضحاياها الزوجان روز نبرج واللذان تم إعدامهما بتهمة التجسس لصالح الإتحاد السوفيتي بتأثير من جو الإرهاب الذي أشاعته اللجنة.
المنظمات غير الحكومية في القانون السوداني
المنظمات غير الحكومية ينظم تسجيلها وتكوينها عدد من القوانين، من بينها قانون الشركات الذي يتظم تكوين الشركات غير الريحية ( الشركات محدودة المسؤولية بالضمان)، وقانون التجمعات الثقافية. ولكن القانون الذي عهد له المشرع بشكل أساسي أن ينظم الأسس التي تحكم تأسيس وتسجيل وعمل المنظمات غير الحكومية، هو قانون العمل الطوعي والإنساني السوداني لعام 2006 (VHWA) والذي صدر في أوائل عام 2006 عندما كانت البلاد تمر بمرحلة إنفتاح سياسي نتيجة لتوقيع اتفاقية السلام الشامل، واعتماد الدستور المؤقت في عام 2005. كان يفترض أن يكون إصدار قانون العمل الطوعي والإنساني (VHWA) بداية لعملية واسعة تهدف إلى إصلاح القوانين لجعلها متوافقة مع الدستور والجو الديمقراطي الذي كان الجميع يتوقع أن يسود. ومع ذلك، سرعان ما أصبح من الواضح أن قانون العمل الطوعي والإنساني لعام 2006، والهيئة التي كونها للإشراف على وتنظيم حركة المنظمات الطوعية، لم تكن ما كان المجتمع المدني يبحث عنه. لم يكن هذا هو كل نصيب المجتمع المدني من خيبة الأمل فقد تبين للجميع أن حركة الإصلاح القانوني بغرض مواءمة القوانين مع الدستور، والتي هي أحد أهم الإستحقاقات الدستورية، ليست من أولويات أجندة حكومة الوحدة الوطنية، هذا إذا كانت في الأساس ضمن أجندة تلك الحكومة. وهكذا ظل التصادم بين الحريات الدستورية التي يجب أن يتمتع بها المجتمع المدني، وفقاً لأحكام الدستور الانتقالي، وبين الأحكام ذات الطبيعة القمعية في القوانين، تنتج توترات بين أجهزة تطبيق القانون، وبين المجتمع المدني، وهي توترات كان يتم حلها بتدخل سياسي يهدف للإحتفاظ بالمظهر الديمقراطي دون رغبة حقيقية في تعديل القانون لصالح الحريات الدستورية. ورويداً رويداً تم تجاهل المبادئ الدستورية لصالح القوانين السائدة، والتي إستخدمت للتضييق على المجتمع المدني بشكل سافر إعتباراً من نهاية 2012 وحتى إشعار آخر لم يصدر بعد.
تواجه المنظمات الطوعية كثيراً من الصعوبات بسبب القوانين التي تحكم عملها وأولها هو قانون العمل الطوعي والإنساني السوداني لعام 2006 والذي سنفرد له مقالنا القادم بإذن الله ولكننا هنا ننظر لمسألتين وهما الخلط بين العمل السياسي والعمل الحزبي، وحرية نشر المعلومات.
العمل السياسي والعمل الحزبي
لابد من التفرقة بين السياسة بشكل عام، وبين العمل الحزبي. فالسياسة تشمل المسائل المتصلة بأصول واشكال الحكم، وعمل السلطات المختلفة في الدولة، وعلاقات الدولة بالدول الاخرى. وهذا يشكل جزء أساسي من إهتمام المنظمات غير الحكومية، أو منظمات المجتمع المدني، خاصة تلك التي تعمل في مجال الحوكمة Governance . ولكن العمل الحزبي هو تنفيذ تكاليف لصالح حزب معين، وذلك بسبب الإنتماء السياسي له، وهذا لايجوز لمنظات المجتمع المدني التورط فيه. أما وقد قلنا ذلك، فلا بد من أن نسارع فنقول أن هذه القاعدة كسائر القواعد تحمل أستثناءات، كما وأن هنالك بين المنطقتين توجد مناطق ملتبسة، فالحزب السياسي مثلاً يجوز له أن ينشئ منظمة مجتمع مدني تابعة له، مثل ان يكون مجموعة أدبية، أو فنية تابعة له، تؤدي خدمات ذات طبيعة حزبية، ولكن مثل هذه التنظيمات هي جزء من التكوين الحزبي، ورغم أنها تدخل في مجال نشاطات المجمتع المدني، إلا أنها لاتعتبر منظمة غير حكومية بالمعني الذي نتحدث عنه، ولا تخضع للقوانين التي تنظمها.
كذلك فأن المنظمة غير الحكومية أو منظمة المجتمع المدني، قد تتفق أهدافها مع طرح معين لحزب أو آخر في نقطة معينة. ومن ذلك مثلاً إذا تبنت منظمة من المنظمات المعنية بالحوكمة طريقة معينة للإنتخاب، أو الوصول الى البرلمان، كالتمثيل النسبي مثلاً أو التمييز الإيجابي، كتبني حد ادنى من العضوية للنساء، أو دعوة لإلغاء تشريع معين، أو تبني أحكام تشريعية محددة، وكان ذلك هو نفس مايتبناه حزب أو أكثر، يجوز لها المشاركة مع ذلك الحزب أو تلك الأحزاب في حملة مناصرة لذلك المبدأ، ولكن ذلك لايجب أن يصل لتكوين جهة سياسية دائمة مع ذلك الحزب.
حرية نشر المعلومات
تواجه المنظمات الطوعية العاملة في مجال الحوكمة كثيراً من الصعوبات فيما يتعلق بنشرها لمعلومات ترى الأجهزة الأمنية عدم جواز نشرها أو إتاحتها لجهات معينة. تتمثل حريتي الصحافة والتعبير فى حرية نشر الأخبار والآراء، و لا يمكن تحقبق ذلك يدون توفير الحق في تلقي المعلومات، لأن حرية نشر المعلومة يقتضى إتاحتها، و لأن الرأى السديد أساسه الإحاطة بمختلف الجوانب المتعلقة بالمسألة التى يتصل بها .
فإذا كنا بصدد الحديث عن حرية الصحافة، فإنه لا بد من أن نبدأ بحرية تلقى المعلومات، وأغلب ما يهم المواطن من معلومات يتوفر لدى الجهات الحكومية المختلفة، وهى معلومات يحتاجها الأفراد بشكل متفاوت، ولأسباب مختلفة ويجب أن تتاح لهم الفرصة في الحصول عليها. وهذا جزء من الحكم الراشد لأن الرقابة على عمل الحكومة يبدأ بحق المواطن فى معرفة ما تقوم به السلطات العامة، وهذا يقتضى إدارة شئون الدولة بشكل مفتوح، وقصر السرية على المسائل المتصلة بالأمن القومى مباشرةً، وأهم ما يميز الدول السلطوية عن الدول الديمقراطية هو أن الأولى تقيم ستاراً من السرية على ما يدور فى أروقة السلطة .
حماية المعلومات السرية
من الجانب الثاني هناك جزء مما تقوم به الدولة من أفعال، ومما يتاح لها من معلومات يجب أن لا يكون متاحاً علمه للجميع ،لأن في ذلك إضراراً بالدولة، وبمصلحة المجتمع الذي تقوم الدولة على حمايته، وهذا يقتضى تجريم إتاحتها لغير المأذون لهم بالإطلاع عليها.،ولكن لما كان الأمر يتصل بحرية محمية دستورياً، فإن ذلك التجريم يجب أن يقتصر على ما تقتضيه دواعى الأمن القومى، وأن يحدد القانون على وجه الدقة المعلومات التي لا يجوز الإطلاع عليها إلا للأشخاص المأذون لهم بذلك. وقد قام المشرع بحماية تلك المعلومات في مادتين في القانون الجنائي وهما المادة 51 والتي تعاقب على التجسس على البلاد والمادة 55 والتي تعاقب على إفشـاء واسـتلام المعلومات والمستندات الرسمية. ورغم أن كثيراً من المواد في القوانيين المختلفة تمنع نشر المعلومات السرية، إلا انها لاتحوي تعريفاً جامعاً مانعاً لتلك المعلومات، ولكن المادة (7) من قانون المركز القومي للمعلومات لعام 2010م تنص على إختصاص المركز، بوضع الأساس لتصنيف وتبادل المعلومات، والنفاذ اليها بين اجهزة الدولة، وتحديد الجهات التي يسمح لها بتداولها، والإطلاع عليها، وتأمين سريتها، وعليه فأنه لكي تكون المعلومة التي تم نقلها سرية يجب أن تكون مصنفة كذلك، بواسطة المركز القومي للمعلومات حتى يتم تجريم نقلها، لأن المعلومة إذا لم تكن سرية لا يكون هنالك سبب لمنع نقلها أو إتاحتها لأي جهة.
جريمة التجسس في القانون السوداني
تنص المادة (53) من القانون الجنائي علي مايلي “يعد مرتكباً جريمة التجسس ويعاقب بالإعدام  أو بالسجن  المؤبد  أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله من يتجسس على البلاد بأن يتصل بدولة أجنبية أو وكلائها أو يتخابر معها أو ينقل إليها أسراراً وذلك بقصد معاونتها في عملياتها الحربية ضد البلاد أو الأضرار بمركز البلاد الحربي , فإذا لم يكن التجسس بذلك القصد ولكن يحتمل أن يضر بالبلاد سياسياً أو اقتصادياً, يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز عشر سنوات أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً.”
ومن هذا النص يتضح أن المادة تتحدث عن صورتين مختلفتين تماماً من النشاط المتصل بنقل لمعلومات للدول الأجنبية : الصورة الأولى وهي الصورة الأساسية والتي تتعلق بنقل المعلومات التي من شأنها أن تعاون الدولة التي تم نقل المعلومات لها في عملياتها الحربية ضد البلاد، أو التي تؤدي إلى الإضرار بمركز البلاد الحربي. وهذه المسألة في الغالب تتم إما بدافع مالي أو سياسي، وهي مسألة تحدث ضرراً يجب مقابلته بأشد العقوبات. وهذه صورة لا صلة لنشاط المنظمات الطوعية بها وبالتالي فهي تخرج عن دائرة إهتمام هذا المقال.
أما الصورة الثانية فهي تتحدث عن نقل معلومات لدولة أجنبية يحتمل أن يؤدي نقلها إلى إضرار بالبلاد سياسياً أو إقتصادياً، وهي الصورة التي كثيراً مايلتبس الامر بشأنها لدى أجهزة القانون، ولذلك فمن المستحسن أن ننظر إليها بشكل أكثر عمقاً
ماهو المقصود بالإضرار بالبلاد إقتصادياً أو سياسياً؟ هنالك كثير من المعلومات إذا توفرت، لجهة أو أخرى يحتمل أن تضر بالبلاد إقتصادياً أوسياسياً، ولكنها لاتشكل أساساً للإتهام بالتجسس، لأن المعلومات المنقولة ليست من قبيل الأسرار. ولا بد هنا من التفرقة بشكل واضح بين البلاد وبين الحكومة القائمة. وأساس التجسس هو نقل المعلومات ذات الطبيعة العسكرية لدولة معادية ولكن نادراً مايقتصر التجريم على ذلك فأغلب الدول تحرص أيضاً على حماية أسرارها والتي قد تكون ذات طبيعة عسكرية متي ماكان إفنشاء تلك الاسرار قد يضر بمصالح الدولة. وهنا كثيراً ماتختلط الأمور لدى أجهزة تنفيذ القانون حين توسع في ذهنها دائرة التجريم بحيث تشمل محاولة حماية الحكومة القائمة من اي نوع من النقد لتصورها أن ذلك يضر بمصالح الدولة لهذا فلابد من أن يتم تحديد المسائل بشكل واضح حين نتحدث عن التجسس، فالعالم الأن بسبب إنتشار وتطور وسائل التواصل، سواء من أكانت تلك المتصلة بنقل الناس والأشياء، أو المتعلقة بإنتقال المعلومات، والأراء، والدعاوي السياسية، عبر الحدود الدولية.

أمن الدولة وأمن النظام

البلاد تعني الوطن والوطن يتألف من الإقليم والشعب والدولة التي تمارس السيادة على الإقليم. ممارسة الدولة للسيادة على إقليمها، تقتضي وجود أجهزة دائمة تمارس تلك السيادة تحتكر ممارسة العنف القانوني أو الترخيص بممارسته، لكونها مسئولة عن حفظ الأمن وتنفيذ حكم القانون، لذلك فإن المساس بأجهزة الدولة، أو سلامة إقليمها، يمس أمن الدولة وبالتالي يمس الأمن الوطني.
من الجهة الأخرى فالحكومة تعني الطاقم السياسي المكلف بتفويض من الشعب محدود بزمن معين، وبسلطات محددة، أن يمارس الحكم بإدارة أجهزة الدولة في حدود تفويضه. وأمن الدولة يختلف عن أمن الحكومة، فالحكومة القائمة أيضاً لها أمن تعمل على المحافظه عليه، وهذا الأمن يهدف للمحافظة على بقائها في السلطة ومنع كل ما يهدد ذلك، والفرق أنه لا يجوز للحكومة إستخدام أجهزة الدولة، ولا القانون لحماية أمنها، إذ أن بقاءها في السلطة رهين بقبول الشعب لذلك، وبالتالي فإن حماية أمنها يكون فقط من خلال وسائل سياسية، ودعائية، لإقناع الناخبين بصحة سياساتها، ولكن لا يجوز للحكومة أبداً أن تستخدم الأجهزة الأمنية لمنع مهددات أمنها ففى ذلك خرق للقانون والدستور، وهو ما تورط فيه نيكسون حين أغمض عينه عن تجسس الأجهزة الأمنية على الحزب الديمقراطى أثناء حملة إعادة إنتخابه فى السبعينيات، مما أدى لإستقالته إستباقا لإجراءات عزله التى كانت سائرة على قدم و ساق فيما عرف بفضيحة ووترجيت.
نطاق التجريم
من جهة أخرى فأن المادة تجرم نقل المعلومة، وليس الرأي ففي حين أن المعلومة تتكون من وقائع أو معلومات فنية أو علمية، فأن الرأي لايعنى اكثر من حكم أو تقدير لعمل أو موقف أو شخص أو مجموعة اشخاص يكونه أو يعتقد به شخص أو مجموعة أشخاص وهو غير ثابت الصحة وقابل للإختلاف حوله.
المعلومة التي يدخل الإفضاء بها ضمن إلتزامات الدولة
من الناحية القانونية فأن المعلومة التي يدخل الإفضاء بها ضمن واجبات الدولة تجاه المجتمع الدولي لا ينطبق عليها وصف المعلومة السرية، حتي ولو ضمنتها أي جهة في الدولة بإعتبارها كذلك، لأنه في هذه الحالة فإن التصنيف وليس نقل المعلومات هو الذي يقود للإضرار بالموقف السياسي للبلاد. وهو الأمر الذي يؤدي إلي جعل أغلب الأحوال السياسية والإقتصادية للدول، هي جزء من المعلومات المتاحة للدول الأخرى، لايحتاج الأمر منها لأي عناء لمعرفته. أضف لذلك أن إنتشار التعاون بين الدول، ودخولها في منظمات إقليمية ودولية تحكمها معاهدات وإتفاقات تلزمها بالإفضاء ببعض المعلومات لبعضها البعض، بالأخص فيما يتعلق بالبحوث العلمية في المجالات غير العسكرية، كل ذلك يجعل هنالك ضرورة لتعديل القوانين التي تحرم التخابر لصالح الأجانب، ووضعها في الحدود التي تنسجم مع إلتزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي.
التقرير الدوري الشامل
بالنسبة للمعلومات الخاصة بحقوق الانسان فإن جميع الدول تخضع لآلية التقرير الدوري الشامل، والذي أنشأته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 آذار/ مارس 2006 بواسطة القرار 60/251. وقد أناط هذا القرار بمجلس حقوق الإنسان “إجراء استعراض دوري شامل يستند إلى معلومات موضوعية وموثوق بها لمدى وفاء كل دولة بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان على نحو يكفل شمولية التطبيق والمساواة في المعاملة بين جميع الدول”. يقوم التقرير الدوري الشامل على استعراض سجلات حقوق الإنسان الخاصة بجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 192 دولة مرة كل أربع سنوات. ويعتبر التقرير الدوري الشامل ابداعا هاما من قبل مجلس حقوق الإنسان يستند إلى المساواة في المعاملة بين جميع البلدان. ويوفر التقرير فرصة لجميع الدول للإعلان عن الإجراءات التي اتخذتها لتحسين أحوال حقوق الإنسان في بلدانها والتغلب على التحديات التي تواجه التمتع بحقوق الإنسان.
يتمثل الهدف النهائي للتقرير الدوري الشامل في تحسين أحوال حقوق الإنسان في كل بلد، بما لذلك من مزايا لها شأنها بالنسبة للشعوب في كافة أنحاء الكرة الأرضية. والتقرير الدوري الشامل مصمم لتعزيز ودعم وتوسيع نطاق تعزيز وحماية حقوق الإنسان على الطبيعة. ولكي يتحقق ذلك، ينطوي التقرير الدوري الشامل على تقييم سجلات الدول بشأن حقوق الإنسان ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان أينما تحدث. وهذا بالطبع يضع على جميع الدول واجب جعل المعلومات المتعلقة بالإنتهاكات الخاصة بحقوق الإنسان التي تقع في إقليمها متاحة للمجتمع الدولي.
كذلك لا بد من الإشارة لأن كل أعمال التي تهدف لعرقلة التعاون مع الأمم المتحدة أو ممثليها أو كيانها فيما يتعلق بحقوق الإنسان أو تقديم شهادة أو معلومة لهم أو الإنتقام من من يفعل ذلك أصبحت تشكل خرقاً لإلتزامات الدولة بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان في يونيو 2015. كل هذا يتوجب على أجهزة الدولة مراعاته في تغاملها مع المجتمع المدني .