خالد فضل

 

مياه كثيرة , بل قل كلّ المياه عبرت من تحت جسر الإنقاذ خلال عقود حكمها التي شارفت على الثلاثة , يمكن الزعم بإطمئنان أنّ الفشل ظلّ حليفا دائما لكل مشاريعها السياسية منها والمادية , تأملات في مسيرة السنوات ال27المنصرمة من عمر البلاد تحت حكم عمر البشير تشير إلى فشل غير مسبوق , ربما أنور خوجا في ألبانيا أو حاكم غامبيا لم يبلغا مشارف وتخوم فشل البشير وزمرته . وصدقت المقولة الرائجة (ما بُني على باطل يظل باطلا وإن صافح بنيانه عنان السماء)
اليومان الماضيان كانت مناسبة لطرح جانب من فشل عام , الأستاذ إبراهيم أحمد عمر , أستاذ الفلسفة بجامعة الخرطوم سابقا , وزير التعليم العالي والبحث العلمي تاليا , الأمين العام للحزب الحكومي (المؤتمر الوطني) خلفا للراحل د. الترابي , ثمّ رئيسا لبرلمان الإنقاذ حاليا , قبل يومين تلاتة تحدّث سعادته عن فشل ثورة التعليم العالي ؛ تلك التي فجّرها بنفسه قبل أكتر من ربع القرن , لقد انتهت ثورته في تثوير التعليم العالي إلى تسوير عقول ناشئة السودان بسياجات من الضحالة والركاكة , جعلت كليات الطب والصيدلة مفارخ للمهووسين والإرهابيين , وهي من التخصصات الرفيعة علميا واجتماعيا , قبل أنْ تتحول ثورته على يدي أستاذ جامعي آخر مرموق في سجلّات الوظائف الحكومية اسمه الأمين دفع الله (أو الوالي) حسبما يتداول مواطنو شرق النيل اسم ذلك الشارع من تقاطع كبري المنشية الجريف مع شارع القذافي متجها شرقا , وللتسمية قصّة ربما رويناها في وقت لاحق ,المهم أنّ الأمين دفع الله يشغل حاليا منصب رئيس مجلس جامعة الخرطوم , أمّ الجامعات السودانية كما تلقّب , توعد سيادته الطلاب في جامعته بأنّ حكومته قد أنشأتْ شرطة جديدة اسمها شرطة تأمين الجامعات , وأنّ هولاء الشرطيين الجُدد أشداء غلاظ , يمتازون ببنية جسمانية ضخمة , وفوق هذا وذاك فهم مدججون بالسلاح ومسموح لهم باستخدامه ضد الطلبة في حال ثاروا ضد (التسوير ) , إذا فقد آلت ثورة إبراهيم أحمد عمر التعليمية العالية إلى ما آلت إليه على لسان رئيس مجلس جامعة الخرطوم فتأمل في هول الكارثة الماحقة التي تردى فيها قطاع التعليم العالي في عهد ثورته التالفة. لقد شبّتْ زهاء 210 حادثة عنف طلابي في سوح الجامعات السودانية بالخرطوم خلال الفترة من 2006 إلى 2012م قُتل خلالها 11طالبا , وأصيب بضعة أفراد من الشرطة حسب رواية وزير الدولة بالداخلية , لكن يطرأ سؤال مشروع : ما هو الطرف الأصيل الذي ظل حاضرا في ال210حادثة هذه ؟ الإجابة التي لا تتوارى خلف الحيل والأكاذيب هي ( طلبة ومليشيات وأجهزة الأمن ) التابعة للحزب الحكومي المؤتمر الوطني , من الجائز أنْ تكون هنالك حادثة أو اثنتان لم يشترك فيها كونسلتو المليشيات الأمنية من طلبة الحزب الحاكم وأعوانها والله أعلم , وهذا يقود بالضرورة إلى تحديد الجهة الرئيسة المنفّذة للعنف في الجامعات , هذه الفئة من أمنجية المؤتمر الوطني , فهل ستطالها أيدي الحرّاس الأشداء الغلاظ ؟ هل سيتم حصر وجمع السلاح من أيدي هذه المليشيات وإغلاق دورها الموسومة بوحدات التربية الجهادية ؟أم سيتم تعزيزها بهذه القوات الشرطية الجديدة , والتجربة الماثلة تؤكد أنّ ما من شيء تمّ تنفيذه في عهد الإنقاذيين إلا كان عكس ما ُروّج له ,والنماذج لا تُحصى ولا تُعدُّ , ودوننا مليشيات الجنجويد التي تمت عدة عمليات لصبغها بالصفة النظامية منذ مسميات حرس الحدود , حتى صارت الدعم السريع . فما المانع في تحويل الوحدات الجهادية إلى شرطة طلابية على وزن (الشرطة الشعبية) , وبالتالي شرعنة حمل السلاح وممارسة القتل والترويع تحت غطاء الدفاع عن وتأمين ممتلكات الجامعة وأرواح الطلبة والأساتذة والعاملين المسالمين , خاصة وأنّ خميرة العكننة موجودة عبر (طلاب الحركات المسلحة ) الذين لم تفتّ من عضدهم كل ممارسات القمع والقتل والترويع السابقة , لقد صار القتل مشروعا داخل الجامعات وبمباركة السيد رئيس مجلس جامعة الخرطوم , وتأييد البروفسير أيوب مدير جامعة بحري الذي رحّب هو الآخر بإحتلال الشرطة المسلّحة لحرم جامعته بل زاد في الكيل معيارا بأنّ هذا مطلبهم , وبالطبع سيرحب جميع أساتذتنا الأفاضل مديري الجامعات السودانية بهذه القوات الغازية لصحن جامعاتهم فنحن في لبّ العصر الجنجويدي بإمتياز !
عودا على بدء , ليس ثورة التعليم العالي وحدها ما آل إلى محاق , فقد هجر قاعات التدريس فيها زهاء 12ألف أستاذ خلال السنوات الخمس أو الست الماضية بحسب الإحصاءات الرسمية , ولذلك ليس بدعا أن تنشط خلايا داعش , وكيمان السلفيين , وتتراجع الإستنارة والوعي ويخيّم الظلام الذي يوفر البيئة الأخصب لممارسة العنف , وتعاطي المخدرات وفشو المهلكات , هذه ثمار أحد أكبر وأهم مشاريع إعادة صياغة الإنسان السوداني الرسالي !! ولما لا والفشل قرين الفشل , فقد انهارت البنى التحتية للإنتاج والخدمات ممثلة في المشروعات الزراعية الكبرى , وخطوط السكة الحديد التي تحوّلت حكاية قاطراتها المجلوبة حديثا إلى مأكلة وسمسرة بين رأس المال الطفيلي وضباط الأجهزة الأمنية . وانهارت الخطوط الجوية والبحرية , أنهار قطاع التعليم العام لدرجة تعيين جواسيس بين الصبية في المدارس حسبما نُشر قبل فترة منسوبا لأحد قادة التربية والتعليم بولاية الخرطوم , انهارت فوق هذا وذاك القيم والأخلاق وتمّت تعبئة الفراغ الناجم بالدجل والشعوذة والتطرف والعنف الأسري وعالم المخدرات والمسكرات واحتراف الجريمة . قل لي ما الذي بقي ؟ فنيلة ميسي أم بردلوبة سوق موركاتو بأديس أببا؟