د.الشفيع خضر سعيد

في السودان، كنا نقرأ بشغف سلسلة «روايات عالمية» القادمة إلينا من شمال الوادي بترجمات العديد من بطون الأدب العالمي. كانت سباحة ممتعة في بحور الخيال وإكتشافات الأمكنة والفضاءات وخبايا النفس البشرية. ثم جاء زمن الانحسارات الكبرى حين أصيبت البلاد بالجدب في أكثر من موقع، وندر تدفق ترجمات الادب العالمي إلى البلاد، ثم إنقطع. تذكرت تلك الروايات وأنا اتابع تعاملات المجتمع الدولي مع قضايا السودان، والتي نتمثلها في شكل قصص و»روايات عالمية» في السياسة. وإذا كانت سلسلة «روايات عالمية» الأدبية هي ترجمات لكتاب وأدباء من أمريكا وأوروبا، فإن «الروايات العالمية السياسية» تحبك أيضا في أمريكا وأوروبا، ولكن ليس في منابع الأداب والفنون، وإنما في تلك الدوائر المتنفذة التي ظلت موضوعيا تسهم في رسم المستقبل السياسي لمنطقتنا، والتي يشار إليها إختصارا بالمجتمع الدولي. هذه الروايات، وإن أتت خالية من مفردات الخيال الأدبي، ظلت دائما حبلى بشتى الإحتمالات السياسية. ورغم قناعتي بإختلاط الواقعي والخيالي في الكثير منها، إلا أنها كلها روايات واقعية لا من نسج الخيال، ودلالاتها تشرح كيف يفكر المجتمع الدولي حيال بلداننا.

بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير 2002 إلتقى الملحق السياسي للسفارة الأمريكية في القاهرة الأستاذ فاروق أبوعيسى، القيادي في تجمع المعارضة السودانية، وأبلغه رسالة من الإدارة الأمريكية، فحواها أن الولايات المتحدة تعكف على صياغة مشروع للسلام لتتفاوض عليه الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، دون إشراك باقي المعارضة، وأنها حددت تموز/يوليو 2002 للفراغ من التفاوض والتوقيع على اتفاق إطاري بأي ثمن، حتى ولو بإرغام د.جون قرنق على التوقيع على اتفاق جزئي ثنائي!!. ومنذ سنوات عديدة وحتى اليوم، ظل يدور في مخيلتي سؤال حائر: ترى، هل كانت صدفة أن يرحل الدكتور قرنق هكذا سريعا ومباشرة عقب توقيع الإتفاقية ودون أن يباشر مهام تنفيذها؟ وهل كان للمجتمع الدولي أي دور في تلك الصدفة؟.

وبتاريخ 19 كانون الاول/ديسمبر من نفس العام، أبلغ الوسيط البريطاني في المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، السيد ألن قولتي، أبلغ لجنة مكلفة من تجمع المعارضة أن قمة ما يصبو إليه المجتمع الدولي هو وقف الحرب، وليس التحول الديمقراطي في البلاد الذي هو معركة القوى السودانية وليس الوسطاء. وفي أعقاب انتخابات 2010 البرلمانية والرئاسية، خاطب المبعوث الأمريكي إلى السودان آنذاك، السيد سكوت غريشن، إحتفالا للجالية الجنوبية السودانية في واشنطن قائلا: « كلنا يعلم أن الإنتخابات مزورة، ولكننا سنعترف بها من اجل الوصول لإستقلال جنوب السودان وتفادى العودة إلى الحرب». وأثار حديث السيدين قولتي وغريشن، عدة تساؤلات حول نوايا المجتمع الدولي تجاه الأزمة السودانية: هل حقا يسعى لعلاجها، أم أن هدفه إستمرار الشريكين المتنافرين، الحكومة الإسلامية والحركة الشعبية، في الحكم، محددا مسبقا ما يجب أن تأتي به نتيجة الاستفتاء حول تقرير مصير الجنوب حتى يتسنى إنفصاله بهدوء وسلاسة؟!. لا شيئ يمنعنا من الإستنتاج بأن ذاك كان هو الموقف الرسمي للمجتمع الدولي، وخاصة أمريكا!

ومن السيناريوهات المقتبسة عن الروايات السياسية العالمية تجاه السودان، سيناريو السعي لتوحيد المعارضة في مركز واحد تمهيدا للخطوة التالية، خطوة الحوار والتسوية مع الحكومة. وتمثل هذا المسعى في إجتماع برلين، الذي تم بدعم ألماني مباشر، وأسفرعن ميلاد نداء السودان، تحالف المعارضة السلمية والمسلحة، كما تمثل في اجتماعات التحالف في باريس وأديس أبابا، والتي تمت بدعم من منظمة الحوار الإنساني المدعومة من بريطانيا وأمريكا. هذا السيناريو، يذكرنا بالدعم الأمريكي للتجمع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية لتحرير السودان في تسعينيات القرن الماضي، تمهيدا للدفع الدولي اللاحق، والذي نفذ بجهد إفريقي بقيادة الجنرال الكيني سامبويا لتحقيق إتفاقية السلام الشامل. وفي جولات التفاوض الراهنة، تبذل جهود مضنية، بدفع أمريكي وتنفيذ أفريقي بقيادة الرئيس أمبيكي، لتحقيق إتفاق وقف العدائيات بين الحكومة والجبهة الثورية، تمهيدا لإبرام تسوية سياسية بين الحكومة والمعارضة عبر الحوار الوطني.

آخر الروايات العالمية السياسية، أن الإتحاد الأوروبي أبرم، بدعم من أمريكا، إتفاقا سريا مع أنظمة الإستبداد في المنطقة، والتي تحتقر الإنسانية، من أجل منع المهاجرين من الوصول إلى شواطئه. ويقول كثيرون أن الإتحاد الأوربي بهذا الإتفاق بصق على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تأسس على قاعدتها. ويقضي إتفاق الإتحاد مع الحكومة السودانية أن يمنع السودان تسلل المهاجرين عبر أراضيه إلى أوروبا مقابل دعم مالي وبحث رفع العقوبات عنه وشطبه من لائحة الإرهاب، والضغط على المعارضة لإبرام تسوية سياسية معه. لكن، مع امتناع النظام عن تقديم تنازلات جذرية لصالح الوفاق الوطني، فإن سياسة الأدوية المنقذة للحياة هذه لن تصمد كثيرا، وحتما سينهار الوضع.

لا إعتراض لدينا على سعي المجتمع الدولي لضمان مصالحه ما دامت هذه المصالح لا تتم على حساب مصالحنا الوطنية. لكن، مسألة مصالحهم ومصالحنا هذه، ليست بالمعادلة البسيطة والسهلة، وإنما هي معادلة صعبة يحتاج التعامل معها إلى قيادات وطنية حصيفة تعرف كيف تضع حدا بين اللحم والدم، وكيف تتمترس في الدفاع عن مصالح الوطن، دون أي إنحناءة أمام هجمة اليانكي، حتى ولو كان الثمن تقديم النفس الغالية. ولعلنا نتذكر الرئيس البنمي الراحل عمر طوروس، ذلك القائد الوطني الشجاع الذي قدم حياته قربانا، وهو يتشبث بمصالح بلاده في مواجهة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية إبان التفاوض الشهير حول قناة بنما في سبعينات القرن الماضي، والذي حسمته أمريكا بإسقاط طائرة الرجل. يا ترى، هل الدوائر النافذة في بلدان المجتمع الدولي، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، توصلت إلى سر النفور المتأصل في شعوب بلدان العالم الثالث تجاه شراهة هذه البلدان لتحقيق مصالحها على حساب مصالح هذه الشعوب الفقيرة؟!.

نقلا عن “القدس العربي”