بابكر فيصل بابكر

في مؤتمرها العاشر الذي عقد في شهر مايو الماضي أجرت حركة النهضة التونسية تغييرات حاسمة في توجهاتها الفكرية والسياسية قضت – بحسب قول زعيمها التاريخي راشد الغنوشي –  بخروجها من المنظومة التقليدية المعروفة لحركات “الإسلام السياسي” وذلك بإعلانها الفصل التام بين “الدعوي و السياسي” وتحوَّل الحركة إلى “حزب مدني”.

وقالت حركة النهضة أنها باتت تدرك أنَّ الحزب السياسي لا مصلحة له في أن يفرض وصايته على المجال الديني والمجال الديني لا مصلحة له في أن يظل مرتبطاً بالسياسة لأن للسياسة تقلباتها وأكدت أنَّ من مصلحة المجالين أن لا يرتبطا ببعضهما حتى لا يُتهَّم السياسي بتوظيف الدين لغايات سياسية وحتى لا يكون الدين رهيناً للسياسة وموظفاً من قبل السياسيين. 

في نفس هذا الإطار كتب الأستاذ الغنوشي الأسبوع الماضي مقالاً في مجلة “فورين أفيرز” عن التحولات التي وقعت لحزبه, سرد فيه تاريخ الحركة ودواعي التغييرات الأخيرة في توجهاته, وقال إنَّ الحزب إنتقل ( مُبتعداً عن جذوره بصفته حزباً إسلامياً، وتبنى وبشكل كامل هوية جديدة ليكون حزباً للمسلمين الديمقراطيين ) وأضاف أنَّ  المنظمة التي شارك ( في تأسيسها في الثمانينيات من القرن العشرين لم تعد حزباً سياسياً وحركة إجتماعية، وقامت بوقف نشاطاتها الثقافية والدينية كلها، وتركز الآن على السياسة ). إنتهى

وأوضح الغنوشي أنَّ الخطاب و التوجهات التي تأسس عليها حزب النهضة قد فرضتها ظروف العسف والإستبداد التي عانت منها تونس ( حيث ظهر الحزب أولاً بصفته حركة إسلامية، ورداً على الاضطهاد الذي مارسه النظام العلماني الشمولي، الذي حرم المواطنين من الحرية الدينية، وحقهم بحرية التعبير وإنشاء الجمعيات، ومنع الديكتاتوريون في تونس لعقود طويلة أنواع الخطاب السياسي كلها في البلاد، وأجبروا الحركات ذات الأهداف السياسية على العمل بشكل خاص لتكون منظمات اجتماعية وثقافية ). إنتهى

ويُضيف الغنوشي أنه بعد الثورة التونسية أجيز الدستور التونسي بمشاركة النهضة, وهو دستور يكرس الديموقراطية ويحمي الحريات السياسية والدينية ( وفي ظل الدستور الجديد تم ضمان حقوق التونسيين بحرية العبادة والتعبير عن معتقداتهم واعتناق الهوية العربية الإسلامية، وعليه، فإن النهضة لم تعد بحاجة إلى تركيز جهودها للحصول على هذه الحماية، ولم يعد الحزب يرضي بعلامة (إسلامية)، وهو مفهوم تعرض للتشويه في السنوات القليلة الماضية على يد الراديكاليين المتطرفين، لوصف نهجه. ففي المرحلة الديمقراطية من تاريخ تونس لم تعد المسألة العلمانية مقابل الدين قائمة، ولم تعد الدولة تفرض العلمانية من خلال القمع، ولم تعد هناك حاجة للنهضة أو أي طرف آخر لحماية الدين، كونه جزءاً جوهرياً من النشاط السياسي ). إنتهى

 واسترسل الغنوشي قائلاً ( النهضة الآن لم تعد تفهم بطريقة جيدة بصفتها حركة إسلامية، لكن كونها حزبا للمسلمين الديمقراطيين، ونسعى إلى توفير حلول للمشكلات اليومية التي تواجه تونس، بدلاً من الوعظ حول اليوم الآخر، وحتى نكون واضحين فقد كانت المبادئ الإسلامية هي التي تلهم النهضة، وستستمر هذه القيم بقيادتنا، ولم يعد من الضروري أمام النهضة، أو أي حزب، للكفاح من أجل الحرية الدينية، ويتمتع التونسيون كلهم، بناء على الدستور الجديد، بالحقوق ذاتها، سواء كانوا مؤمنين، لا أدريين أو ملحدين، فالفصل بين الدين والسياسة سيمنع المسؤولين من استخدام الخطاب القائم على الدين للتلاعب بالرأي العام، كما أنه يعيد استقلالية المؤسسات الدينية، فلن يكون الدين مرة أخرى رهينة للسياسة، كما كان قبل الثورة، عندما تدخلت الدولة، واضطهدت النشاطات الدينية ). إنتهى

وبخصوص قرارات الفصل بين السياسي والدعوي قال الغنوشي أن الحزب منع مزاولة كوادره للدعوة في المساجد وكذلك حرمهم من تولي مهام قيادية في جماعات المجتمع المدني، مثل الجمعيات الدينية والخيرية, وأضاف ( نعتقد أن لا حزب سياسياً يمكنه الزعم بأنه يمثل الدين، ويجب إدارة المجال الديني عبر مؤسسات محايدة ومستقلة، وبعبارة بسيطة يجب إبعاد الدين عن التحزب، فنحن نريد أن يصبح المسجد المكان الذي يلتقي فيه الناس معاً، وليس مكاناً للانقسام ). إنتهى

هذه الإقتباسات المطوَّلة أملتها أهمية النقاط التي تناولها الغنوشي في مقاله, والتي تمثل في رأي كاتب هذه السطور نقلة غير مسبوقة في تاريخ الحركات المُسماة “إسلامية”, وهى تعني بحق أنَّ النهضة قد طلقت منظومة “الإسلام السياسي” طلاقاً بائناً, ذلك لأنَّ أساس دعوة الأخيرة ينطلق من الدمج الكامل بين السياسة والدين, وهو الأمر الذي سمح لها بإستغلال الشعارات الإسلامية و المنابر الدينية وعلى رأسها “المسجد” إضافة للمنظمات والجمعيات لخدمة مصالحها السياسية وللتوسل للجمهور عبر الدين.

ولكن الغنوشي يضرب في صميم مركز القوة الذي قامت عليه منظومة “الإسلام السياسي” وُيجرِّدها من سلاحها الأمضى حين يقول أنَّ ( الفصل بين الدين والسياسة سيمنع المسؤولين من استخدام الخطاب القائم على الدين للتلاعب بالرأي العام ) وهو بهذا القول إنما يضعها في خانة واحدة مع جميع المنظومات السياسية المدنية الأخرى ويسحب منها أفضلية “إستغلال الدين” لتحقيق المكاسب الدنيوية, وبالتالي فإنه يصبح ممكناً محاسبتها بالمعايير السياسية المعروفة شأنها شأن الآخرين.

إنّ السرد التاريخي الذي أورده الغنوشي حول نشأة حركته, وإصراره على أن حزبه دمج في الماضي بين المجال الديني والسياسي بسبب الحرب التي شنتها عليهم الدولة وأنه أضحى اليوم حزباً “للمسلمين الديموقراطيين” يُشير بوضوح إلى أنَّ زعيم النهضة يسير على ذات الخطى التي سارت عليها أحزاب الديموقراطية المسيحية في أوروبا.

فالآيديولوجية “الديموقراطية المسيحية” ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر تحت تأثير المحافظين والتعاليم الاجتماعية الكاثوليكية و تعود جذورها الفلسفية للقديس “توما الإكويني” وكان إحتدام الصراع بين “الكنيسة والدولة” أحد العوامل الرئيسية وراء ظهورها وهى آيديلوجية تعمل بالتركيز على الجانب “الأخلاقي والقيمي” المستمد من الكاثوليكية.

الأحزاب الديموقراطية المسيحية في أوروبا لا ترفع شعارات دينية من شاكلة “المسيحية هى الحل” أو “الإنجيل دستورنا” ولكنها إرتضت العمل في إطار النظام الديموقراطي “العلماني” الراسخ الذي يفصل بين السياسة والدين, وهى تهتدي بقيم ومباديء أخلاقية عليا مثل الحُرية و الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والأمانة والشفافية, ولا تستغل المنابر الدينية والمنظمات الإجتماعية والجمعيات الثقافية ودور العبادة للترويج لأفكارها, وهى فوق هذا وذاك لا تدَّعي قداسة تمنحها أفضلية دينية على الأحزاب الأخرى بل تخضع للمعايير الدنيوية التي تنطبق على الجميع.

وتلتقي برامج وأهداف الأحزاب الديموقراطية المسيحية مع القوى الليبرالية والإشتراكية وكذلك الجماعات المحافظة, فهى تؤكد على حقوق الإنسان والمبادرة الفردية في ذات الوقت الذي تقول فيه أنَّ الفرد جزء من المجتمع وعليه واجبات نحوه, وهى تشارك المحافظين في أمور مثل الزواج والطلاق والإجهاض, كما أنها تأخذ من التقاليد الإشتراكية التأكيد على مفاهيم التضامن الإجتماعي والإستعداد لتقييد قوى السوق.

إنَّ النقلة الأخيرة في توجهات حركة النهضة ستجعل منها حزباً سياسياً يُركز على البرامج والأجندة العملية والرؤية الإقتصادية ويبعد عن الشعارات الأممية وإقحام القضايا الدينية في شئون السياسة, وهى الأمور التي عُرفت بها منظومة الإسلام السياسي بمحتلف مكوناتها.

فبدلاً عن السير خلف شعارات غير واضحة المعالم ومبهمة مثل “الإسلام هو الحل” و “القرآن دستورنا” فهى ستهتمُّ بوضع برنامج إقتصادي يشمل على تفاصيل دقيقة في كيفية القضاء على الفقر وزيادة فرص العمل ومضاعفة الصادرات وهذا هو المحك الحقيقي الذي تتنافس حوله الأحزاب السياسية.

قد قِبلت حركة النهضة وشاركت في صناعة الدستور التونسي الذي إستند على “المواطنة”, وكما قال الغنوشي فإنَّ التونسيين كلهم في ظله أضحوا يتمتعون “بالحقوق ذاتها، سواء كانوا مؤمنين، لا أدريين أو ملحدين” وبالتالي فإنَّ الحُرية تكون قد وصلت إلى مداها الكامل في الممارسة, ولن تسعى حركة النهضة “لتكفير” مخالفيها أو إتهامهم “بالردة” فقد صارت تؤمن بأنَّ الدستور يحمي حريات الجميع بمن فيهم “اللاأدريين والملحدين”.

كذلك لن يقف نائبٌ برلماني من حزب النهضة لينادي بمنع “السياحة” لأنها تخالف “الشريعة” ولن يقول أحدهم أنَّ “نسبة الفائدة” على القروض تعني “الربا” وبالتالي فإنه لا يجوز للدولة أو المؤسسات المالية التعامل بها, ولن يجرؤ ثالث على المطالبة بإلزام النساء بلبس “الحجاب” في أماكن العمل ودور التعليم.

بات كثيرٌ من الناس لا يثقون في الخطاب الذي يصدرُ عن مختلف حركات الإسلام السياسي, ذلك لأنهم إعتادوا منها التلوُّن وعدم الثبات في المواقف وتبديل الجلد بحسب ما تتطلبه المرحلة, ولهذا فإنهم يشككون كثيراً في تحولات النهضة ويعتبرونها مُجرَّد إنحناء للعاصفة تعود بعده الحركة لسيرتها الأولى, ولكن كاتب هذه السطور يختلف مع هؤلاء ويعتقدُ في جدية هذه التغييرات وأنها جاءت كمحصلة حقيقية لدراسة الواقع التونسي وتجارب البلدان الأخري, كما أنها تعكس خبرات متراكمة وقدرات شخصية تتمتع بها قيادة الحركة.

وفوق هذا وذاك فإنَّ التجربة المستقبلية لا شك ستثبت مدى مبدئية التغييرات التي أحدثتها حركة النهضة.

      boulkea@gmail.com

 

 

 

.