خالد فضل

قبل سنوات قرأت نصّا أدبيا لأحد الكتاب لم أعد أذكر اسمه الآن , بيد أنّ عنوان النص ما يزال ثابتا في ذاكرتي ؛ وهو : مشاهدات الفوانجيسي في العالم السُفلي الباريسي . رصد الفوانجيسي الحياة داخل حافلة مواصلات أو قطار آخر الليل في العاصمة باريس وما يدور فيه من إرهاق ومعاكسات وتحرُّش وغيرها من ممارسات بإسلوب فنّي بديع, وإذا كانت تلك الصور الفنيّة تعكس حقيقة الواقع , فإنّ الحياة التي يعيش في كنفها ملايين السودانيين تعبّر في الواقع عن كيفية التعامل مع واقع الهاوية . فقبل سنوات منذ أواسط التسعينات ساد في كتابات وتحليلات السودانيين ما يمكن تسميته بأدب التحذير من الهاوية . وبمراجعة سريعة لإرشيف الأدبيات السياسية والإجتماعية المدوّنة في الصحف والمجلات والوسائط الالكترونية المختلفة نجد علو نبرة التنبيه والتحذير من قرب الوقوع في الهاوية .

هل يمكن لكاتب أو محلل سياسي أن يردد  الآن ذات التنبيه أو التحذير من الهاوية التي يمكن أن ينحدر إليها السودان ؟ الإجابة في تقديري( لا) كبيرة , لسبب بسيط وواضح هو أنّ التنبيه أو التحذير يسبقان عادة الفعل المحذّر منه ,أو الأمر المُراد التنبيه له  بينما كل المحظورات قد وقعت بالفعل في بلادنا , وتخللت نتائجها حياة الغالبية العظمى من المواطنين السودانيين , بل بالأحرى حياة معظم البشر في السودان سواء أكانوا مواطنين أو عابرين أو مقيمين أو لاجئين أو حتى مستثمرين !!  ليس أكبر من واقع إنقسام التراب الوطني إلى دولتين , هذا حدث مزلزل لو تعلمون ؛ لكنه مرّ كأن لم يحدث شيئا , وتلك أفدح نتائج العيش في لبّ الهاوية , الإنسان يفقد تركيزه على أي شئ سوى التشبث العنيد بما يبقيه حيّا فلو وقع حدث الإنفصال في ظروف حياة عادية للسودانيين لكانت أقلّ نتائجه إزاحة السلطة والسياسات والممارسات التي قادت إليه فليس بالأمر الهيّن أنْ يغادر ثُلث مساحة البلاد وثُلث شعبها في رحلة أبدية دون أن يطرف جفن بل بالعكس ثمّة شواهد ممارسات وقعت في أجواء الهاوية التي نعيش فيها لا تحدُّث بالفعل إلاّ في الأجواء المضطربة والمسممة , فقد نحر جماعة من السودانيين الشماليين الثيران إحتفالا بإنفصال الجنوب , وتبادلوا التهاني والصراخ الهستيري طربا بما حدث , بل اختاروا لون الثيران أسودا إمعانا في اظهار التعصُّب والعنصرية وبالطبع كان على رأس المحتفلين رأس السلطة وأعوانه , فقد قال السيد الرئيس في معرض إحتفاله بتقسيم ما يفترض أنّها بلاده وشعبه (إنّ الجنوب كان عبئا على الشمال) وقال إنّ إنفصال الجنوب قد أراحه من إزعاج التعددية الثقافية والدينية , لقد صارت دولته آحادية الديانة (الإسلام) وآحادية الثقافة (العربية) , قال بذلك في لقاءات حاشدة وسط تهليل وتكبير المطبلين الذين من فرط غيّهم لم يعودوا يعون ما يرددون من هتافات بلهاء .

الهاوية التي نرزح فيها الآن بلا قرار , غابت ملامح الدولة حتى صار القصر الرئاسي مرتعا لكل صاحبة فانلة تريد عبرها تسويق كتاب في العلاقات العامة , صارت الحكومة في نظر معظم الناس عبارة عن شلّة من الأرزقية وذوي المصالح الذاتية المفرطة في الأنانية الذين يعجزون عن تصريف مياه الأمطار من داخل صالات المطار , أو تنظيم وقوف ومرور حافلات الركاب في قلب الخرطوم , ناهيك عن معالجة آثار كوارث السيول  في ودنعمان !سلطة زائفة بأناس باهتين لا طعم لهم ولا أثر , مجموعة من العاطلين عن المواهب , الفاشلين الفاسدين المفسدين يتصدرون المحافل بغير وجه حقّ , فحياة الناس في عمق الهاوية هي المجال الأرحب لستر عورة وبوار فكرهم إنْ كان لهم فكر في الأساس أو مفكرين , لم يعد مفهوما لأحد من المواطنين كيف تُدار شؤون دولته وما هو دورها في تنظيم وإدارة شؤون حياته , فقط يسمع ويشاهد الكرنفالات والحشود المصنوعة إحتفاء بالخيبات المتتالية , يسمع ويشاهد ترديد ذات العبارات الماسخة عن التمرد والإنعتاق من الإستعمار , ليجد على أرض الواقع أنّه مكبل لعشرات الأجيال القادمة بديون تبلغ زهاء الخمسين مليار دولار أُهدرت في نسج المؤامرات وتدبير الدسائس وتكوين المليشيات القبلية لضرب وتشتيت أي نواة للتعايش السلمي بين المجموعات السكانية في مناطق الجنوب الجديد بشكل سافر , ودوننا ما حدث قبل يومين في جهات العباسية تقلي , والناس في هاويتهم السودانية يسعون من دُغش الرحمن إلى أواخر الليالي يكدحون من أجل لقمة أكل ومصروف دراسة وثمن جرعة دواء , بينا الأرزقية والمستهبلين ينظمون في إحتفالات البردلوبة في أديس أبابا , وتتهافت سيارات الدفع الرباعي تجوب الفيافي تحمل الجنجويد الذين ينشرون الرعب والقتل بين المدنيين . في جوف الهاوية يُحاكم من يتصدون لنشر قدر من الوعي والتدريب على لغة العصر التكنلوجي كما في حالة موظفي مركز تراكس في الخرطوم , وجهاز الأجهزة القامعة يردد ويذيع في تهم أولئك الشرفاء عبر صحفه الصفراء الباهتة , والعيد على الأبواب , لكن أعياد السودانيين في حياة الهاوية تعني العذاب , في النقل والترحيل , في الغلاء الفاحش الذي لم يسبق له مثيل , في استمرار الحرب والترويع وفي الأحلام التي سرعان ما تتبدد بغد رحيب . ورغم عمق الهاوية بيد أنّ الأمل لم ولن ينقطع في نهوض الشعب الجماعي من كبوة التغييب لكسر قيود السجن والإنطلاق لرحابة الغد الفسيح , خروجا من براثن الجب والهاوية السحيقة واستعادة للكرامة المهدرة وانصافا للدم المُراق سيحدث هذا مهما تأخر والصبح لنا ولنا الصباح الجديد وكل عام وأنتم بخير