عيسى إبراهيم 

* العلاقات الخارجية في جميع أنحاء العالم – كما يقول علماء وخبراء الاقتصاد السياسي – تحكمها “المصالح” لا المبادئ ولا الآيدلوجيات، ونحن بإزاء التغيير الدراماتيكي الدموي العنيف في حكومة جنوب السودان الذي أقال مشار “النويراوي” من نيابة رئاسة الجمهورية وأحل محله تعبان دينق “النويراوي” أيضاً (ثبت بلا ريب أن سلفاكير في قراره كان ذكياً مراعياً لمصالح وطنه وحكيماً)، مستهدفة بذلك الاستقرار وتجاوز الأزمة المستفحلة وإراقة الدماء من أجل استبقاء المناصب الزائلة، نحن أمام قرار واحد وحيد حفظاً لمصالح الوطن (والغريبة أن هذا القرار يحفظ  أيضاً مصالح حكومة الانقاذ الآنية لو كانت تعلم، حيث لوح لها تعبان دينق بحزمة مصالح نظير التفاتها للصالح من الأموروالابتعاد عن العنتريات التي ما قتلت ذبابة) والقرار هو التحول من “الرغبات” إلى “الواقعية” غير “السحرية” وذلك باعتماد تعبان دينق نائباً أول لرئيس جمهورية جنوب السودان والتخلي فوراً وبلا “لعثمة أو تردد” من ريك مشار الكرت المحروق  (لا أدري ماذا يريد مشار من الانقاذ وأثر – فأسها في اتفاقية الخرطوم للسلام – مجموعة الناصر -، مازال ماثلاً)!!..

* قلنا قبل الآن وما زلنا نقول ونؤكد ونكرر أن منصب رئاسة الجمهورية مؤسسة وليست فرداً، مؤسسة باعتبار أن رئيس الجمهورية يكون محاطاً من جميع أقطاره بأركان المؤسسية، فلا يعمل من “عندياته” ما يشاء، ولا يترك من “عندياته” ما يشاء، وإنما يعمل ويسير من خلال “بروتوكول” صارم لما هو مقبول، وما هو غير مقبول دبلوماسياً، فإن كان عالماً بـ”البروتكول”، فحمداً وسلامة، وإن لا، فعليه طاعة ما تشير به المؤسسية، لأن في إشاراتها سلامة لمصالح الدولة!، وما خازوق “ميسي” ببعيد!!..

* الخبر يقول (الخبر منسوب لرويترز): “أعلن وزير الإعلام السوداني في 23 أغسطس آب أن مشار الذي غادر جنوب السودان هربا من القوات الحكومية موجود في الخرطوم لتلقي العلاج”، والسؤال يقول لماذا الخرطوم بالذات، هل للخرطوم مصلحة في التطاحن “الجنوبي دينكا “سلفا” بالجنوبي نوير “مشار””!..

* خبر رويتر يضيف: ” قال سابت ماكوك معاون زعيم المعارضة في جنوب السودان  إن رياك مشار غادر المستشفى يوم الجمعة لكنه سيظل في الخرطوم لبعض الوقت”. “وأضاف ماكوك الذي يرافق مشار في تصريح لرويترز “ريك مشار غادر المستشفى هذا الصباح في حالة صحية مستقرة وتعافى… سيبقى في الخرطوم لبعض الوقت”، (الخبر أوردته التغيير الالكترونية منسوباً لـ”رويترز” يوم السبت 27 أغسطس 2016)!!..

* الخبر يواصل موضحاً الملابسات ليقول: ” وكان الرئيس سلفا كير قد عزل مشار من منصبه كنائب له بعد تجدد القتال في العاصمة جوبا الشهر الماضي بين القوات الموالية للغريمين القديمين. وأجبرت الاشتباكات عشرات الآلاف من الأشخاص على الفرار. وانسحب مشار إلى الأدغال والتقطته هذا الشهر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وقد أصيبت ساقه. كان المتحدث باسمه قال في وقت سابق إن مشار غادر جنوب السودان لتفادي الوقوع في أيدي قوات كير وإن الإصابة لم تكن خطيرة بدرجة تستلزم الرعاية الطبية.”!..

* يختم سابت ماكوك (معاون ريك مشار) الخبر قائلاً: ” إن مشار سيتحدث في مؤتمر صحفي في الخرطوم لشرح أحدث التطورات في جنوب السودان. ومن المقرر أيضا أن يلتقي بالرئيس السوداني عمر البشير”..

* أوردت صحيفة التغيير الالكترونية نبأ اجلاء قوات سودانية لزعيم المتمردين في جنوب السودان رياك مشار من الكنغو (التغيير الالكترونية 24 أغسطس 2016)، وفي سياق له علاقة ذكرت التغيير الالكترونية (الاثنين 29 أغسطس 2016) أن جهاز الامن يحقق مع صحفى بسبب مقال عن إنقاذ الخرطوم لمشار، الصحفي هو يوسف الجلال الذي نشر مقالا في صحيفة “الصيحة” عن استقبال الخرطوم لريك مشار على أراضيها، وطلبت منه دليلا ماديا يثبت ان الخرطوم هي من أجلت مشار من الكونغو، واعتبر يوسف الجلال ان الخرطوم هي من أنقذت رياك مشار من الموت عندما أقدمت على اجلائه من الكونغو عبر عملية عسكرية. ويبدو أن قول الصحفي ان الحكومة السودانية أرادت ان تحتفظ بحليفها الاستراتيجي ليكون لها دور اكبر في تحديد المستقبل السياسي في جنوب السودان، هو ما أزعج الأمنيين السودانيين لا الاجلاء!..

* الصحف السودانية أوردت خبر اجلاء مشار واعتزامه عقد مؤتمر صحفي في الخرطوم، كما أكدت أخرى خبر عزمه لقاء البشير، صحيفة أخبار اليوم ( 27أغسطس 2016) عنونت: “المتحدث باسم رياك مشار يعلن عن مغادرته المستشفى وانتقاله لمقر اقامته المؤقت بالخرطوم”، وأضافت: “قديت يقر بصحة الصور المتداولة فى مواقع التواصل حول عملية اجلاء واسعاف مشار للخرطوم من حدود الجنوب والكنغو”، صحيفة السوداني (27 أغسطس 2016): “السوداني.. تكشف تفاصيل رحلة مشار من الغابة الى الخرطوم”، “رياك يغادر ( رويال كير) ويعتزم لقاء البشير قبيل مغادرتة الى الاردن”، صحيفة المجهر السياسي (27 أغسطس 2016): “رياك مشار.. يغادر المستشفي ويعقد مؤتمراً صحفياً اليوم”، صحيفة الصحافة (27 أغسطس 2016) قالت: “مشار يغادر المستشفي وتوقعات بمؤتمر صحفي”!.. المجهر السياسي (28 أغسطس 2016) أعلنت أن “مشار يغادر الخرطوم خلال ايام ويستقر باديس ابابا”، آخر لحظة (28 أغسطس 2016): “حركة مشار: سنزيل سلفاكير بكل الوسائل”، ويبدو أن ذكر الصحيفة لهذه الجزئية هو ما قاد لمصادرتها لاحقاً!..

* الأمر الصائب الا تسمح (إن لم يكن قد حدث بالفعل حتى الآن) الحكومة بلقاء مشار البشير فهو خارج نطاق البروتكولات المقبولة دبلوماسياً، أمر آخر عليها أيضاً أن تمنع مشار من عقد مؤتمر صحفي لشرح (كما يقول ماكوك معاون مشار) أحدث التطورات في جنوب السودان، وهي حين تفعل ذلك لن تتهم بتكميم الأفواه، التي هي ضليعة فيه بامتياز، ولتكن حجتها (هذه المرة بالمنطق) محافظة لمصالح السودان الاستراتيجية!!..

 

* eisay@hotmail.com