التغيير: العربي الجديد

عندما اختارت فاطمة أحد المستشفيات المتخصصة في الخرطوم بعناية للخضوع إلى عملية جراحية على أيدي أمهر الأطباء المشهود لهم بالكفاءة، لم تكن تدري أنّها سوف تعرف معاناة جديدة تخسر فيها مالها وصحتها على حدّ سواء. وقع خطأ طبي خلال جراحة استئصال مرارتها، فدخلت في دوامة كادت تفقدها حياتها في أي لحظة.

تشكو فاطمة لـ”العربي الجديد”، مصابها، قائلة: “ندمت، إذ لم أفكّر في السفر إلى خارج البلاد للخضوع إلى الجراحة، خصوصاً أنّني كنت أملك القدرة المالية التي تسمح لي بتحمّل مصاريف السفر والعلاج”. وكانت فاطمة قد اضطرت من جرّاء خطأ طبي، إلى “الخضوع لثلاث عمليات جراحية أخرى بمبلغ فاق مائة مليون جنيه سوداني ، بالإضافة إلى متابعة طبية شهرية وفحوصات دورية تكلفني نحو 900 جنيه (نحو 150 دولاراً). وأنا أتكفّل بكلّ ذلك وحدي، خصوصاً أنّني لم ألاحق الطبيب قانونياً، ووكّلنا أمرنا لله”.

فاطمة مجرّد ضحية من بين ضحايا كثيرين للأخطاء الطبية التي تزداد أخيراً في السودان. بعض الحالات خرجت إلى العلن واتخذت إجراءات قانونية في المجال، أمّا حالات أخرى فأخفيت بهدف السترة وانطلاقاً من طبيعة السودانيين المتسامحة. وتجدر الإشارة إلى أنّ بين الحين والآخر، تنقل تقارير إعلامية خبر وفاة طفل أو شاب أو امرأة أو مسنّ بسبب أخطاء طبية أو من جرّاء معاناة طويلة تبعتها. ويُفتح باب الجدال من جديد حول ثقة المواطن بالطبيب والمستشفيات السودانية، لا سيما مع تزايد السفر إلى دول مثل الأردن ومصر، بغرض الاستشفاء. يُذكر أنّ البعض يعمد إلى ذلك عبر جمع الأموال من خيّرين، لعدم قدرتهم على تحمّل الكلفة العالية، خصوصاً مع ارتفاع معدّلات الفقر في البلاد.

ويعزو خبراء تزايد الأخطاء الطبية إلى هجرة الكوادر الصحية، ولا سيّما أنّ الأجهزة الرسمية تفيد بأنّ معدلات هجرة الأطباء تأتي بواقع ثلاثة آلاف طبيب سنوياً، بالإضافة إلى تدهور مستوى التعليم وزيادة عدد كليات الطب الخاصة، أي تلك التي ينتسب إليها الطلاب وفق مقابل ماليّ ليس بقليل، من دون الأخذ بالاعتبار درجاتهم. يُذكر أنّه في السابق كان لا بدّ للطالب من أن يكون متميّزاً حتى يدخل كليات الطب.

في فبراير/ شباط الماضي، أعلن المجلس الطبي السوداني ارتفاع معدلات الأخطاء الطبية في البلاد بنحو 5.7 في المائة، الأمر الذي خلّف حالة من الهلع وسط السودانيين تجلّت في عمليات اعتداء متكررة على الأطباء من قبل مرافقي المرضى إلى جانب اهتزاز الثقة بالمستشفيات السودانية.

 

من جهته، كان رئيس المجلس الطبي السوداني، الزين كرار، قد وجّه اتهامات إلى أطبّاء لم يسمّهم، على خلفيّة عدم تمكّنهم من القوانين المتعلقة بحماية أصول المهنة، وقد طالبهم بمحاسبة أنفسهم قبل أن يحاسبهم القضاء. ورأى المجلس الطبي أنّ الأطباء في حاجة إلى تدريب جيّد وممنهج، بالإضافة إلى ضرورة إصلاح النظام الصحي في البلاد.

 

إلى ذلك، خصّصت الدولة في موازنة العام الجاري مبلغ 571 مليون جنيه (نحو 94 مليوناً و300 ألف دولار) للصحة، وهو مبلغ يراه أطباء قليلاً، نظراً لما يتطلبه القطاع لتقديم خدمة أفضل. يُذكر أنّ موازنة الدولة تبلغ 67 مليار جنيه (أكثر من 11 مليار دولار).

 

في السياق، أصدرت وزارة العدل السودانية أخيراً منشوراً بمنع القبض على الأطباء والزجّ بهم في السجون، في حال ارتكابهم أخطاء طبية، مشدّدة على ضرورة الاكتفاء بالإجراءات الأولية. وفي ورشة متخصصة تناولت هذا المنشور وعقدت في الخرطوم قبل أيام، دافع المستشار في وزارة العدل بدر الدين صالح عنه، موضحاً أنّ الأمر لا يستقيم من خلال وضع الأطبّاء في السجن مع المجرمين. وشدّد على أنّ الخطأ الطبي في الأساس لا يكون متعمداً، كذلك فإنّ المسؤولية لا تقع على الطبيب وحده، إنّما تتحمله كذلك المؤسسات الصحية التي يفتقر بعضها إلى أبسط معينات التشخيص. أضاف أنّ الجامعات كذلك تتحمّل مسؤولية، كاشفاً عن اتجاه داخل الوزارة لصياغة منشور جديد يحدّد الخطأ المدني والجنائي ليوزّع على وكلاء النيابات خلال الفترة المقبلة، فضلاً عن مراجعة القوانين الجنائية. ولفت إلى الاتجاه نحو حذف المادة التي تدين الأطباء جنائياً في حالة الأخطاء الطبية.

 

وطرحت الخطوة الجدال من جديد حول الإفلات من العقاب الذي من شأنه أن يزيد من الأخطاء في غياب الرادع، وصدرت مطالبات بتشديد العقوبة على الأخطاء الطبية. وبدا الأطباء أكثر قلقاً من تزايد عمليات الاعتداء عليهم من قبل مرافقي المرضى، وتحميلهم مسؤولية تأخّر شفاء مريض ما أو وفاته. وقد شدّد في هذا الإطار المستشار في وزارة العدل، بدر الدين صالح، على أنّ لا مبرّر للاعتداء على الأطباء، فهم “خطّ أحمر”.