صديق عبد الهادي

 

“إن الإسلام السياسي ليس الناتج التلقائي لقوى الإيمان الديني الحقيقي لدى شعوب هذه المنطقة، بل إنه حالة تمّ بناؤها بجهدٍ دؤوب من قِبل الإمبريالية، وطبعاً بتأييد من القوى الظلامية الرجعية والطبقات الكومبرادورية التابعة.”                                                                                                         د. سمير امين.

إنه، وفي حقيقة الامر نجد ان ما ساعد حمدي على صياغة نظريته، وبذلك  الوضوح “المستفز”،  ليست  تصوراته الشخصية وإنما برنامج الحركة الإسلامية السودانية نفسه، والذي يقوم جوهراً على فكرة النقاء الديني المسنود بالنقاء العرقي، وكذلك بكل ما هو قبلي وذلك مما فضحته تجربة ثلاثة عقود من الحكم العنصري.

إنتبه المفكرون والمثقفون والاكاديميون الوطنيون لخطورة ما طرحه الاقتصادي الاسلامي حمدي، حيث اشار د. صديق أمبدة إلى أنه، ” رغم كل شئ فالخطورة لا تكمن فقط في الأفكار الواردة في الورقة وإنما في السكوت عليها، خاصّةً من الحزب الحاكم. وذلك لأن بها رائحة عنصرية جديدة تزكم الأنوف ولأنها تُثير أسئلة كثيرة وتنكأ جراحاً قديمة حول المسكوت عنه.” (أمبدة، صديق، من اين اتى هذا العبد الرحيم؟، موقع الإقتصادي السوداني)    http://sudaneseeconomist.com

كان كل ما ورد اعلاه هو جزء من الاطار النظري الذي إعتمدته وتعتمده الحركة الاسلامية السودانية في تنفيذ المرتكز الاساس لإنجاز مهمة التمكين فيما بعد سنة 1989، اي الشروع في الاستيلاء على الأرض، ومقصودٌ به اهم الاراضي، وهي الاراضي السودانية التي تقع في “مثلث حمدي”. وهنا نشهد انتقالاً نوعياً في عملية تراكم الراسمال الطفيلي الاسلامي، فإذا كان في المرحلة الاولى، فيما قبل 1989، نتج التراكم الراسمالي للاسلام السياسي من توظيف الراسمال المالي، فإنه في المرحلة الثانية، فيما بعد 1989، نجد ان الجزء الاهم من عملية تراكم الراسمال خُطِّطَ له ان ينتج من عملية انتزاع ملكية الارض، ومن ثم إستغلالها بتوظيف راسمال الطفيلي الإسلامي الذي تمَّ نهبه وإكتنازه عبر كل المراحل السابقة، ومنذ منتصف سبعينيات القرن الفائت. إن محاولة إنجاز هذه المرحلة او الحالة من التمكين هي التي فتحت ابواب الجحيم الرأسمالي الطفيلي الإسلامي على اراضي مشروع الجزيرة والمناقل!.  

لابد من إعطاء خلفية قد تساعد في تشريح وفهم مرحلة التمكين الثانية للاسلام الحركي في السودان، والتي تقوم بتنفيذها الآن الحركة الاسلامية.

إن عملية الإستيلاء على الارض، اصبحت ظاهرة كونية مع مطلع القرن الواحد عشرين، تقودها قوى الامبريالية العتيقة المتمثلة في الولايات المتحدة وبريطانيا، وكذلك متمثلة في قوي الامبريالية الجديدة في لباسها “الإشتراكي”، اي جمهورية الصين، التي اضحت امبريالية اكثر من الامبرياليين انفسهم!. “إنه، وبناءاً على ما اورده البنك الدولي ان هناك 464 مشروعاً لاجل الاستيلاء على الارض بدأ تنفيذها فيما بين 2008 و 2009، وان 22 مليون هكتار (اي ما يعادل 54 مليون فدان _ الكاتب) قد تمّ الإستيلاء عليها فيما بين 2010 و 2011 لوحدها. إن اهم سبب من واء التكالب على الارض هو محاولة السماسرة العالميين تامين الغذاء اللازم للاقطار ذات الكثافة السكانية العالية، والتي تُوَاجهُ بمواسم زراعية متذبذبة وغير طبيعية ( مثل الصين، الهند وكوريا الجنوبية). فهذا التكالب والاستيلاء المسعور على الارض تمّ بشكل واضح في سبعة دول افريقية حيث ان سعر الهكتار الواحد بلغ اقل من دولار (اي ان الفدان باقل من نصف دولار – الكاتب).” (روس، اليكساندر، إسترداد الأرض، ص 9-10) 

إن الدول الافريقية السبعة المشار اليها اعلاه، من بينها السودان. كما وان الصين تعتبر واحدة من اكثر الدول المتكالبة لاجل الاستيلاء على الارض في القارة الافريقية، والتي تربطها علاقات فساد مشبوهة بكل الانظمة الديكتاتورية في القارة. 

إن رباطاً وثيقاً يمتد بين نظام الصين “الاشتراكي/ الامبريالي” وبين النظام الاسلامي/ الطفيلي في السودان، وذلك لا لسببٍ آخر سوى ان الحركة الاسلامية السودانية، وللطبيعة نفسها، اصبحت مغرمةً ولحد الوله بتجربة الحزب “الشيوعي” الصيني، وكذلك ببرنامجه للانفتاح الاقتصادي والتحول الإجتماعي والسياسي.  وبفضل ذلك صارت الحركة الاسلامية السودانية وكيلاً مشتركاً للامبريالية بشقيها، فبالتاريخ لامبريالية الغرب وبالتبني لقوى الامبريالية الجديدة الناهضة، اي الصين.

تشير تقارير عدة إلى ان اعلى نسبة في الاستيلاء على الاض داخلياً تحدث الآن في السودان حيث وصلت إلى 78%. (موسقير، بوسقي، الاستيلاء على الارض في افريقيا هو استعمار جديد، 24 مايو 2014، على الرابط التالي:

http://thisisafrica.me/land-grabbing-africa-new-colonialism                                                             

وقد اشار الى ذلك ايضاً الكاتب “قريف شيلوا” في مقال بعنوان “الإستيلاء على الأرض في افريقيا، انك لم تسمع به”، قام بنشره في سلسلة “اللامساواة”، وهي سلسلة تصدر بالاشتراك بين المنظمة النرويجية اللاربحية ومؤسسة الطلاب والاكاديميين المعروفة إختصاراً بـ SAIH.

إن ارتفاع تلك النسبة من الاستيلاء على الأرض داخلياً لم يتم او يحدث بمحض الصدفة، وانما تفسره الحروب التي تشعلها الراسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس) في كل انحاء السودان، والتي احد اهم اسبابها السعي لنزع الارض من السكان الاصليين ومن ثم الاستيلاء عليها، إن كان في مناطق جبل مرة، جبال النوبة او مناطق جنوب النيل الازرق. وذلك هدف، يعلم الجميع، أنه يلتقي وبالضرورة مع اهداف قوى الاستعمار الحديث، والتي من بينها هدف بالغ الدقة، وهو ضمان “تحول البنية الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية للمدن والدول، وبشكل خاص ليشمل ذلك التحول كيفية علاقة الناس بمدنهم وببعضهم البعض، وبل بارضهم.” (روس، اليكساندر، سابق، 15) 

إنه، ومهما بلغ حجم التعدي والاستيلاء على الارض في السودان بواسطة الرأسماليين الطفيليين الاسلاميين، فإن مرحلة التمكين الثانية التي يعتمد عليها إستمرار نظامهم وحكمهم في السودان سوف لن تتم ولن تبلغ غايتها ما لم يتم النزع لاراضي مشروع الجزيرة والإستيلاء عليها. وذلك، بالطبع، امرٌ صعب المنال. فلقد تكسرت كل محاولات الحركة الاسلامية التي ابدتها، إن كان بالإرهاب المباشر او عن طريق التشريع، مثل قانون سنة 2005 الجائر، تكسرت كلها على صخرة المقاومة الصلبة لحركة المزارعين. وذلك امرٌ محتوم.

وفي الختام، لابد من الإشارة إلى ان ما افصحت عنه تجربة الاسلام الحركي، أن الذي يربط بين مرحلتي تمكينه، فيما قبل 1989 وفيما بعدها، هو الفساد وبؤس وضعف البنية الاخلاقية والمهنية وبل المعرفية المتعلقة نظرياً، ثم تطبيقياً ببرنامج الحركة الإسلامية للتحول وعلى مستوياته المعروفة، الاقتصادية والإجتماعية والسياسية.

___________________________.

(*) ورقة بحثية منشورة كجزء من كتاب “مشروع الجزيرة وبؤس الحركة الاسلامية”، الناشر مؤسسة الاقتصادي السوداني، فلادلفيا، الولايات المتحدة، يونيو 2016.

 

Siddiq01@sudaneseeconomist.com