التغيير : الفاشر 

تحت  ظل شجرة عملاقة وأثرية في سوق الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور ، اعتادت ” بت بقي” وهي من أشهر بائعات الأطعمة البلدية في المنطقة ان تبيع طعام ” العصيدة” باطعمتها المختلفة منذ سنوات لزبائنها من رواد السوق وموظفي الدولة الذين يأتون صباحا لتناول الفطور تحت ظل الشجرة وعلي مقاعد محلية  مصنوعة من الخشب تعرف ” بالبنبر”. وما لايعرفه معظم الناس ان ” بت بقي” تخصص جزء كبير من طعامها للفقراء والمساكين ونازحي المعسكرات وطلاب الخلاوي ، حيث تقوم بإرسال كميات مقدرة من الطعام الى تلك الأماكن لتوزع على المحتاجين.

وفيما اعتذرت بت بقى بلطف عن الحديث  ” للتغيير الالكترونية ” عن هذا الامر باعتباره ” امر خير ” الا ان احدى الفتيات العاملات معها قالت انهم يقومون بتوزيع العشرات من الطلبات للمحتاجين ” في كل صباح وقبل ان نأتي الى الشجرة تأمرنا بت بقي بتوزيع العشرات من طلبات العصيدة للمحتاجين .. كما ان هنالك مناديب من معسكر السلام يأتون يوميا لأخذ نصيب بعض الاسر من الطعام بشكل يومي”. 

 

اما اسلمة التي تعمل في صناعة وبيع أدوات تراثية  محلية في سوق ” المواشي” فظلت تعمل في هذه المهنة/ التجارة لسنوات طويلة ، وأيضاً لها زبائن كثر خاصة من خارج اقليم دارفور. وجدناها وهي منهمكة في توضيب عدد من الأدوات المنزلية المصنوعة من السعف في كيس بلاستيكي كبير وقالت دون ان تلتفت إلينا ” اعتدت ان أرسل هذه الأدوات المصنوعة من السعف والتي تستخدم لتقديم الحلوى والبلح للضيوف الى عدد من الاسر في معسكر أبوشوك لتشاركهم فرحة العيد”. وتضيف ” نحن نعلم انهم لا يملكون المال لشراء مثل هذه الأواني الجميلة والمرأة في دارفور تحب مثل هذه الأشياء في منزلها لإكرام الضيوف .. وانا احاول ان اقدم المساعدة قدر المستطاع”. 

 

وليس بعيدا عن مكان ام سلمة ، فان هنالك العشرات  من النساء والآنسات يعملن في السوق وغيره من الأماكن في كل شبر من دارفور من اجل كسب لقمة العيش: بائعات للخضر والفاكهة ، والأدوات الجلدية التي تستخدم مع الابل والحمير والأحصنة مثل السروج واللجام والهودج ، بائعات للطعام الذي تقتات منه الحيوانات ،  وبائعات للمياه للإنسان والحيوان معا وعاملات في مهن شاقة مثل صناعة الطوب وأعمال البناء ، مزرارعات وراعيات. باختصار فان المرأة  في دارفور تعمل بهمة عالية ودأب نملة  ، ورغبة كبيرة في صناعة الحياة في الاقليم الذي مزقته الحرب منذ اكثر من ثلاثة عشر عاما ، والاهم من ذلك كله فهي تعمل في صبر ورضا غريبين. 

 

 وفي هذا الصدد تقول كلثوم  محمد ابكر وهي من القيادات النسوية المعروفة في مجال العمل النسوي في دارفور ان النساء هنا يحاولن المستحيل لان تستمر الحياة في الإقليم ” تحملت النساء في دارفور كل مآسي الحرب التي اندلعت في العام 2003  حيث قتلت واغتصبت وشردت وعاشت في معسكرات النزوح داخليا ومعسكرات اللجوء خارجيا في تشاد ومع ذلك فهي تحاول ان تصنع الحياة”. وتضيف ” المرأة هنا ليست نصف المجتمع بل كل المجتمع خاصة في المعسكرات بعد ان تركها الرجال والشباب وفروا الى عوالم اخرى فتصدت هي للمهمة وأصبحت هي رب المنزل تقوم بكافة الواجبات في تربية الأبناء وتأمين المستقبل لهم دون ضوضاء او من او آذى”. 

وتشير إحصاءات وكالة الامم المتحدة للشئون الانسانية ان عدد الاشخاص الذين يعيشون في المعسكرات في دارفور وصل الي 3.2 مليون شخص وان اكثر من نصف هذا العدد هم من النساء.