خالد فضل

  كل عام وأنتم بخير , لكن نظام الحكم في السودان لم يدع فرصة لخير للبلد وأهله , جاء الخريف هذا العام بمستويات إمطار عالية , اندلق دمع السماء سخيّا متآزرا مع حالة غالبية السودانيين الذين يكابدون ويراحون مكانهم ما بين فاجعة وكارثة , فمناطق الخصب الممتدة من سهول دارفور إلى شرق النيل الأزرق قبالة حدود اثيوبيا هي في الواقع حزام النار الملتهب , حياة شعبنا في تلك الأقاليم الكبيرة عبارة عن كرّ وفرّ لجؤ ونزوح قتل وقصف وإغتصاب ونقص متواتر في الأنفس والثمرات , لقد ودّعت تلك الأقاليم حياة الإستقرار منذ عقود وتطاول فيها ليل الأسى والضنى , ماء السماء الذي اندلق مدرارا كان وبالا على سكان همشكوريب وقرى كسلا , وعطنا في محليات عديدة بالجزيرة , ومع ذلك فإنّ عادة أهلنا وطقسهم الروحي الفيّاض يقبل فضيلة الغرق برضا على أمل ما يعقب الريّ من خيرات , وأول بوادر الخير شبع السعيّة والدنيا قبايل عيد تنحر فيه الهدى , ولكن وجريا على العادة الغريبة جدا في السودان ما من شئ أُنتج بغزارة إلاّ زاد سعره , حدث هذا مع البترول ومشتقاته ومع القمح ومنتجاته ويحدث الآن مع الخراف وأسعارها ذات الملايين الأربعة والثلاثة للرأس , والعذر لدى الباعة موجود ومقنع جدا , كلُّ شئ زايد فلماذا سلعتنا ؟ لا يستطيع مواطن أنْ يجادل بعد ذلك , ويا حاجة آمنة اتصبري كما يدندن شريف شرحبيل ضمن عقد الجلاد .

   لا يوجد في السودان قانون الوفرة الذي يجعل المنتجات معقولة السعر وفي متناول أيدي الغالبية , هنالك فوارق واضحة وفاضحة في سودان اليوم بنشؤ طبقة ظاهرة الثراء من غير انتاج وأغلبية تكدح من البيّاح وحتى الظلام ولا تصل لشئ , الإغنياء الطفيليين يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا وتنحدر إليهم يوميا أعدادا جديدة ممن كانوا في عداد الطبقة الوسطى , ومع ذلك تبدو خيارات النظام المسيطر دوما صفرية , لا تبدو للنسبية فرصة في أقوال سدنته وممارساتهم , مارسوا الحكم بعقلية التعصّب والعصبية والهيجان فجاءت النتائج الفادحة على كافة المستويات وفي كل مجالات الحياة , أعدموا ثلاثة من الشبّان بجريمة حيازة عملات حُرّة لأول عهدهم بالسلطة , وها هو الدولار والريال يمدُّ سطوته وينهار الجنيه السوداني أمام جبروت العملات الحُرّة بما يعادل الآلاف المرات بالمئة عندما أعدموا أولئك الشباب , لقد بلغ سعر الدولار 15ألف ونصف الألف جنيه سوداني , وإجراءات البنك المركزي لا تعدو اجراءات جهاز الأمن , أقبض أعتقل أسجن !! الخيار الصفري هو الخطة والتدبير وهو ما يحدد المسير , لا مجال للعقل والتريّث وإعمال التفكير وطرق مواطن الداء ومكامن العلل , في الحقيقة الداء الفتّاك هو هذه السلطة بممارساتها وأشخاصها الذين تنعدم فيهم خصائص السواء البشري العادية . كلّ صباح جديد يطرق أذنك حدث جديد أبطاله من الأباطرة الحاكمين , من فساد شركة القطن إلى مظان الفساد في إدارة التلفاز , من هيئة الأوقاف إلى ديوان الزكاة , ومن قطارات ولاية الخرطوم إلى مواقف المواصلات ودكاكين اليسع الألفية , وعهدنا بالألفية لالوب في مسبحة ساداتنا الصوفية ! كل يوم يأتيك بالأنباء من لم تزوّد عن مكبات النفايات في غرب أم درمان وحكاية الحاويات الصينية , وفي كلّ يبدو الخيار الصفري حاضرا , فمن لهط قروش شركة الأقطان لم يلهطها عفو الخاطر بل سار على درب سلكه غيره الأخوان ! ومن جنّب أموال الأوقاف أو دوّر الدكاكين لم يأت شيئا إدّا فهذه ممارسة السابقين واللاحقين من تجّار الدين , الإطلاقية هي فلسفتهم , وإذا هبّت رياحك فاغتنمها هي أساس رؤيتهم  ومنتهى عقيدتهم , جلبوا أسامة بن لادن ورهطه من الإرهابيين الدوليين , أسسوا لهم منبرا ووفروا لهم ملاذا مثلما آووا كارلوس , ثمّ وعلى نهج الصفرية في كل شئ باعوهم بملفاتهم للإستخبارات اللاهثة وراءهم واستولوا من بعد على أموال المجارين بزعمهم , فنشأت طفيليات تحت مسمى شيخ فلان وشيخ علّان ممن باتوا من أصحاب الدولار والعقار والفلل الفخيمة على شطئان الأنهار , نسوا بن لادن وجلوسه في الصفوف الأولى بينهم في ساحات الفداء , باتت دولاراته فيئ أفاءه الله عليهم , مثلما اندفعوا في سكة آيات الله حتى ظننا أنّهم باتوا يبكون عند قبر الزهراء اعتذارا عن خذلان أجدادهم الأقدمين لنجلها الحسين بن علي (رضي الله عنهما وعن آلهم أجمعين ) , كما تفعل نساء الشيعة في البقيع , ثمّ بإذا رفسنجاني يبارك زواج الكورة في الحصاحيصا , ويطوف معهم البلدات , واليرموك وما أدراك ما السلاح وحماس وكل شئ لله . لقد الخيار الصفري حاضرا والبوارج ترسو في بورتسودان والرسالة موجّهة للسعودية وإمارات الخليج بأنْ إيران من وراءكم ومن أمامكم فأين المفرُّ؟ وإسرائيل بصواريخها تحيل الأوهام إلى رماد , وماكينة اللحام تصيّر مصنع السلاح إلى حطام . قال ماكينة لحام قال !! ولأنّ خيارات الفاسدين والفاشلين دوما صفرية , جاءت مكالمة مدير مكاتب الرئيس الفريق أمن طه عثمان , لأحد أمراء البلاط السعودي معلنة قطع العلاقات مع إيران وطرد بعثتها الدبلوماسية في غضون اسبوع , لا توسط عند هولاء القوم ولا رشد إذ تميل مع الهوى أحلامها , والشيخ فتح الله كولن التركي لا أحد يعلم شيئا عن استثماراته غير أنّ عبدالرحيم حمدي عندما كان وزيرا للمال والإقتصاد كان قد أعلنها دون مواربة أنْ مرحبا بتتريك الإقتصاد , ومن يومذاك صار الأثاث الفخيم في الحي الرئاسي وما شابهه من أحياء الطفيليين وارد الشركات التركية , والحاج قولن يستثمر في التعليم ويتمدد النفوذ بالخيار الصفري اللاهث وراء العمولات والسمسرة والتسهيلات , ثمّ وبدون مقدمات تذروا أحلام الشيخ كولن الرياح تُصادر مؤسساته لصالح أخوان جُدد ممن فاتهم ميري بن لادن وغدا تشرق الشمس على فلان الحائز على فيئ كولن , وغدا ربما تُشرق الشمس على أموال الإتحاد الأوربي ذاتها ؛ تلك المخصصة لمكافحة الهجرات , فتصير بوتيكات باسم الجنجويد الصاعد !

  حياتنا في السودان صارت ملهاة , وكل شئ مباح وجائز , من قتل الناس إلى الإتجار بالبشر والسلاح والمخدرات , فما الجديد في الإعتراف (ب) والتطبيع مع إسرائيل ؟