عثمان ميرغني

أثارت واقعة ضرب المهندس أحمد أبو القاسم عاصفة كثيفة من الرمال المتحركة.. بدأت على سطح الأسافير بخبر بثه أحد أقربائه.. عن اقتياده من منزله فجر أمس الأول إلى ضاحية (سوبا) جنوبي الخرطوم .. و العثور عليه ملطخاً بدمائه بعد ضربه في مناطق مختلفة من جسمه .. ثم نقله إلى المستشفى ..
إلى هنا ليس في الروايات المنثورة أثيرياً اختلاف ولا إنكار.. لكن رسالة الأسرة الأولى تمددت إلى اتهامات شخصت فيها أسماء ففجرت عاصفة من الآراء المتضادة.. رغم أن مثل هذه القضايا الجنائية تتطلب بعض الصبر لإكمال دورة التحري الحتمية..
القضية تحولت من جنائية إلى سياسية بامتياز.. حكومة ومعارضة.. وفي الحال بدأت الراجمات من معسكري الحكومة والمعارضة تبادل قصفٍ مدفعيٍّ كثيف من الجدال الاثيري المحتدم..
الذي أثار دهشتي في الأمر برمته.. هو الطريقة التي اختار بها أنصار حزب المؤتمر الوطني الردّ على مثيري الادعاءات.. هنا الثغرة التي ظللت أكرر التنبيه إليها..
كتبت أكثر من مرة في هذا العمود.. أنه عندما تنبري المؤسسات السياسية أو الحكومية التنفيذية للرد على دعاوى مثارة ضد أفراد فإنها تضع (السيستم) كله تحت هجير الشك والريبة والهواجس الشعبية.. فالشارع السوداني حساس إلى أعلى درجة لأيّ مساس حكومي بقضايا محلها المسار القانوني.. فإذا ما انبرت جهات رسمية (سياسية أو تنفيذية) للدفاع – من وجهة نظرها- عن قضية جنائية فإنها ،وبدون وعي ، تثير الغبار حول حيدة المؤسسات الرسمية تجاه القضايا العدلية.. بل تقذفها بحجر الشك..
القاعدة التي يجب أن تلتزم بها المؤسسات السياسية – بالتحديد أعنى حزب المؤتمر الوطني- والمؤسسات التنفيذية في الحكومة.. أنها معنية فقط بما يمسّ السياسات أو القرارات الصادرة منها فقط.. أما القضايا ذات البعد الشخصي فالأجدر أن تسحب هذه المؤسسات كرسياً وثيراً تحت ظل شجرة.. وتنتظر مثل غيرها (نتائج التحقيقات) والإجراءات التي حتماً ستباشرها الجهات الرسمية ذات الصلة..
مهما تكن الدعاوى خطيرة.. فطالما هي ذات بعد شخصي فليس من الحكمة أن تنطق أي جهة رسمية ببنت شفة (حتى ولو في قروبات الواتساب).. حتى لا تضع نفسها طرفاً في قضية لا علاقة لها بمؤسسات الدولة أو الحزب.
الحياد الايجابي مهم جداً ليس فقط لسلامة مسار إجراءات المؤسسات العدلية (شرطة نيابة وقضاء) فحسب.. بل لصيانة الشعور الجماهيري وحمايته من أي إحساس بأن ميزان العدالة يتفرس في الملامح والبطاقات قبل أن يتحرى عمله.. وأن (المطففين) الذين ذكروا في القرءان ليسوا هم من يطففون موازين السلع والبضائع فحسب.. بل والأخطر منها القيم والأخلاق والعدالة..
دائماً اعملوا بمبدأ.. ما للدولة للدولة.. وما للأشخاص للأشخاص.. ولا خلط بينهما..