خالد فضل

  ها هي أيام العيد الكبير تنقضي , انتشر قاطنو الخرطوم في ولاياتهم الأصلية في رحلة الذهاب ومن ثمّ العودة خلال يومي السبت والأحد , فترة الإجازة الطويلة مكّنت كثير من الأسر من السفر لمعايدة العُقب في أنحاء البلاد الواسعة , خلال هذه الفترة تظهر بوضوح اختلالات الدولة السودانية , تلك الإختلالات التي جعلت من الخرطوم العاصمة هي الملاذ الوحيد المتبقي لطالب أي خدمة بما فيها فرص العمل .في الواقع معظم أرجاء البلاد تعاني من التدهور والانهيار حيث لا مشاريع تنموية ذات شأن وحيث الخدمات تكاد تنعدم في مدن الولايات ناهيك عن قراها , ما يسمى بمشاريع الاستثمار الزراعي تبدو حتى الآن عبارة عن مزارع أعلاف , بينما مشروع الجزيرة على حاله البائس منذ عقود .

     أيام العطلة شهدت ثلاثة أحداث بارزة في تقديري , هي من غير ترتيب انتشار الإسهالات في ولايتي سنار والنيل الأزرق , مصرع خمسة طلاب من النازحين في كاس , وحادثة خطف وتعذيب المهندس أحمد أبوالقاسم , في كل هذه الحوادث هنالك روايات مختلفة , بصراحة شديدة وكما عبّر أحد الأصدقاء هنالك فقدان تام للمصداقية بين المجتمع ومختلف السلطات الرسمية , لقد أفرزت سنوات القمع الشديد  مناخ معتّم بالأكاذيب الرسمية مما جعل موقف السلطات دوما محل شك ,وهو شكّ معقول بتواتر الحوادث فقد أعتاد الناس على الكذب الرسمي منذ فجر اذهب للقصر رئيسا وسأذهب للسجن حبيسا , من يومها والمسلسل المكسيكي مستمر , الآف الأرواح فُقدت خلال ما يقارب ثلاثة العقود , ملايين الناس هٌجّرت ونزحت ولجأت وأعادت التوطين , أطفال كُثر ولدوا وتخرجوا في الجامعات وتزوجوا وانجبوا ومسلسل الأكاذيب مستمر . من أين للناس أنْ يصدقوا الرواية الرسمية ؟والشهيدة التاية أبوعاقلة يتم إغتيالها وسط حرم جامعة الخرطوم في بداية عهد الشؤم بينما الرواية الرسمية تقول إنّ عراكا بين الطلبة قد أفضى لقتل الشهيدة , وشهداء سبتمبر2013م يتم قتلهم بدم بارد تحت مرأى الناس , لتخرج الرواية الرسمية بقول فطير عن السيارات المجهولة التي اغتالت الشهداء , الرواية الرسمية التي يشيعها سدنة الكذب تحت عنوان (تبت يد المخربين) , تقول إنّ المتظاهرين هم من خربوا واحرقوا بصات ولاية الخرطوم فيما ينبري مسؤول في شركة المواصلات قبل فترة ليبرئ أولئك المتهمين زورا من إثم التخريب ! هذا إضافة للوعود الهوائية التي جلبت  الضرر أكثر مما حققت نفعا , حتى صار أي وعد حكومي يعني عكسه تماما , تشكّلت لدى السودانيين قناعة مفادها أنّ السلطات تكذب وتتحرى الكذب لذلك فإنّ أي رواية مضاده لما تنشره السلطات تجد حظّها في التصديق والسريان , وفي الأحداث الثلاثة المار ذكرها نجد أنّ الرأي العام يميل إلى تصديق الروايات المضادة لرواية السلطات الحكومية , فالإسهالات التي انتشرت في مناطق الدمازين والروصيرص ربما لا تكون هي وباء الكوليرا , وقد أفادني مصدر طبي موثوق لدى بأنّ نتائج التحليل التي اطلع عليها تنفي وجود كوليرا , ومع ذلك فإنّ تعامل السلطات الأمنية مع الحدث يثير الشكوك , فالهاجس الوحيد لدى الأجهزة الأمنية ليس نجاعة الإجراءات والتحوطات الطبية اللازمة لمواجهة الواقع بل ينحصر جلّ همها في عدم خروج افادات تؤكد وجود الوباء . هذه العقلية الأمنية تزيد من الشكوك أكثر مما تزيح من تخرصات , فلو افترضنا جدلا أنّ ما ظهر من حالات في سنار والسوكي والروصيرص وأبوحجار والدندر وغيرها من مناطق ليس كوليرا بل اسهالات مائية أو كولاي كما يقال , فما هي الإجراءات الصحيحة التي تم عملها ؟ أمّا حادثة الخطف , فمهما تعددت حول الدوافع أو من قام بها فإنّها تضع الأسئلة فوق الطاولة عن كيف توصف الخرطوم بأنّها آمنة والمواطن فيها يتم خطفه من أمام منزله ثمّ يرمى مثل جثّة في الخلاء؟ من أو من هم الخاطفون والمعذبون ؟ من هم الذين اعتدوا على الصحفي عثمان ميرغني في عصرية رمضان قبل عامين في عقر دار صحيفته التيّار وسط الخرطوم , من هم الذين اغتالوا محمد عبدالسلام ورفاقه من طلبة الجامعات ؟ أهم المرجفون والعملاء أم عصابات متخصصة في اغتيال المعارضين للسلطة الفاشية ؟ أين الحقيقة في زمن تصرّ فيه السلطات على الكذب (كما في وصف الصحفي بهرام عبدالمنعم ), كما أنّ مسألة تصفية الحسابات ضد الأفراد والجماعات ليس بالأمر الغريب , وفي إقليم دارفور وفي جبال النوبة قبل اسبوعين وقعت أحداث مؤسفة في العباسية تقلي , يمكن تصديق أي رواية عدا رواية السلطات الحكومية , لقد خرج الإسلاميون أو الإنقاذيون أو السلطويون من قلوب الشعب السوداني بغير رجعة , وسيأتي يوم تنكشف فيه الحقائق طال الزمن أم قصر فما من استبداد دام وما من قهر أحنى قامات الشعب السوداني إلى الأبد , وغدا عندما تشرق الشمس ويسطع ضؤها فوق البلاد سيعلم الناس هول ما وقع ويقع وسينال الظالمون الجزاء الأوفى والحساب المستحق .