عبد الله الشيخ

أبو الطِّب المتنبئ، هو أحمدُ بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي أبو الطيب الكندي الكوفي المولد. عاش في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي. أشعر وعمره تسع سنوات. ذاع صيته في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب، فأين حلب الآن من ماضيها؟  

المتنبئ، مدح وهجا كافور حاكم مصر، عندما كانت مصر والسودان ضيعة واحدة، وقد حدّث عن ذلك الإنجيل، الذي ورد فيه: “و في مصر يُصلب ربُّنا أيضاً”!

كلما جاء العيد تذكرنا المتنبئ، وقصيده في الملاريا والنواطير والثعالب. تلك الابيات لم تزل الركبان تسير بها، منذ مئات السنين، وحتى الآن:ــ “عيدٌ بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ، بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديد”..ما أتيح لنا قراءته من تلك  القصيدة في بواكير الصِبا، هو تلك الأبيات المُختارة التي ليس فيها “ما يخدش الحياء” بلغة الرقابة القبلية أو البعدية..ومن أراد التعرُّف على غضبة المتنبئ ــ كما هي ــ في وجه محسوبنا كافور، فعليه مراجعة النص الأصلي.. غير أنني سأورد هنا بيتاً دون شرحه، لأن لفظه “مُحكم” ولا يجود بشيئ لعامّة الناس :ــ “إن امرأً أمةٌ حبلى تدبرهُ ــ لمستضام سخين العين مفؤودُ”!

 ماذا فهِمت من هذا، يا رعاك الله؟

 إنه جدُ خطير!

 ولأنه كذلك، فسأشرح البيت الذي يليه، لتقريب المعنى..قال أبو الطيِّب:ــ  “ويلمها خطةً ويلم قابلها ــ لمثلها خلق المهرية القودُ”. يلمها تُقال تعبيراً عن التعجب من الشيء..  يقول ما أعجب هذه القصة وما أعجب من يقبلها، ولقد خُلِقت الإبل للفرار من مثلها..الإبل المهرية نسبة إلى قبيلة الأمهرة، أو إلى “مهرة”، وهي قبيل من العرب.. أما القود الطُوال جمع “الق….”! و المتنبئ هكذا، و كما قال الطيب صالح، هو شاعر إما أن تحبه كما هو، أو تتركه وشأنه. ولإستاذ اللغة العربية عبد الله عاصي القيد، نظرات فاحِصة في شِعر المتنبئ.. و لو كنت من المحظوظين مثلي، لقرأت الأدب على يديه أو تتلمذت على على يدي أساتذة أجلاء، مثل كيجاب للجغرافيا، والدرديري للتاريخ والمطالعة، واسماعيل على عبد الكريم للانجليزية.. كل هؤلاء الأفذاذ كانوا في مرحلة دراسية تُسمى بالثانوي العام.. ولمّا فاتني التتلمُذ على يدي الأُستاذ عاصي القيد في المرحلة الثانوية، فقد حرصت على أخذ نصيبي من علمه الغزير، بعد نزوله للمعاش..في أحد الأعياد جلست إليه، فكانت المناسبة، سيرة المتنبئ والحمى، وبيت القصيد..كان الاستاذ عاصي القيد، يفتِّح للمعاني معانيا، حتى إذا وصل إلى بيت  المتنبئ الذي يقول:ــ “ما يَقبضُ المَوْتُ نَفساً من نفوسِهِمُ, إلاّ وَفي يَدِهِ مِنْ نَتْنِهَا عُودُ”. أشار إلى بلاغة النظم الذي يحتمل أكثر من معنى، وإلى براعة التقديم والتأخير،الذي لا يضاهى.

فالمتنبئ، يقول في هجاءه لكافور ورعاياه، أن ملك الموت ــ عزرائيل ــ حين يأتي لقبض نفساً من تلك النفوس، فإنه لا يفعل كما يفعل مع بقية البشر، بل ينتزع تلك الروح بالعود، أي بالعصا، أو نحو ذلك. هذا معنىً، بينما يحتمل النص معنىً آخر، هوأن ملك الموت، حين يأتي لقبض تلك الروح المُنتنة، فإنه يحترز لنفسه، فيحمل في يده عوداً من الند العطير، حتى يضاهي زَفارة تلك الرّائِحة، ريثما يقوم بواجبه بالغ المشقّة ذاك!

قيلت هذه القصيدة في القرن العاشر الميلادي، ولم تزل حديث الناس اليوم.. قالها أبو الطيِّب في زمانه ، لكنها اخترقت الحُجُب، فلا ترى ما يناسب حال نواطيرنا وثعالبنا، إلا ما افترعه هذا المتنبئ من معان خالده، جازت له حق الفخر كاملاً، عندما يقول:ــ ” أنامُ ملئ جفوني عن شوارِدها ــ ويسهرُ الخلق جرّاها ويختصم”!