إن مجرد “الاشتباه” في إصابة مواطن واحد بمرض الكوليرا في بلد ما يجب ان يقود مباشرة إلى حزمة عاجلة وصارمة من التدابير العلاجية والوقائية والاحترازية حماية للمواطنين، لأن المرض قاتل ومعدي وسريع الانتشار، وفي حالة السودان حيث المرافق الصحية في البلاد غير مؤهلة لخدمة المواطنين في الأحوال العادية ناهيك عن الظروف الاستثنائية، والبيئة منهارة تماما ومياه الشرب ملوثة ،وأكوام النفايات وأسراب الذباب وبرك المياه الراكدة مشاهد مألوفة في أرقى احياء العاصمة نفسها ناهيك عن الأرياف البعيدة أو الأحياء الفقيرة في المدن، فضلا عن تدني مستوى الثقافة الصحية بشكل مريع، فإن ظهور”الكوليرا” وارتفاع عدد الوفيات و الإصابات إلى المئات كما تواترت الأنباء من ولاية النيل الأزرق ثم كسلا، أمر يستوجب إعلان حالة طواريء لاحتواء هذا الخطر الماحق.

 أما حالة عدم المبالاة التي تبديها الحكومة تجاه ما يحدث وتركيزها فقط على نكران ان المرض الذي يحصد أرواح الناس هو”الكوليرا” والزعم بأنه  “الإسهال المائي الحاد”! فهذه جريمة جديدة ترتكب في حق الشعب السوداني!

إن التباطؤ المخجل في نجدة الإقليم المنكوب(ولاية النيل الأزرق) حيث يتكدس المرضى على الارض ويموتون قبل ان يظفروا بنظرة من طبيب او أدنى اجراء إسعافي من ممرض، والنقص المريع في الكادر الطبي والأدوية والمحاليل الضرورية لإنقاذ المرضى، وافتقار المعامل لأجهزة الفحص الدقيق للتشخيص، وإصرار الحكومة على فتح المدارس في هذا الظرف الصحي المعقد، والتركيز الإعلامي على التعتيم وإنكار وجود المرض بدلا من الاعتراف به رسميا وإبلاغ منظمة الصحة العالمية والشروع فورا في استقطاب الدعم الصحي العاجل بالتزامن مع التعريف بأماكن انتشار المرض والتوعية بكيفية الوقاية منه والإسعافات الأولية الضرورية للمصابين حتى لا يفقدوا حياتهم، كل هذا لا يندرج تحت عنوان “التقصير” بل هو الإجرام في حق المواطنين مع سبق الإصرار والترصد.

   إن التعامل مع كارثة خطيرة كهذه “بالطناش” الحكومي الماثل ما هو إلا عرض لمرض “الكوليرا السياسية المزمنة” في البلاد!