خالد فضل

  وقع الإنفصال وصار جنوب السودان سابقا دولة مُستقلّة , هذا أمرٌ واقع ليس من مجال لتجاهلة أو المزايدة فيه , كما وليس من حقّي تحديد خيارات أشخاص آخرين رغم وشيجة الإنتماء الوجداني والعقلاني لهم , بيد أنّ المشروع السياسي الذي قامت عليه دولة جنوب السودان المستقلة , لا يُعتبر ماركة مسجّلة حصريا على شعب جنوب السودان , فالكل يعلم أنّ مشروع بناء السودان الجديد لم يك مشروعا خاصا بدولة الجنوب , في الواقع كان المشروع يطرح فكرة إعادة بناء الدولة السودانية ذات التراب الوطني الموحّد من نمولي لحلفا ومن همشكوريب للجنينة كما كان يعبّر دوما الراحل د. جون قرنق دمبيور ,على هذا التراب السوداني تعيش أقوام وعرقيات بكل إرثهم الثقافي والعقائدي واللغوي بدون تمييز في الحقوق والواجبات . هذه الخلاصة الباذخة هي لبّ بناء وطن متعدد كما في حالة السودان , من هنا جاء التأييد لهذا المشروع في أوساط سودانيين كُثر لأنّه بإختصار شديد يعبّر عن واقع سوداني مائة بالمائة , فهو ليس كمشروعات الأسلمة التي تطرحها قوي الإسلام السياسي بمختلف لافتاتها , وخلافا لأطروحات اليسار القومي التي تعتبر العروبة مدخلا للبناء الوطني الإشتراكي وعوضا عن المشروع الشيوعي القائم على أممية وصراع طبقي تسود عبره طبقة البروليتاريا , بالطبع ليس تقليلا من شأن أطروحات قوى التقدُّم والإستنارة في اليسار السوداني العريض ,وبصورة خاصة اطروحات الحزب الشيوعي السوداني ذات الإقتراب الفعلي من قضايا السودان والسودانيين . بيد أنّ ما ميّز فكرة مشروع بناء السودان الجديد كونها جعلت قضايا الهامش السياسي والإجتماعي والإقتصادي في لبُّ قضايا البناء الوطني السوداني القويم , ولعلّ هذا الذي جعل من مناسبة استقبال الراحل د. جون قرنق تفوق التصورات وتفاجئ حتى منظمي الإستقبال نفسه , لقد عمّت موجة من التفاؤل لم يعش السودانيون مثيلا لها ربما إلا في يوم الإستقلال , وقد كانت تلك سانحة فارقة ونادرة من الأمل في بناء الوطن على هدى التعددية المعلومة .

  هل كانت الحركة الشعبية أمينة على تلك اللحظة واستثمارها جيّدا في السير قُدما بمشروعها العظيم ؟ الإجابة المؤسفة (لا) بدون تحفُّظ , صحيح لم تكن البيئة السياسية والإجتماعية مهيأة لقبول فكرة التغيير الشامل في المفاهيم النمطية التي سادت لقرون , ولكن الأصح أنّ ما من فكرة عظيمة للتغيير ولدت في حاضنة مواتية , على العكس كل الأفكار العظيمة تولد في بيئات الضد ثم تنمو وتكبر وسط العواصف حتى تستوي طالما حملت في جوفها معالجات صحيحة للواقع المختل , ومن عجب أنّ فكرة الإسلاميين والسلفيين رغم ضحالتها , وميلادها في بيئة غير مواتيةكذلك  إلا أنّها صمدت وقاومت حتى استولت على الساحة السودانية قاطبة , لقد أنفقت قيادات الحركة الشعبية فترة الإنتقال بسنواتها الست فيما يشبه العراك اليومي على عدة جبهات , وكأنما الحركة الشعبية كانت فقط د. جون قرنق , وليس ألآف المناضلين والسياسيين والشباب والنساء والمفكرين وأساتذة الجامعات .. إلخ إلخ , أفليس بعيدا تماما عن فكرة ومشروع بناء السودان الجديد أنْ تمض ست سنوات والفريق سلفا كير ميارديت النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة جنوب السودان لم تتعفر قدماه  برمال شمال كردفان أوحتى أطراف الخرطوم أو طين النيل الأزرق ناهيك عن صياصي دارفور ؟ وحتى عندما كانت الحملة الإنتخابية على أشدّها في جنوب كردفان اكتفى فقط بإرسال تحاياه للرفاق . وليت الإنشغال بأمر الجنوب كان هو الشغل الشاغل لقيادات الحركة وسدنة مشروع بناء السودان الجديد . المؤسف أنّ الإنفصال قد حدث ووجد الجنوب كيوم بدأ فيه النضال من أجل الحقوق أو أسوأ حالا , فقد تحوّل الصراع والفساد إلى مؤسسات رسمية تغذيه نعرات القبلية والجهوية بصورة أردأ مما كان في السودان القديم , وعوضا عن بناء السودان الجديد أو على الأقل الجنوب الجديد المبرأ من عيوب البناء الوطني المائل , إذ بالمشروع تذروه صراعات القيادات , كأنّ تلك القيادات لم تر أو تسمع يوما ما كان يطرحه الراحل د. جون قرنق ؟ كأنّ ألقاب الدكتوراة والشهادات الرفيعة لم ترتق بحملتها لمصاف المتعلمين فارتدّ الجنوب إلى إبادات عرقية وتطهير إثني بين القبائل . كيف لحملة لواء السودان الجديد الردّة لدرجة اللواذ بأسوأ طبعات النظام السياسي السوداني القديم وأفظعها ممارسة منذ الإستقلال , كيف بحملة مشعل ضوء السودان الجديد الإرتماء في حضن الظلام  في أشدّ ليالي السودان عتمة ؟ ولم نعدم من بين قيادات السودان الجديد من يقل إنّهم بصدد نقل تجربة حكومة الكيزان في تحدي المجتمع الدولي وسوق من تبقى من شعب الجنوب صاغرا إلى سوح الهتاف ( ليكم تدربنا الطاغية الأمريكان ) !كيف لبناة السودان الجديد الإنحراف ليس عن أساس البناء فقط بل إقتلاع الساس ؟ فأين هي الحركة الشعبية الآن تلك الحاكمة في الجنوب ؟ وماما ربيكا في صفوف المعارضة السلمية ودينق ألور وباقان أموم , بينما بيتر أدوك في صفوف المعارضة المسلحة رفقة رياك مشار , وقد كانوا على أيام النضال رفقة سلاح ومعاناة خنادق ورهق الكفاح الضاري من أجل بناء السودان الجديد ؟ أين الوعد السوداني الفذ الذي أطلقه د. جون ببناء وطن يجد فيه كل مواطن غرفة تأويه من رمضاء التمييز والتهميش والإقصاء , وطن لن يصلح بناؤه الا على هدى الحريات والديمقراطية وكفالة وصون حقوق الإنسان بهويته السودانوية القحة تجاوزا لعصبيات العرق والدين والثقافة والجهة ؟ أسئلة وأسئلة مؤرقة ولكنها ليست أشدّ ألما من مآساة ملايين الطيبين من الشيوخ والأطفال والنساء والشباب من أبناء جمهورية جنوب السودان الذين تشعر بالحسرة في عيونهم وتعيش الضياع في شجونهم , تحسّ بالإنكسار والهوان في ابتساماتهم الضحلة وهم الذين كانوا ملء العشم فخرا وعزّا وكرامة , من المسؤول عن هذه الحال سوى السدنة المفترضين لمشروع بناء السودان الجديد مما يطرح الأسئلة الموجعة وبدون رتوش عن نجاعة المشروع وهو يفشل في بناء عناصر صادقة ومخلصة وأمينة , ليس لنشره ؛ والتبشير به فهذا طموح , بل للإلتزام بأدنى ما فيه على المستوى الشخصي بحيث يتم الوعي بضرورات بناء الوطن وما يحتمه ذلك الوعي من تجاوز رواسب ومخلفات المفاهيم البالية التي حارب المناضلون ضدها وقرروا الإنفصال عنها , فأينه وعد الذين استضعفوا في الأرض من النساء والولدان ؟ وهل نداري الشمس بأصبع ونزعم غيابها أم نتش عين الضلام بالضو كما غنّى مصطفى , أم نردد القول الشعبي السائد لمن يضيّع مجدا ب(خربت جلدا ابقى سُقى) , فالواقع يشير إلى أنّ المشروع الرائد قد تمّ نسفه بوساطة حوارييه أنفسهم , ومستقبل البناء الوطني في الجنوب تهدده فعليا عواصف الحرب والنزاع المسلّح وتتناوشه دعاوى الإنفصال والتمزُّق , وكأنّما كل الخبرة التي حملتها قيادات الجنوب لم تتعدّ هذه المفردات ؟ أمّا السودان أمّا السودان !!!!وربما عُدنا مجددا فسكّة الحسرة ممتدة من نمولي لحلفا ومن همشكوريب للجنينة .