صلاح شعيب

في محلية ريستون التي أقطن فيها نجاور قرابة الستين من الأسر السودانية. عدد كبير من أبنائها دخلوا الجامعة، وبعضهم تخرج أطباء، ومهندسين، ومحامين في أميز الجامعات. ريستون محلية صغيرة ضمن محليات إقليم فيرفاكس. وفي كل محلية يناهز عدد الأسر السودانية رقم الخمسين أو أكثر. ومحلية فيرفاكس هي ضمن عشرة محليات تقريبا في منطقة فرجينيا. ولكن المنطقة تبدو كما لو أنها مدينة أمدرمان، إذ تقع مجاورة لمدينتي واشنطن التي هي مثل الخرطوم، وميرلاند التي تتكون كبحري. وفي هاتين المدينتين الأخريين يتوزع السودانيون في الأحياء كما هو حالهم في محلية ريستون. تخمينات الإحصائيين تقول، أحيانا، إن عددهم بلغ سبعة وعشرين ألف فردا. وهناك من يتوقعون أن هذا العدد أقل مما نتصور. أما وضع السودانيين في عموم الولايات المتحدة فهم اليوم في كل حي يشكلون عددا معتبرا من الأسر. ومع ذلك لا يعرف الناس إجمالي عدد السودانيين في الولايات المتحدة إذا خصمنا عدد سكان جنوب السودان الذين دخلوا البلاد بوصفهم سودانيين. فلا الحكومة، ولا المعارضة، تملكان إحصائية دقيقة، اللهم إلا الحكومة الأميركية.
السودانيون الذين يقطنون في الولايات المتحدة هم مزيج من مختلف مناطق السودان. ولكن في محليتنا، وبقية الأحياء، والمحليات، والمقاطعات، غالبهم من مناطق وسط وشمال السودان. هذه الأسر حياتها ارتبطت بأمريكا بعد ان تجنسوا أميركيا، أو امتلكوا وثائق تمثل مدخلا للتجنس. أما الأبناء المولودون في بلاد العم سام، وحتى غير المولودين فيها، فيقولون حين يتصل بهم والدهم صلاح شعيب حين قضوا إجازة صيف هذا العام: “السودان ممل، إننا نريد أن نذهب للبلد”. ضف أن أرباب هذه الاسر حين تؤانسهم لا يدركون هل أنهم مغتربون أم مهاجرون بعد أن عاش أكثرهم قرابة العقدين. ذلك رغم أن كل المؤشرات تقول إن عودتهم هم، ناهيك عن عودة أبنائهم، في كف عفريت. على أن هناك هناك أحفادا لبعضهم. ولاحظت مؤخرا أن كل من يزور السودان من هؤلاء الآباء يأتي مهرولا، فارا بجلده. وأول ما يحكيه الشخص العائد لك ـ بعد تنفسه الصعداء ـ هو كم المعاناة التي واجهها منذ دخوله مطار الخرطوم، وحتى لحظة خروجه.
-2-
هؤلاء السودانيون تعبوا جدا في بداية أيامهم في أرض الأحلام حتى احتلوا مناصب رفيعة في حقل العمل. فيهم الأستاذ في هارفارد، والموظف الكبير في البنك الدولي، والمدير في شركات الاستثمار الضخمة، والأستاذة في المدرسة الابتدائية، والمسؤولة عن تحصيل مال الطرق من أصحاب السيارات المارة، والمستثمر الكبير في قطاعات البيتزا، والمدير لمؤسسة تابعة للإعلام البريطاني، والضابط في الجيش الأميركي، وسائق التاكسي، والمخبر الكبير في الاف بي آي، والمستشار الأكاديمي في السفارات العربية، والصحفي في الواشنطن بوست. وفي الدرجات العملية الأخرى تجدهم حمالين حقائب في المطارات، وهناك الميكانيكي، والخبير في التكنلوجيا، وسائقو بصات المدارس، وغسالو الصحون في الفنادق، وغيرها من المهن التي من خلالها يبدعون، ويرسلون الملايين من الدولارات لسد حاجة أهلهم في السودان، ومناطق أخرى من العالم. أما أبناء السودانيين من الجيل الثاني فقد عوضوا آبائهم مشقة تربيتهم بعد ان نجحوا في حياتهم الأكاديمية، والوظيفية معا. وعلمت قبل أسبوعين أن ابنة حمال للحقائب في مطار دالاس الدولي اشترت منزلا لأمها وأبيها بعد أن قضت عامين فقط في مهنة الطب بعد التخرج.
هذا الواقع الدال على حياة السودانيين لا يقتصر مهجر الولايات المتحدة. فالحال من بعضه. في كندا، وكل دول أوروبا، وآسيا، وأستراليا، والخليج، الأمر سيان. فالسودانيون الذين هربوا بكثافة في زمن الإنقاذ ضربوا إلى المكسيك، والأسكيمو، وإسرائيل حتى. إنها هجرة غير مسبوقة في تاريخ البلاد، وتندر أسبابها في العالم العربي، والإسلامي، والأفريقي. وما يزال الذين يعيشون في الداخل ممن انفصلوا عن التأثير في واقع البلاد ينتظرون دورهم حتى لو بلغ فيهم اليأس لتسليم أنفسهم وجبة سائغة لحيتان المتوسط. وربما لو فتح العالم أبواب الهجرة للسودانيين لما بقي في البلاد إلا أهل النظام وحدهم.
الحكومة من جانبها ـ من خلال تصريحات المسؤولين ـ فرحة بهذه الهجرات حتى إن غادر خمسة آلاف من الأطباء، أو الرعاة المحنكين، في ظرف ثلاثة أشهر. فهي من جهة تتعامل مع الموضوع بحسابات سياسية، واقتصادية، وأمنية. من الناحية السياسية يرى مسؤولو الإنقاذ أن مغادرة أي فرد من الطبقة الوسطى القديمة إضافة لرصيد طبقتهم الوسطى الجديدة. مثلما يرون أن مغادرة هؤلاء الناقمين على الأوضاع ستكون خصما على دعاة التغيير الثوري المجرب. أما من الناحية الاقتصادية فالحكومة كما دلت التجارب تستفيد من تحويلات السودانيين في الخارج، والتي رغم أن معظمها يتم خارج الأنظمة المصرفية الرسمية، إلا أنها عملات صعبة تقلل الضغوطات على الأسر حتى لا يخرج أبناؤها إلى الشارع. ومن هنا تتم الاستفادة الأمنية بأن يقل عدد أبناء الطبقة الوسطى القديمة في أية مظاهرات متوقعة. والحقيقة أنه ليس هناك ما يدعو مسؤولي الإنقاذ إلى التفكير في تسرب خبرات البلد بهذه الكثافة، إذ إنهم لا يرون أن التفريط فيها يعد نتاج خلل أحدثوه في البلاد. فالذي يهاجر، كما يظنون، هو بالضرورة ضدهم، وإلا بقي، كما هو حال كادرهم، ليحتل موقعا يخدم به استمرار النظام. وعلى مستوى آخر فأن وراء نافوخ الإسلاميين يكمن فهم آخر. فالأولوية لكوادر الحركة الإسلامية في الرزق والعمل، أما البقية فلا خوف عليهم، ولا يحزنون لحالهم. ولذلك كانت مذبحة الصالح العام. وكون أن ذلك الموظف الذي أُحيل من الخدمة في البريد وهو يعول أسرة فيها من هم في الجامعة، أو رضيع بحاجة إلى لبن، فهذا لا يهم. بل إن الهم بمصدر رزق بديل لهذه الاسرة المحال ربها للصالح العام فليس من الإسلام في شئ.
-3-
نتاجا لهذه الهجرة تشكل سودانان، واحد في الداخل وآخر في المهاجر. ومن المفارقات أن سودانيي الداخل ينتظرون الفرصة للخروج، أما سودانيو الخارج فيتحينون الفرصة للرجوع إذا تغيرت الأوضاع، وصار بالإمكان استئناف إسهامهم. ولكن الملاحظ أن فرص سودانيي الداخل أفضل. فالتغيير المأمول ما يزال في حكم الغيب، وأن استقرار البلاد في حال التغيير باتجاه الحرية، والديموقراطية، والسلام، يتطلب وقتا طويلا بالنظر إلى التخريب الذي طال كل مناحي الحياة السودانية.
كثيرا ما يتخوف منظرون في حقلي السياسة، والاجتماع، وكتاب الانترنت، من انفصال مناطق البلاد، وتجزئتها، ويتخوفون من الحالة السورية، أو الليبية، أو اليمنية. ولكن بناءً على ما يجري في مناطق النزاع، وبناء على حقيقة تشتت السودانيين في بقاع الأرض بهذه الكثافة فإن الانفصال قد وقع حقيقة، وأن الحالة السورية شملت مناطق دارفور، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان. فالانفصال الجغرافي في حالة الجنوب قد قاد الجنوبيين إلى العودة إلى بلادهم. ولكن السودانيين الشماليين انفصلوا الآن من قراهم باتجاه المدن، أما سكان المدن فذهبوا إلى الخرطوم التي تكدست، وعبر مطار الخرطوم حدثت الهجرات المليونية لأبناء الخرطوم، وأمدرمان، وبحري، برفقة أبناء الأقاليم. وإذا لم تكن هذه الهجرات أخطر من الانفصال الجغرافي فماذا يكون؟ وهل هناك أتعس من الانفصال النفسي عن الأرض في ظل غياب مقومات الكرامة، والرزق، والاحترام، والأمن، والاستقرار، والاستقامة، والشفافية، والمساهمة الوطنية؟.
لا معنى للتخوف من انفصال البلاد عن بعضها بعضا إن لم تحس النخب حقا بحقيقة انفصال ملايين السودانيين الآن عن وطن احتله قتلة، ومخربون، ومحتالون، وأفاكون. فهؤلاء الشرفاء من السودانيين الذين غادروا نحو أميركا، وكندا، واستراليا، وأوروبا بحثا عن كرامة، ورزق حلال، وأمن، وسلام، ارتبطت حياتهم، وحياة أبنائهم بمهاجرهم، وليس من السهل عودتهم للوطن في القريب العاجل. فالجريمة التي ارتكبها الإسلاميون هي أنهم شتتوا شمل الأسر بتضييق فرص رزقها. يقيم واحد من الأسرة في النرويج، وآخر في أستراليا، وثالث في الولايات المتحدة، ورابع في قطر، وحين يتوفى والد لهم أو أم فإنه يتعذر عليهم العودة جميعا لتلقي العزاء حتى تلتقي الاسرة مجددا. والسؤال هو إذا لم يسهم حدث جلل مثل انتقال الأب أو الأم إلى الدار الآخرة في لم شمل الأسرة في أمدرمان، أو بورتسودان، أو نيالا، أو عطبرة، فما الذي سيحمل أفراد الأسرة الواحدة للعودة إلى البلاد للم الشمل لبرهة من الزمن؟. ثم إن غالب آباء الجيل الاخير من السودانيين المولودين في الخارج يتجاوزون الأربعين من الأعوام، وهذا يعني أنهم بعد ثلاثة عقود تقريبا سيغادرون الحياة دون أن يعودوا للاستقرار في البلاد. وعندها سيكون أبناؤهم رموزا وطنية في بلدان أخرى، منفصلين عن وطن الآباء، وأوفياء للأوطان التي رأوا فيها الحياة أول مرة. وهل ينتظر الإسلاميون الإصلاحيون أن يحكموا الوطن مرة أخرى.